سياسةمختارات

في ذكرى الحراك الجزائري..  “تبون” يودع طريقته القديمة لتفادي مصير “بوتفليقة”

مرت الذكرى الثانية للانتفاضة الشعبية في الجزائر، التي اختار المحتجون لها اسم “ثورة الابتسامة”، وسط حذر وترقب خيّما على السلطة الجديدة عقب عودة التجمعات الاحتجاجية، التي ضمت آلاف الجزائريين في عدد من المدن، للمطالبة برحيل النظام الجديد.

وتحول يوم 22 فبراير، تاريخ اندلاع الحراك، الذي أطاح بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة من السلطة، من يوم وطني يحتفى به كما أسمَته السلطات الجديدة “اليوم الوطني للأخوة والتلاحم بين الشعب وجيشه من أجل الديمقراطية” إلى نذير شؤم على النظام الجديد، الذي حاول عبر رئيسه عبدالمجيد تبون، تفادي تبعات هذه الموجة الثانية من الحراك بسلسلة قرارات لتهدئة المحتجين، واحتواء الغضب القائم

وسعى “تبون”، العائد من رحلة علاج طويلة في ألمانيا، بهذه الحزمة من القرارات الاستثنائية، لتأسيس مرحلة جديدة من حُكمه للبلاد، ونيل شرعية الشارع، الذي تحول لمصدر تهديد للسلطة خلال الشهور الماضية.

تبون

تبون يدشن مرحلة جديدة من حكمه

تزامن عودة الاحتجاجات للشارع الجزائري رغم القيود المفروضة بسبب وباء “كورونا” مع تحركات سريعة للرئيس عبدالمجيد تبون، بعد عودته من رحلة العلاج الثانية في ألمانيا، بسلسلة قرارات دشنت مرحلة جديد من حكمه، الذي بات في مهب الريح جراء الأزمات الاقتصادية والاعتقالات التي طالت العشرات من الناشطين، والأهم الشكوك حول قدرته الصحية في إدارة البلاد.

شملت هذه القرارات الإفراج عن نحو نصف عدد معتقلي الحراك، في مقدمتهم الصحفي الشهير خالد درارني، مراقب “مراسلون بلا حدود”، والناشط المثير للجدل رشيد نكاز، الذي سبق أن ترشح لانتخابات الرئاسة في الجزائر وفي فرنسا، وهي الخطوة التي حاول من خلالها احتواء غضب الشارع، كما أدخل تعديلا على حكومته، تم بموجبه إنهاء مهام أربعة وزراء تتقاطع مهامهم مع الشأن الاقتصادي، كرد فعل على تململ المحتجين من ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

ولم تقف خطوات احتواء الغضب عند قرارات الإفراج، بل امتدت لتشمل إقصاء حزبين مواليين للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة من “الحوار السياسي”، الذي أطلقته الرئاسة الجزائرية، لمغازلة الأحزاب المعارضة بهذا القرار الذي رحبت به، كما أصدر قرارا رئاسيا بحل البرلمان، الذي شابه التزوير وشراء مقاعده بـ”المال القذر”، على حد تعبير الرئيس نفسه، في الخطاب الذي ألقاه، الخميس الماضي.

وفي الخطاب ذاته، وعد رئيس الجمهورية الجزائرية بإجراء انتخابات برلمانية، لم يحدد تاريخها بعد، كما أعلن أيضًا في الخطاب تغييرًا في الحكومة لم تظهر معالمه بعد.

الرجل الذي يدخل عامه 75 .. الطريقة القديمة لن تُجدي

يسعى الرئيس الجزائري، الذي يدخل عامه الخامس والسبعين بعد شهور معدودة، إلى محاولة اتباع استراتيجية جديدة مع قوى المعارضة، تختلف عن طريقته التي سلكها في بداية ولايته، لحسم خياراته المستقبلية ونفي أي صلة له أو تقاطع مع سياسات “بوتفليقة”.

وأتت حزمة القرارات الرئاسية الأخيرة لـ”تبون”، الذي حصل على أكثر من 58% بالمائة من إجمالي أصوات الناخبين، كمحطة رئيسية في مساعيه لتغيير طريقته القديمة التي حاول من خلالها مغازلة نشطاء الحراك، في بداية ولايته، بقرارات لم تمس صلب مطالبهم الرئيسية، كنزع لقب “الفخامة” عنه، كما كان يُكنّى بوتفليقة، وسجن بعض رموز النظام السابق، الذي جرى الإفراج عنهم لاحقا، أو حديثه الدائم في خطبه التليفزيونية عن التعهّد بمكافحة الفساد.

الطريقة القديمة التي دشن بها “تبون” ولايته استخدم خلالها العبارات الإنشائية كحديثه في خطاب تنصيبه عن “أخلقة الحياة السياسية في البلاد” وتكريس مبدأ “الفصل بين المال والسياسة”، دون أن تنعكس على واقع الحياة السياسية، حتى أنه عجز عن تسيير أول حكومة له بعد فوزه.

الثورة الجزائرية

وبحسب تحليل منشور لسعد بوعقبة، الباحث والصحفي الجزائري، في صحيفة “الخبر” الجزائرية، فالرئيس الجزائري “ليس بإمكانه في الوقت الحاضر الحديث عن أخلقة الحياة السياسية، لأن الظروف التي تحكم أداءه السياسي في الرئاسة لا تسمح له بأخلقة الحياة السياسية”.

كان أحد الخطوط الرئيسية لطريقة “تبون” القديمة، التي اتبع فيها نهج سلفه بوتفليقة، هي محاولة توظيف المناسبات الوطنية في بعض قراراته السياسية التي لا تجد قبولا واسعا، كما فعل حين اختار موعد استفتاء الجزائريين على مشروع تعديل الدستور، الذي كرس خلاله سلطاته، في ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية ضدّ الاحتلال الفرنسي.

عامل آخر أسهم في خفض شعبية الرجل، وهو غيابه خارج البلاد لشهور طويلة بسبب مرضه، ما راكم المشاكل وتسبب في حالة من الجمود وسط الهيئات وأجهزة الدولة بسبب توقفه عن أداء مهامه، خصوصا أن الدستور الجزائري وضع صلاحيات واسعة بين يدي الرئيس.

وقد عزز غياب الرئيس لشهور طويلة في الخارج مع تحاشي طاقمه الوزاري الخوض في “قضية مرض الرئيس” وتطورات حالته الصحية، أو مدة غيابه، في ترسيخ الشبه مع بوتفليقة عند أنصار المعارضة، حيث ظل الأخير بعيدا عن الشأن العام بسبب المرض لمدة 6 سنوات (من 2013 إلى 2019)، وانتقلت السلطة خلال تلك الفترة، بشكل غير رسمي، إلى شقيقه وكبير مستشاريه، السعيد بوتفليقة.

الرئيس الجزائري

هل تنجح خطة تبون الجديدة في احتواء غضب المحتجين؟

 تُثير القرارات الجديدة، التي أصدرها “تبون” خلال الأيام الأخيرة، تساؤلات عن قدرتها على احتواء غضب آلاف الجزائرين، الذين رفعوا لافتات تطالب بتغيير النظام، ونجاحها في العبور بالرئيس إلى بر الأمان بعيدا عن مسارات التصعيد المحتملة ضد شخصه من جانب المتظاهرين.

من جانبه، قال إسماعيل حمودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد بن عبدالله المغربية، لـ”ذات مصر”، إن الرئيس “تبون” يتمتع بشرعية ناقصة، وأقوى مؤشر على ذلك النسبة المتدنية في الاستقتاء على الدستور، والتي لم تتجاوز 26 في المائة، وهي المؤشر الدال على أن هذه الشرعية الناقصة ستدفعه إلى تعزيزها من خلال حزمة إجراءات، أصدرها عقب عودته من رحلة العلاج الطويلة خارج البلاد.

لكن “حمودة” يستدرك قائلا: “الإشكال الجوهري في الجزائر سياسي، حيث إن تبون جاء إلى الرئاسة عبر عملية التفاف أدت إلى إزاحة نخبة بوتفليقة، والتمكين لنخبة من النظام نفسه، وهذا الالتفاف يرفضه الحراك الشعبي الجزائري، وهو ما انعكس في خروج مسيرات ضخمة حتى بعد قرارات تبون الأخيرة، التي حاول بها احتواء غضب المحتجين”.

تبون

وتابع “حمودة” أن المسيرات التي خرجت خلال الأيام الأخيرة تؤكد أن سياسات تبون وإجراءاته “لم تقنع الحراك الشعبي”، ما يعني ترجيح استمرارية الحراك الشعبي في الضغط عل  النظام السياسي لإجراء تعديلات جوهرية، خصوصا تعزيز السلطة المدنية إزاء السلطات الهائلة للجيش والمخابرات.

واختتم “حمودة” كلامه بالتأكيد أن النظام والمؤسسة العسكرية متشبثة بـ”تبون” رئيسا للجزائر، مثلما هو متمسك بدستور صوّت عليه 26 في المائة فقط، وهذا معناه استمرار الحراك أيضا في الضغط حتى يصل إلى صيغة وسط لهذا النزاع القائم بينهما دون أن يحسم أي طرف الجولة بالضربة القاضية، كما حدث مع بوتفليقة.

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى