وجهات نظر

في زمن الجائحة.. حتى السياحة تبحث عن لقاح!

يعد القطاع السياحي، لما له من قدرة على توفير النقد الأجنبي، أحد أهم مصادر  الدخل القومي للاقتصاد المصري، لا سيما في ظل ما تتمتع به مصر من مقومات سياحية تتنوع ما بين الثقافية والدينية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري والسياحة البيئية والعلاجية وغيرها من المقومات الأخرى.

وتمتد أهمية القطاع السياحي أيضا إلى قدرته على تحفيز النشاط الاقتصادي بصورة واسعة نتيجة دافعيته لإقامة الروابط الأمامية والخلفية مع القطاعات الأخرى، فهذه الروابط تحفز الأثر المضاعف للفوائد على الاقتصاد القومي وخلق فرص عمل ورفع مستوى المعيشة.

 حقائق وأرقام 

يتميز قطاع السياحة بحساسية بالغة تجعله عرضة للتأثر بالأحداث المحلية والعالمية، وهو ما يفسر ما يتعرض له القطاع في مصر حاليا من أزمة كبيرة بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد وتطوراته الجينية التي بدأت في الظهور نهاية عام 2020، رغم توصل العلماء إلى لقاح مضاد فتح باب الأمل أمام العالم بأن هذه الجائحة ستبدأ في الانكماش سريعا.

قد يكون من المفيد أن نلفت النظر إلى أن أزمة تفشي كورونا ليست الأزمة الوحيدة التي تعرض لها القطاع السياحي المصري خلال الفترة من 2010 حتى 2019، فعلى مدار السنوات القليلة الماضية تعرض القطاع السياحي إلى العديد من الأزمات اعتبارا من 2011 (ثورة 25 يناير) مرورا بأزمة سقوط طائرة الركاب الروسية عام 2015، وعدد من الحوادث الإرهابية متفاوتة القوة والتأثير خلال 2016 و2017 قبل أن يشهد القطاع رحلة التعافي التدريجي على مدار العامين الأخيرين 2018، 2019.

ويوضح الشكل المرفق (1) تطور أعداد السائحين القادمين إلى مصر خلال الفترة من 2010 حتى 2019:

  • بلغ عدد السائحين 14.7 مليون سائح عام 2010 ثم حدث انخفاض شديد للأعداد خلال سنوات 2011، 2013، و2015، و2016.
  • زيادة عدد السائحين بنسبة 53% عام 2017 مقارنة بعام 2016 واستمرار هذه الزيادة بنسبة 36% عام 2018، و15% في 2019 ليصل العدد إلى 13 مليون سائح.
  • كذلك أدى انخفاض أعداد السائحين إلى انخفاض لياليهم السياحية، حيث سجلت 32.6 مليون ليلة عام 2016، بعد أن كانت 147.4 مليون ليلة سياحية عام 2010، وقد تحسن الوضع منذ 2017 فارتفعت الليالي السياحية بنسبة 157%، واستمرت في الارتفاع بنسبة 46% في 2018، ثم زادات بنسبة 125% في 2019 لتصل إلى 136.2 مليون ليلة سياحية.

وفيما يخص الإيرادات السياحية فقد تأثرت بشدة خلال السنوات السابقة نتيجة لانخفاض أعداد السائحين كما يلي:

  • سجلت الإيرادات السياحية أدنى انخفاض لها في 2016، حيث بلغت 6 مليارات دولار فقط.
  • نظرا لزيادة أعداد السائحين والليالي السياحية منذ 2017 حتى 2019 زادت الإيرادات السياحية في 2017 لتسجل 7.7 مليار دولار بزيادة قدرها 28% على عام 2016.
  • استمرت الإيرادات السياحية في الزيادة بعد ذلك لترتفع إلى 12.6 مليار دولار في 2019.

إسهام السياحة في الاقتصاد القومي بين 2009/2010 و2018/2019:

أسهم القطاع السياحي في الميزان التجاري عام 2009/2010 بنسبة 46%، وهي النسبة الأعلى على الإطلاق، إلا أن هذا الإسهام انخفض عام 2015/2016، حيث بلغت 10% فقط ثم عادت للارتفاع مرة أخرى لتسجل 20% في عام 2017/2018 و30% في 2018/2019.

أما فيما يتعلق بإسهام القطاع في الناتج المحلي الإجمالي وزيادة فرص العمل، فقد غذى القطاع السياحي الناتج المحلي الإجمالي (إسهام مباشر وغير) بنحو 12% في عام 2019،  كما يسهم القطاع في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، حيث قُدّر عدد العاملين في القطاع بنحو 3 ملايين عامل، ما يمثل 10% من إجمالى قوة العمل.

ويسهم القطاع بأثر فعال في ميزان الخدمات والمتحصلات الخدمية، والحد من العجز التجاري، ما يعني إمكانية ترجمة الاستقرار السياسي والاقتصادي والتطور الصحي والبيئي إلى أرقام حقيقية في معادلة النمو الاقتصادي بعد انعكاسها الإيجابي على قطاع السياحة وزيادة إسهاماته في التنمية الاقتصادية المستدامة.

أثر تفشى وباء كورونا على القطاع السياحى في مصر

حقق القطاع السياحي نموا كبيرا عام 2019، يقترب من النمو الذي تحقق عام 2010 (قبل ثورة يناير) مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية والأوضاع الإقليمية والأزمات المختلفة التي تعرض لها هذا القطاع منذ أحداث الثورة وما بعدها.

ويرجع هذا النمو في القطاع السياحي خلال 2019 إلى أسباب عدة مثل تحرير سعر الصرف، ومبادرة البنك المركزي في تمويل وتجهيز العديد من الفنادق، وكذلك الاستقرار الأمني والاهتمام الواضح بالبنية التحتية – والاهتمام بأماكن السياحة التاريخية والتقليدية وتسويقها بصورة جيدة، بالإضافة إلى وضع برنامج إصلاح هيكلي شامل لقطاع السياحة في نوفمبر 2018 لتطوير هذا القطاع بهدف إحداث تنمية سياحية مستدامة ورفع قدرته التنافسية لتتماشى مع الاتجاهات العالمية وزيادة عدد العاملين به.

كانت التوقعات تشير إلى أن عام 2020 سيحقق نموا بنسبة 15% لتصل أعداد السائحين إلى 15 مليون سائح مقابل 13 مليون سائح في 2019، وهو ما يعني نمو الإيرادات من قطاع السياحة بنسبة 30% لتصل إلى 16 مليار دولار مقابل 12.6 مليار دولار في عام 2019، وهو ما تحقق في الأشهر الأولى من 2020، وفق أرقام عدد السائحين في الربع الأول من العام، والتي بلغت نحو 2.4 مليون سائح، وقُدرت الإيرادات السياحية في تلك الفترة بنحو 2.5 مليار دولار، رغم انتشار الوباء في معظم دول العالم، وظهوره في مصر خلال مارس 2020، واتخاذ إجراءات احترازية من كافة دول العالم، ما أدى إلى توقف شبه تام لقطاع السياحة في 2020 على مستوى العالم.

جهود الدولة ومحاولات التعافي

بذلت الدولة المصرية جهدا كبيرا في محاولة تحجيم الآثار السلبية لجائحة كورونا على  قطاع السياحة، وعلى نحو يعيد مصر إلى الواجهة السياحية بشكل قوى على مستوى العالم، بعدما استغلت مراحل توقف القطاع في إطلاق وإتمام العديد من المشروعات السياحية الضخمة مثل المتحف المصري الكبير، وتغيير ملامح منطقة أهرامات الجيزة كأهم منطقة أثرية في العالم، بالإضافة إلى مشروع ترميم آثار وتراث القاهرة التاريخية.

يمكن أن نوجز عدد من الإجراءات التي اتخذت في أعقاب الإعلان عن ظهور اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، التي كان من شأنها التخفيف من حدة ووطأة التأثيرات على هذا القطاع، منها:

– قيام البنك المركزى بدراسة لتقديم التمويل للمنشآت السياحية والفندقية لتحويل العملية التشغيلية بهدف الاحتفاظ بالعمالة، على أن تكون بفائدة مخفضة.

– التنسيق بين وزارة السياحة والاتحاد المصري للغرف السياحية على تنفيذ مبادرة لدعم الفئات البسيطة في القطاع السياحي مثل أصحاب الحناطير والمراكب الصغيرة وخلافه.

– دعم إحلال وتجديد فنادق الإقامة والفنادق العائمة وأساطيل النقل السياحي الصادرة في 8 يناير 2020 مع تعديل سعر العائد الخاص بهذة المبادرة ليكون 8% بدلا من 10% متناقصة.

– استكمال أعمال الترميم والتطوير كمنطقة عين الصيرة والمناطق المحيطة، التي يقع على ضفافها متحف الحضارات.

– استكمال أعمال المتحف المصري الكبير وتجهيزه للافتتاح واستكمال إنشاء متحف كفر الشيخ.

– إطلاق حملات ترويجية لمصر باستخدام التكنولوجيا الحديثة كمبادرة “اكتشف مصر من بيتك”، والتي حازت إشادة صحف العالم.

العديد من الإجراءات الأخرى، التي ركزت مصر فيها للترويج السياحي على فكرة التعايش مع الجائحة والعمل على إطلاق علامة السلامة الصحية للفنادق وتطبيق كافة الإجراءات والضوابط والشروط المعتمدة من مجلس الوزراء وفقا لمعايير الصحة العالمية.

عزت فكري بطران

باحث اقتصادي وخبير ضرائب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى