سياسةمختارات

في ذكرى اغتيال رفيق الحريري.. دليل مدرس الرياضيات الناجح لحُكم لبنان  

قبل أيام قليلة حلَّت ذكرى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري السادسة عشرة، والذي يعد أبرز رموز الطبقة الحاكمة، التي أعادت بناء لبنان سياسياً واقتصادياً، ذاك البلد الذي يعاني حاليا صعوبات كبرى تكاد تنتهي به إلى حافة الهاوية ومسار الدول الفاشلة.

“الحريري الأب”، الذي تحول إلى أيقونة نجاح في حُكم البلد متعدد الطوائف، كان شاهداً عليها عبوره ببلاده بعد حرب أهلية استمرت 15 سنة، وعلاقات خارجية ناجحة كحليف مؤثر في الشرق الأوسط، وفاعل لا يغيب عن التسويات السياسية لأي أزمة في بلد مجاور.

كان وراء هذا النجاح للحريري مقومات مهمة يحملها رجل قوي في حكم بلد ممزق، حتى بات مؤثرا في المشهد السياسي اللبناني، حتى بعد وفاته، خاصة إذا ما قورن بما يحدث حاليا في لبنان لاستكشاف مواطن ونقاط الفشل.

رفيق الحريري

رفيق الحريري.. مدرس رياضيات حكم لبنان  

لأسرة سُنية متوسطة الحال -غير سياسية- في مدينة صيدا، نشأ رفيق الحريري، المولود عام 1944، في ظروف اقتصادية صعبة، دفعته مبكرا إلى السعي لامتهان أي فرص عمل مناسبة لمساعدة والده، الذي كان يعمل مزارعا بإحدى المزارع اللبنانية في الجنوب.

لم يمر وقت طويل حتى تهيأت للشاب فرصة عمل بالسعودية كمدرس رياضيات، عقب دراسته المحاسبة في جامعة بيروت العربية، ليترك لبنان مودعا حركة القوميين العرب، التي نشط فيها خلال سنواته الجامعية، ليبدأ مسيرته المهنية في المملكة السعودية التي كانت تفتح أبوابها آنذاك للوافدين.

كانت سنوات المملكة هي بداية رحلة صناعة مجد “رفيق” سياسيا، حيث ترقى سريعا من عمله الأول كمدرس رياضيات إلى محاسب في شركة مقاولات، كانت بوابته لتشييد إمبراطوريته الاقتصادية عبر تأسيس شركته الخاصة عام 1970، والتي لعبت دورا بارزا في عمليات الإعمار داخل المملكة، كما امتد نشاطها إلى الخارج، وتوسعت أعماله لتشمل قطاعات أخرى كالمصارف وشركات التأمين والاتصالات.

أتاح نفوذ الرجل الاقتصادي داخل المملكة ومقومات شخصيته شديدة الذكاء نسج علاقات وثيقة بالعائلة المالكة بالسعودية حتى أصبح مبعوثا شخصيا لملك السعودية، فهد بن عبدالعزيز آل سعود، ومُنح الجنسية السعودية عام 1979.

الحرب الأهلية اللبنانية تصنع مجد الحريري

هيأ نفوذ رجل الأعمال العصامي في العالم العربي وعلاقاته الوثيقة مع الحكام العرب حضورا أكبر في أزمات بلاده، تُوجت بإنجازات كبرى كان شاهدا عليها بصماته في كُبرى الأزمات التي عاشتها لبنان، بدءا من وساطته في إلغاء اتفاق 17 مايو/أيار اللبناني-الإسرائيلي، إلى الاتفاق الثلاثي بين الميليشيات الكبرى، وصولا إلى مؤتمري جنيف ولوزان وعهد الحكومتين ثم اتفاق الطائف  عام 1990، والذي أنهى 16 عامًا من الحرب الأهلية اللبنانية، ليخلد بأدواره اسمه في تاريخ بلاده، ما أهله لاحقا ليكون أول رئيس لحكومة لبنانية بعد الحرب الأهلية، بعدما استقطب الزعامة السُّنية.

هذه النجاحات والوساطات منحته شرعية كزعيم للسُّنة في بلاده وكرئيس حكومة أعاد خلال سنوات ولايته الأولى بين عامي 1992 و1998 ترميم اقتصاد لبنان، الذي أنهكه الحرب، بتوظيف علاقاته الدولية لإعادتها من جديد إلى الخريطة المالية العالمية، وتسهيل الحصول على قروض دولية استخدمها في تأهيل المرافق والبنية التحتية، والأهم دفع بلاده نحو التحرر من بعض الأوصياء على قرار لبنان في الداخل والخارج.

في ولايته الثانية، التي بدأت عام 2000، أطلق خطته التي عرفت باسم “هورايزون 2000″، على إعادة إعمار وسط بيروت، وأحيا صناعة السياحة في البلاد.

غير أن مسيرة الرجل كزعيم للسُّنة وأحد الوسطاء التاريخيين في الشرق الأوسط، لم تستمر بعد اغتياله عبر مجموعة تزعمها أحد المنتمين لتنظيم “حزب الله” اللبناني، وذلك بتفجير شاحنة محملة بالمتفجرات لدى مرور سيارته قرب فندق سان جورج ببيروت أثناء عودته من جلسة برلمانية.

تحدث الصحفي اللبناني غسان شربل، رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط اللندنية، وأحد من التقوا “الحريري” أكثر من مرة عن سمات الحريري قائلا: “كان من تلك القماشة النادرة، رجلٌ تتكئ عليه مدينة، رجلٌ يتكئ عليه جبل، رجلٌ تتكئ عليه بلاد.. وبعض الرجال يثير حسد الجبال”.

الصحفية اللبنانية، مطيعة هلاك، تقول لـ”ذات مصر”: “يجب أن نأخذ في الاعتبار أن اغتيال الحريري أسهم إلى حد كبير في الانهيار الذي وصلت إليه الأمور في لبنان بسبب أبعاده الإقليمية والدولية”.

وأضافت أن نجاح “الحريري الأب” الرئيسي يتمثل في العلاقات الدولية القوية، بالإضافة إلى ثرائه وإمكاناته ومهاراته الشخصية، وهي مهارات لا يمتلكها أبناؤه، موضحة أنه من المهم الانتباه إلى أن الأب حكم في فترة الوجود السوري بلبنان، وكان حليفا للنظام السوري ضمن التركيبة التي حكمت لبنان حينذاك، حتى حصل الخلاف مع الرئيس اللبناني السابق إميل لحود بسبب تأييده بقاء القوات السورية في لبنان قبل فترة من اغتياله، وهي التركيبة التي أسهمت، بفعل مهارات الرجل، في حالة الاستقرار التي عاشته بلاده.

حادث اغتيال الحريري

لماذا أخفق من جاؤوا بعد الحريري؟

سجل حادث اغتيال “الحريري الأب”، الذي تحول إلى ظاهرة بارزة في عالم “الزعامة السنية” اللبنانية، حدثا فارقا في تاريخ لبنان على كافة الأصعدة، انعكست آثاره في الخارج والداخل، متمثلا في الطبقة الحاكمة الجديدة التي تحولت إلى عبء على لبنان، ليكتب بموته نهاية عقود من الاستقرار السياسي والاقتصادي، وبداية عهد انتقلت الكلمة العليا به في الحُكم لشهوات الخارج ومغامرات الداخل.

يوسف بركات، الباحث المتخصص في الإعلام السياسي بالجامعة الأمريكية ببيروت، يقول، في اتصال هاتفي مع “ذات مصر”، إن “الحريري” كان حافظا لأمن واستقرار لبنان خلال شغله منصب رئاسة الحكومة اللبنانية في معظم فتراتها بعد الحرب الأهلية، موضحا أن أحد العوامل الرئيسية، التي ساعدته على هذا الاستقرار، هو القبول الدولي به وقدرته على طرح معادلة حكم متوازنة يشترك فيها الفاعلون الدوليون بدرجات تأثير متساوية يحافظ عليها دوما.

وأضاف “بركات” أن انعكاسات هذه العلاقات الوثيقة للحريري الأب مع حلفائه الدوليين أسهمت في دعمه ماليا وانتشال لبنان من الإفلاس، في ظل عدم رغبة أصدقائه الدوليين في انهيار لبنان، وكان على رأس هؤلاء المؤيدين له الرئيس الفرنسي وقتها جاك شيراك، وهذا يفسر انعقاد مؤتمرين عام 2002 و2003 من أجل دعم لبنان، وقت احتياجها إلى الأموال للانطلاق بخطته الاقتصادية.

شيراك والحريري

نفوذ الرجل وقدرته على التواصل مع الخصوم بمسافات متقاربة، بحسب “بركات”، جعلت من اغتياله “نكبة لخصومه قبل حلفائه”، مستشهدا بتوابع مقتله على سوريا، التي فقدت بمقتله نفوذها وحضورها في الداخل اللبناني وغيرها من العواصم العربية.

في حوار نادر مع الصحافي اللبناني غسان شربل، ضمن سلسلة حلقات نشرها الأخير عقب اغتيال رفيق الحريري، وصف فيها رئيس الوزراء اللبناني الأسبق أهمية علاقاته مع الحلفاء الدوليين وتأثيرها على دفع لبنان نحو الخروج من الأزمات الكبرى التي تعرض لها، وتأثيرها على تثبيت حكمه ونجاحاته التي حققها، وضرب عدة أمثلة، من بينها علاقته الوطيدة بالرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، إذ قال: “بيني وبين الرئيس شيراك صداقة قديمة وعميقة أفدت منها دائما لاستجلاب دعم سياسي أو مادي للبنان ووظفتُها أيضا لمساعدة سوريا.. فالمسؤولون السوريون يعرفون هذا الأمر.. استفدت من العلاقة مع الرئيس شيراك لدعم اتفاق الطائف وفكرة إعادة الإعمار وحق المقاومة في جنوب لبنان.. فعلت ما هو أكثر من ذلك”.

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى