في خطاب التجديد الديني

د. رضوان السيد

مفكر وأكاديمي لبناني

تجديد أو إصلاح

لا أعرف كاتبًا في الشأن الديني الإسلامي أو العام، سواء أكان عربيًّا أم غير عربي، وطوال خمسة عقودٍ وأكثر؛ إلاّ ودعا للتجديد الديني أو الإصلاح الديني أو الإصلاح الإسلامي. ولأنّ البروتستانت منذ أيام “مارتن لوثر” سمَّوْا حركتهم إصلاحًا دينيًّا؛ فقد آثر محافظونا في الغالب الحديث عن تجديدٍ ديني وليس في الدين، كما تجنبوا التشبه بالبروتستانت في تسمية دعواتهم إصلاحًا!
وعلى أي حال؛ فإننا دخلنا في السنوات العشر الماضية، سواء وعينا ذلك أو لم نَعِه، في عملياتٍ زاخرة للتجديد بل للإصلاح، وما عاد الإيقاف أو التوقف ممكنًا أو مأنوسًا. وسأُحاول أن أوضّح كيف حدث ذلك ولماذا، وما هي الآفاق الممكنة أو المرجوّة.

في دراستي عام 2017 التي قدمتُها في مؤتمر منتدى تعزيز السلم بأبو ظبي وكررت إلقاءها مرات من بعد بعنوان “سلامة الدين وسلام العالم، نحو سرديةٍ جديدةٍ في الإسلام”، راجعتُ في البداية سبعة مشروعات قُدِّمت للتجديد الديني أو الإصلاح المؤسسي، هي: المشروع العثماني لتقنين الموروث الفقهي (الحنفي). ومشروع الإمام “محمد عبده” للإصلاح الديني والفكري والتجديد اللساني، وإصلاح التعليم في الأزهر، وصَون الأوقاف من التغول، وإصلاح المحاكم الشرعية. ومشروع “محمد إقبال” لتجديد التفكير الديني في الإسلام. ومشروع “عبدالرزاق السنهوري” للإصلاح والملاءمة بين الموروث الفقهي والقوانين المدنية. ومشروعات النقد الجذري للموروث الديني باعتبار ذلك سبيلًا للإصلاح. ومشروعات اعتبار “مقاصد الشريعة” مدخلًا للتلاؤم مع الأزمنة الحديثة. وأخيرًا أفكار ومشروعات مكافحة التطرف في الدين.

مساعي الملاءمة وجهودها

الدين محوران: الكتاب والسنة، والجماعة المتلقّية والمحتضنة. ومنذ التقعيد الأول في رسالة الإمام “الشافعي” (ت 204هـ) التي حدَّد فيها أدلة الاستنباط والتشريع الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس؛ صار واضحًا أنّ الأمة المحتضنة تملك سلطات التدخل بالتفسير والاجتهاد الفردي (القياس)، والجماعي (الإجماع) للعيش مع النصّ والتأثير والتأثر للتكيف والتكييف في شئون الحياة والعيش. وقد كان ذلك واضحًا للصحابة، حيث قال الإمام “علي”: “إنّ الكتاب لا ينطق، وإنما ينطقُ به الرجال”. وقد قُرئ الكتاب وقُرئت مجموعات السنة ملايين المرات، عبر العصور؛ إمّا للحفظ والاستيعاب، أو للمزيد من الفهم، أو للتجديد في التفسير والتأويل، أو للأمور الثلاثة معًا. لقد كان المقصود دائمًا الملاءمة والتلاؤم مع المتغيرات. فالإمام “الغزالي” يقول: إنّ النصوص تتناهى والوقائع لا تتناهى. وقد اختلف المفسرون في معنى أو معاني قوله تعالى: “قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا”، فما معنى الكلمات هنا؟ هل معناها تعددات المعنى للمفرد أو الكلمة، أو أنّ المعنى: تعدد الاجتهادات في الفهم؟ وفي كل الأحوال كانت الاجتهادات تجري في المسائل الجزئية التي تطرأ في الواقع المتغير، وقد سمّاها المالكية فيما بعد: النوازل. وعندما كانت المتغيرات تتكاثر وتبدو شاملة، كانت الحاجة تظهر إلى تفسيرٍ جديدٍ للقرآن حتى لا يحصُلَ افتراقٌ وانفصامٌ بين النصّ المُوحَى وحيوات المسلمين الخاصة والعامة.

إنّ المحاولات أو المشروعات السبعة التي ذكرتُها للتجديد الديني أو الإصلاح الديني في المائة عامٍ الأخيرة هي من هذا النوع. فقد أحسّ كثيرون بشيوع عدم التلاؤم مع مجريات الحاضر، لشيوع التقليد ورسوخه، والتأثيرات السلبية للفوات على حياة المسلمين فيما بينهم ومع العالم. ولنتذكر أنّ الإمام “محمد عبده” ما عمل على مشروعاتٍ لإصلاح التعليم في الأزهر، وإبداع أساليب جديدة في العربية، وصون الأوقاف وإصلاح المحاكم الشرعية فقط؛ بل وبدأ دروسًا لتفسير القرآن حتى وفاته عام 1905. ولنتذكر أيضًا أنّ “خير الدين التونسي” سمّى في كتابه الصادر عام 1867 الاندفاعة الغربية بالسيل الذي لا يُمكن دفعه إلّا بالتلاؤم والتأهل. ولنتذكر أيضًا وأيضًا أن الشيخ “رفاعة الطهطاوي” أعاد عام 1857 نشر مقدمة ابن خلدون بعد أن كانت قد نُشرت في فرنسا، كما طلب عام 1877 ترجمة كتاب “غيزو” (تاريخ التمدن في أوروبا)، الذي أقبل “محمد عبده” في شبابه على قراءته مع زملائه وطلابه. وقد حكمت فكرة المدنية وقوانين نشوئها وانحطاطها الأذهان على مدى خمسين عامًا وأكثر. وهكذا فالمسلمون أو مثقفوهم -تقليديين كانوا أم تحديثيين- أدركوا مبكرًا، وإن بمقادير ودرجات مختلفة، مسألة الفوات كما يسميها “عبدالله العروي”، وبحسب درجة الإدراك كانت ردود الأفعال، سواء بالدعوة الملحاحة إلى فتح باب الاجتهاد، أو بالدعوة إلى الإصلاح المؤسسي، وأولًا وآخرًا بالدعوة إلى تأمل أحوال وسُنن التمدن والمدنية، بدافع إخراج المسلمين من حالة الانحطاط!
لقد فشلت مشروعات الإصلاح السالفة الذكر جزئيًّا أو كليًّا، أو تحولت إلى مساراتٍ ونهاياتٍ ما قصدها أصحابها أو دُعاتُها الأوائل. فالتقنين الذي كان يرادُ به استخدام الموروث الفقهي في صياغة قوانين (مدنية) تعين في التلاؤم مع التنظيمات العصرية، كما تُعينُ في الشرعنة للأوضاع الجديدة في الدول الوطنية؛ ما أفاد إلّا في الأحوال الشخصية ومدوناتها وقوانينها. أما في المجالات الأُخرى فسرعان ما تحول إلى أحاديث وكتب في تقنين الشريعة، ثم في تطبيقها، باعتبارها غير مطبّقة!. وقد اقتضى ذلك من جانب الحزبيين والحاكميين ضرورة إقامة الدولة الإسلامية التي تستطيع وحدها أن تطبّق الشريعة، أما الدول القائمة فهي غير شرعية؛ في حين أنّ القوانين المدنية ضلالٌ وتغريبٌ واستعمارٌ وابتعادٌ عن شرع الله!

وليس من المفيد متابعة مصائر المشروعات التجديدية والإصلاحية الأُخرى، ليس بسبب فشلها في تحقيق أهدافها؛ بل لثلاثة أمورٍ أُخرى: أولها أنه كان لها تأثير في التعريف بالإمكانيات الكامنة في النص، والأُخرى التي يفيدها الواقع، وذلك مثل مسألة حقوق الإنسان التي أفاد من إعلانها العالمي (1948) العالم كله. وثانيها التجديد الفقهي الشاسع باعتبار أنّ مطلب الاجتهاد كان مشتركًا بين كل المشروعات. وفي حين أفاد من مسألة حقوق الإنسان المثقفون والقانونيون في التنظير والتطوير والنضال؛ فإنّ فقهاء محترفين كثيرين تدخلوا للتجديد الفقهي، بل وفكرت قلةٌ منهم في الإصلاح الديني. أما الأمر الثالث الذي ينبغي التقديم به لما يأتي بعد فهو أنّ المؤسسات الدينية التقليدية التي دخلت في التجديد الفقهي الكبير عبر مائة عام، ما وقفت مع التجديد العقدي والفكري رغم ريادة بعض أعلامها، مثل: الشيخ “محمد عبده”، والشيخ “محمود شلتوت”، والشيخ “الطاهر بن عاشور”، وذلك إمّا لأنّ التحديثيين بدوا راديكاليين (مثل مفكري إنكار الموروث)، أو للخشية من تهدُّد الهوية الدينية بالغربنة الشديدة، أو بسبب الحملات على المؤسسات الدينية من جانب الحداثيين.

الانشقاقات وعقابيلها

وعلى أي حالٍ ثانيًا وثالثًا، حدثت انفجاراتٌ في الإسلام منذ السبعينيات، واستهدف المنفجرون باسم الدين وعلى التوالي: الدول الوطنية، والمؤسسات الدينية، ونظام العالم. وفي هذه الجهات الثلاث حقق الإسلاميون الجدد ضربات مؤثرة عبر أكثر من ثلاثة عقود. بيد أنّ أكبر أحداث التأثير: إسقاط نظام الدولة الوطنية في إيران، عام 1979، وقتل الرئيس “السادات” عام 1981، و”غزوة” أمريكا عام 2001، وإقامة تنظيم “الدولة الإسلامية” عام 2014. وقد اعتُبرت حركات الإسلام الجديد انشقاقات في الدين لدى السنة والشيعة، لأنها خرجت على أصول ومسلَّمات المذهبين المستقرة منذ ألف عام وفي النصوص والأعراف، وكل ذلك بحجة تجديد العهد بالإمامة أو بالدولة الإسلامية ومن طريق تطبيق الشريعة التي لم تعد نهجًا للحياة الحرة والمزدهرة والمسالمة عندهم، بل مجموعة مركبة من العقائد والفقهيات المتناقضة المشترك بينها هو الراديكالية المفزعة التي ظهر مثلها في الثورة الفرنسية والثورة الروسية والفاشيات. وإنما الفرق أنها باسم الدين، وأنها تعود بأصل الأمور كلّها إلى “مُتخيَّل” صنعه الجهل والانتقائية والاغترار بالتقنيات التي صارت معروفة في وسائل التواصل، والتي تتولد عنها الحقائق الاعتبارية Virtual Reality. ففي الصورة سلام الدولة (الإسلامية) ورفاهها وسلامتها، وفي الواقع قتل الناس كأنما هم ذباب، وباسم ماذا؟ باسم تطبيق الشريعة! إنّ خطاب القرآن الكريم أنّ المؤمنين الذين يعملون الصالحات “لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة”، فكيف تكون “البشرى”؟ أبهذا الجحيم على الأرض؟! الحركات الإسلامية الشيعية والسنية هي حركات حديثة أنتجتها تفاوتات الحداثة بين الأقوياء والضعفاء، وأنتجها فشل الإصلاح الديني، كما ساعد في صعودها ضعف المؤسسات الدينية أو تهافُتُها. وهي بطبيعتها في الفكرة والنشأة لا تستطيع أن تكون إلاّ عنيفة لأنها تريد جرف الواقع لصالح المثال المتخيَّل والخيال المريض الذي يرى المؤامرة في كل شيءٍ وكل لحظة. ولننظر بعد “القاعدة” و”داعش” في تصرفات الولي الفقيه، فهو يمارس العنف الشرس ضد شعبه، لكنه لا يتردد في إثارة العنف في العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان والبحرين، وبقصد التخريب ولا شيء غير!

ولأنني أزهري، وتربيت في المعهد الديني والجامعة على السلم والسلام والمسالمة والوسطية وتحريم العنف حتى بالكلمة واللفتة، كنتُ رغم تخصصي بين المتفاجئين جدًّا بقتل وزير الأوقاف المصري من جانب المتطرفين (1978) الذي كان قد درّسَنا مادة التفسير في كلية أصول الدين عام 1968، وشُدهتُ تمامًا بقتل الرئيس “السادات”. ومنذ ذلك الحين وبالنظر لأفعال الخمينيين والجهاديين السنة، تقرر لديَّ أنّ العنف باسم الدين، وباسم الإسلام بالذات؛ سيكون الأكثر تدميرًا في الدين، وتقسيمًا للمجتمعات، وشرًّا في وجه العالم يسوِّغ كل عدوان!

من ردود الأفعال إلى الإصلاح

كانت المؤسسات الدينية في طليعة المتضررين من عنف الجهاديين، ومن تسييس الصحويين للدين، بيد أنّ ردود أفعالها قبل عام 2001 ما كانت قويةً ولا مؤثرة ولا لافتة للانتباه. ويعود ذلك إلى أنها لم تكن بحالةٍ جيدةٍ في فكرها وفي بنيتها الإدارية. وقد سلكت الدول الوطنية تجاهها خلال ستة عقود أحد ثلاثة مسالك: الحفظ والاعتبار وتبادل التأييد في الدول العربية الكبرى مثل مصر والسعودية والمغرب، أو الإضعاف والكسر في مثل سوريا والعراق وليبيا وتونس والجزائر، أو الحياد الإيجابي والتحييد في دول صغرى مثل لبنان وموريتانيا والأردن وعُمان. أما الصحويون والجهاديون فقد اعتبروا المؤسسات الدينية منذ البداية لسان السلطان، وعبئًا على الدين الصحيح؛ في حين هاجمها الحداثيون لتقليديتها ورجعيتها. وفي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كانت المؤسسات الدينية ما تزال مهتمةً بموضوعين: الضغط على الدول الوطنية من أجل تقنين الشريعة، والتصارع مع الحداثيين العرب والأجانب الذين يشوِّهون في نظرها صورة الإسلام!

بيد أنّ العنف الساطع الذي مارسه الجهاديون في كل مكان، والذي بلغ ذروته بالهجوم على الولايات المتحدة، والانغماس في الحربين الأهليتين في العراق وسوريا، وإقامة الدولة المتخيَّلة، والأخطار التي تَهَدَّدت الدول والمجتمعات العربية والإسلامية من الخارج والداخل، وضغوط الدول نفسها؛ كلُّ ذلك دفع الجهات الدينية إلى أن تستمدَّ من الضعف قوةً، فتذهب في السعودية ومصر والأردن والمغرب والإمارات باتجاه إطلاق ممارسات ما لبثت أن تحولت إلى مبادرات لمكافحة التطرف والإرهاب، ثم لاجتراح رؤية جديدة للدين. وقد سميتُ هذه العملية الزاخرة (بين 2004 و2015) مرحلة التأهُّل، وأضفتُ إليها بعد عام 2015 مفرد: التأهيل، أي إنّ المؤسسات الدينية وقد حصلت على إمكانيات ورُفعت عنها بعض القيود انطلقت وفي نشاطاتٍ ما كانت كلّها تتوخّى اجتراح الخطط البعيدة المدى، للقيام بثلاثة أمور متلازمة: الإقدار الإداري والبنيوي الفكري، وإطلاق الصرخات في الندوات والمؤتمرات ضد التطرف والإرهاب، والتواصل مع العالم الخارجي الديني والثقافي والسياسي لعرض صورةٍ أُخرى للإسلام. لقد كانت المؤسسات الدينية السنية الكبرى في غربةٍ فعليةٍ عن نفسها ومهماتها وأدوارها. وقد عرضْتُ لذلك في كتابي (أزمنة التغيير.. الدين والدولة والإسلام السياسي) [أبوظبي – 2014، ومصر – 2016]. ولذلك وعندما بدأتْ بالعمل تحت وطأة ضغوط الواقع، ازداد الشعور بالفجوات، والوعي بضرورة ملئها أو رفع الكفاءة في التفكير الديني، وفي قراءة الواقع الديني الداخلي، ومشكلات الإسلام والمسلمين مع العالم، التي تسبب بها -إلى جانب السياسات الدولية- الجهاديون والصحويون.

بدأ الأمر بندواتٍ ومؤتمراتٍ ترفع الصوت في وجه العنف باسم الدين، وتعرض صورةً أو صُوَرًا أُخرى، وصارت المواجهة علنيةً بين العنيفين والجهات الدينية. وقد نجحت بعض التكتيكات، في حين احتاج الأمر إلى التبديل والتغيير في تكتيكاتٍ أُخرى. وبدا في الممارسة أنّ عرض نصوص السلم في الكتاب والسنة، يستطيع الجهاديون وبعض الصحويين مقابلته بنصوصٍ يرون أنها تؤيد العنف في مواجهة أعداء الدين وتطبيق الشريعة. وبدا من جهةٍ أُخرى أنّ هناك مفاهيم صارت مسلَّمات لدى سائر المسلمين، ويستخدمها الجهاديون والصحويون، مثل: الإيمان، والجهاد، والخلافة، والدولة، والدار، والعلاقات بغير المسلمين، ولا بد من الجرأة والتقدم إلى نقد الأفهام حولها نقدًا جذريًّا. وقد تردد علماء المؤسسات لكنهم ما لبثوا أن عمدوا لذلك لدفع الضرر عن الدين وعن المسلمين الناجم عن استغلال الجهاديين للقراءة التقليدية لتلك المفاهيم والمؤسسات. الأفكار الأليفة أو الأفهام الأليفة تصبح تنحيتها صعبة، لأنها تبدأ جزءًا من العُرف، ثم تصير مع تقادم الأزمنة جزءًا من الدين. وفيما عدا الأركان الثلاثة للاعتقاد: الوحدانية، والنبوات والكتب، واليوم الآخِر؛ فإنّ الأمور كلّها يجوز الحديث فيها وربما يكون ضروريًّا أحيانًا الحديث النقدي!

وعلى أي حال، وبعد عام 2015، كانت المؤسسات الدينية الثلاث أو الأربع الكبرى الفاعلة في العالم العربي قد انطلقت وبالتأهُّل والتأهيل للتجديد الديني والإصلاح الديني. وأريد أن أضرب مَثَـلًا على ذلك بثـلاث وثائـق: وثيقـة البابا وشيـخ الأزهر (الأخوة الإنسانية)، ووثيقة منتـدى تعـزيز السـلم (حلف الفضول الجديد)، ووثيقة مكة المكرمة (السلم والمواطنة الشاملة) من جانب رابطة العالم الإسلامي. لقد صدرت عن هذه المؤسسات وغيرها عشرات البيانات والإعلانات في السنوات العشر الأخيرة، لكنّ الوثائق الثلاث تمثل الذروة في المضيّ من التجديد إلى الإصلاح، وفي تغيير “رؤية العالم” لدى المسلمين. وفي عام 2019 ألقيتُ محاضرة قارنتُ فيها بين هذه الوثائق، وبينها وبين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ووجدْتُ اتفاقًا في أربعة عشر بندًا، ولا افتراق في غيرها، لكنْ هناك إغفالٌ لبعض البنود والمسائل. فبالإضافة إلى التغيير في الفكر الديني، هناك أمرٌ مهمٌّ آخر هو أنّ القائم على التجديد والإصلاح هذه المرة الجهات الدينية التي كانت طوال القرن العشرين لا تدخل في ذلك، أو يدخل وحسْب أفرادٌ منها. التغيير نوعي، وهو يعرض بدائل للأوضاع الراهنة على العالم، وعلى المسلمين بالدواخل.

منذ عام 2016، ولأنني مُشاركٌ منذ عام 2007 (= مبادرة الملك عبدالله لحوار الأديان والثقافات) في محاولات ومشروعات تغيير رؤية العالم في الوعي بالإسلام؛ أدركْتُ أنّ تغييرًا نوعيًّا يحصل، ولا يتنبه إليه أو يعيه تمامًا حتى بعض الذين يقومون به. ولذلك، وبعد تفكيرٍ طويلٍ وتمزيقٍ لأوراق كثيرة، ألقيتُ محاضرتي عن (سلامة الدين وسلام العالم: نحو سردية جديدة في الإسلام)، وقد انتهيتُ فيها إلى أنّ الرؤية الجديدة للإسلام التي تتبلور لدى المؤسسات الدينية ولدى الجمهور، تقوم على ثلاث قواعد: الرحمة هي المناط في علاقة الله بعباده، والتعارف هو المناط في علائق الناس بعضهم ببعض، ومقاصد الشريعة هي التزام المسلمين تجاه دينهم وتجاه العالم.

وقد تابعتُ آليات التفكير والتدبير لدى المؤسسات الدينية وبعض مفكري الاعتدال والوسطية فوجدتُها تقوم على نوعين: المساحة التأويلية، فالتركيب. والمساحة التأويلية -بحسب “بول ريكور”- هي التي تتيح قراءة النصوص والأحداث في بنى وسياقات جديدة. وبالمضيّ في هذه الآلية التي تتضمن تغييرًا كبيرًا في المعنى وإمكانيات النصوص والأحداث، تتهيأ الظروف لإعادة تكوين وتركيب الشبكة الجديدة للمفاهيم والاعتبارات.

ولستُ أزعم أنّ التجديد أو الإصلاح قد اكتملا أو تكاملا، إذ ما تزال تؤثر فيهما وعليهما ظروف الأزمات والاحتقانات والاستنزافات. ومن جهةٍ أُخرى، فإنّ العملية التغييرية كانت سريعةً بحيث لم يتنبّه بعض القائمين عليها إلى أهمية الخطوات التي قُطعت على الطريق الطويل. كما أن خصومهم من المثقفين لم يتنبهوا إلى أنّ قضية أو مشكلة الموروث صارت من الماضي. فنحن في زمنٍ جديدٍ للفهم والتجاور بدون قطائع وإنكارات أو تقديسات. هناك تجديدٌ في الدين وإصلاح يجريان في الواقع، وقد صار الأمر خيارًا ولم يعد مدفوعًا بالضرورات. ويكون علينا أن نعمل على أن يكتمل الوعي بذلك، وأن تزداد ثقة المؤسسات بنفسها، وتمضي في التأهل والتأهيل، وأن نظلَّ نناضل من أجل علاقاتٍ أفضل بين المؤسسات والمثقفين. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram