دراسات وتحليلات

في ظل ضغوط “بايدن”.. خيارات إسرائيل في مواجهة الملف النووي الإيراني

منذ بدء العمل بالاتفاق النووي الإيراني عام 2015، خلال عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، وموقف إسرائيل جليّ، وتمثل في معارضتها له بشدة، سواء أمام الكونجرس الأمريكي، أو من خلال الحملات الإعلامية الدولية، والتي عملت على نشر أدلة امتلاك إيران لمنشآت نووية سرية وعدم التزامها ببنود الاتفاق.

وقد استمرت إسرائيل في مساعي تحريض الإدارة الأمريكية على نقض الاتفاق، حتى أعلن الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، انسحابه من الاتفاق في 2018، مُستندًا في ذلك على الادعاءات الإسرائيلية بأن السلاح النووي الإيراني سيؤدي لسباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط، بما يُهدد أمن المنطقة ويزيد من عدم استقرارها.

إلا أن فوز “بايدن” في الانتخابات الامريكية، قد أضاف مُتغيرًا جديدًا إلى المعادلة، فمن ناحية جدّد الأمانيّ الإيرانية بتحقيق انفراجة اقتصادية، خاصة بعد إعلان الإدارة الأمريكية الجديدة عن عزمها لإعادة الدبلوماسية إلى العلاقات الأمريكية-الإيرانية وفتح المجال أمام اتفاق نووي جديد، ومن ناحية أخرى أثار مخاوف الجانب الإسرائيلي من احتمال إنهاء سياسة “الضغوط القصوى” التي كان قد فرضها ترامب على إيران، ما يمنح الأخيرة فرصة لاستعادة قوتها ونفوذها الإقليمي وتهديد الوجود الإسرائيلي في المنطقة.

البرنامج النووي الإيراني

تصريحات استفزازية

صرّح رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال أفيف كوخافي، خلال كلمته في المؤتمر السنوي لمعهد أبحاث الأمن القومي، في 26 يناير 2021، تعقيبًا على مساعي الإدارة الأمريكية لإعادة إحياء ملف الاتفاق النووي مع إيران، قائلاً: “الاتفاق النووي الموقّع مع إيران عام 2015 يضمن لإيران تطوير قنبلة نووية، وعودة الإدارة الأمريكية الجديدة إليه أمر سيئ وخاطئ من الناحية العملية والاستراتيجية، وستضمن لإيران زيادة العمل بأجهزة الطرد المركزي لتخصيب كميات من اليورانيوم وصولاً إلى إنتاج قنبلة نووية، ما سيؤدي إلى انتشار نووي إقليمي في الشرق الأوسط”، وأكد أنه أصدر أوامر للجيش الاسرائيلي بالاستعداد لوضع خطط عمليات عسكرية مُنفردة ضد إيران في حال عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي.

لكن على الرغم من تصريحات مكتب نتنياهو، التي أكدت تمسك حكومته بمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية، مُشيرًا إلى أن موقف إسرائيل من الاتفاق النووي لعام 2015 لم يتغير، فإن تصريحات كوخافي قد واجهت العديد من الانتقادات الإسرائيلية الداخلية التي أكدت أنها لا تُعبر عن موقف المجلس الوزاري المُصغر “الكابينت”، وتضع إسرائيل في موقف حرج أمام واشنطن، حيث وصفها الجنرال الإسرائيلي، عاموس جلعاد، في مقاله بصحيفة “يديعوت أحرونوت” بأنها “استفزازية”، وتمثل هجوما علنيا على الإدارة الأمريكية الجديدة، ومن الأفضل لإسرائيل بدلاً من مُعاداة الجانب الأمريكي فتح قنوات للتواصل والتفاوض مع إدارة بايدن للمشاركة في وضع شروط وبنود الاتفاق الجديد، بما يضمن مصالحها الأمنية والسياسية.

وقد جاءت هذه التصريحات المُتضاربة وغيرها، والتي مثّلت حالة الانقسام الداخلي التي تعيشها إسرائيل بين المؤسستين السياسية والعسكرية، مُتزامنة مع قرار الإدارة الأمريكية الجديدة في 18 فبراير 2021 بإلغاء العقوبات الدولية التي كانت قد فرضتها إدارة الرئيس السابق “ترامب” على إيران بموجب آلية “سناب باك”.

دونالد ترامب

في الوقت نفسه، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 21 فبراير الجاري عن وقف تنفيذ إيران “إجراءات الشفافية الطوعية” وخفض تعاونها مع مُفتشي الوكالة اعتبارًا من الثلاثاء 23 فبراير 2021، مع التوصل لاتفاق مؤقت يُفضي بمواصلة أعمال التفتيش لمدة 3 أشهر، حيث صرّح المدير العام للوكالة، رافائيل جروسي، بأنه سيُتاح لمفتشي الوكالة الدولية الوصول إلى منشآت إيران النووية، لكن لن يكون للوكالة نفس حقوق التفتيش التي كانت مُخولة لها من قبل، وهذا في أحدث خطوة من الجانب الإيراني للضغط على الإدارة الأمريكية والعودة إلى اتفاق عام 2015 دون أي شروط إضافية.

وعلى خلفية تلك المُستجدات، عقد رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في 22 فبراير الجاري، أول جلسة استراتيجية مع القيادات الأمنية الإسرائيلية حول موقف إسرائيل من ملف الاتفاق النووي، وشارك خلالها وزير الخارجية، غابي أشكنازي، وعدد من رؤساء الأجهزة الأمنية، على رأسهم رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين، ومستشار الأمن القومي مائير بن شابات، ورئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي، وذلك لتحديد هوية المسؤول الإسرائيلي الذي سيتولى إدارة المفاوضات مع الإدارة الأمريكية، للتحرك سريعًا في صياغة استراتيجيات وخطط عمل تضمن لإسرائيل عدم استبعادها من المشاركة في وضع بنود وشروط الاتفاق.

وتمخضت الجلسة عن انقسام آراء الحاضرين بين مؤيد ومعارض للموقف الأمريكي، والذي يبدو أنه يعمل على تجديد العمل بالاتفاق النووي على مرحلتين، الأولى، تبحث في العودة إلى الاتفاق النووي، والثانية تتضمن لجانا موازية تبحث في مشروع الصواريخ البالستية، والمسائل الإقليمية الأخرى.

تباين الرؤى

رغم تقارب أهداف إسرائيل مع إدارة بايدن بشأن مبدأ عرقلة مسار البرنامج النووي الإيراني، فإن الخلاف القائم بين الجانبين يدور حول آلية تحقيق هذا الهدف في ظل تباين رؤى تقييم ملف الاتفاق النووي الإيراني، وتداعياته على مصالح كل منهما.

فعلى الرغم من ادعاءات نتنياهو بمدى تهديد النووي الإيراني للوجود الإسرائيلي، فإن أزمة إسرائيل في حقيقة الأمر تتمحور حول مساس المشروع النووي الإيراني بمُرتكزات قوتها الأمنية والعسكرية، لرغبتها في احتكار السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط، ما يجعل أي اتفاق جديد سيكون من شأنه إنهاء عزلة إيران الدولية والإقليمية ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، بمثابة فرصة إيرانية لتطوير برنامجها النووي وأنظمة صواريخها البالستية، وهو أمر لن يُهدد الأمن القومي الإسرائيلي ويزيد من قوة حلفاء إيران ووكلائها في منطقة الشرق الأوسط فقط، إنما سيُعزز أيضًا من نفوذها في مواجهة إسرائيل، ويدحض التفوق الإسرائيلي النوعي في المنطقة.

لذلك، بينما تسعى إدارة بايدن لإعادة إحياء الاتفاق النووي، تقرن إسرائيل معارضتها للاتفاق بعدد من الشروط الجديدة، والتي تتمثل في:

  • فرض رقابة دولية مُشددة على برنامج الصواريخ البالستية.
  • منع تمويل إيران لوكلائها في المنطقة وتسليحهم، خاصة “حزب الله” اللبناني، والحوثيين، وبعض الميليشيات المُماثلة في سوريا والعراق.
  • وقف إيران تطويرها لأجهزة الطرد المركزي الجديدة، وتوسيع نطاق تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية على جميع المنشآت الصناعية والعسكرية الإيرانية، وعدم الاكتفاء بمواقع المنشآت النووية المعروفة فقط.
  • وأخيرا، تمديد المدى الزمني للاتفاق من 15 عامًا إلى 30 عامًا على الأقل.
جو بايدن

خيارات وتحديات

في ظل سعي الولايات المتحدة لتسريع عملية التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني، خاصة قبل عقد الانتخابات الرئاسية الإيرانية في يونيو القادم، يمكن تناول أبرز الخيارات المُتاحة أمام صانع القرار الإسرائيلي على النحو التالي:

أولاً: اللجوء إلى التصعيد الأمني والعسكري لإفشال البرنامج النووي:

حيث أفادت مصادر إسرائيلية بأن الجيش قد تقدم بطلب زيادة كبيرة في ميزانيته لتمويل الخطة المُعدلة المُكونة من 3 بدائل للتعامل مع التهديدات في الشرق الأوسط، خصوصًا التهديد النووي الإيراني، والتي سيتم عرضها على الجهات السياسية لبحث مدى إمكانية اللجوء إليها وفق مُستجدات ومُتطلبات الأحداث.

وذلك على غرار ما قامت به إسرائيل في عمليتي تدمير المنشآت النووية في العراق عام 1981، وفي سوريا عام 2007، أو ما تقوم به إسرائيل في إيران الآن من عمليات تفجيرية للعديد من معامل تخصيب اليورانيوم، ومن اغتيالات كان آخرها لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، والعالم النووي الإيراني محسن فخري زاده.

ثانيًا: الاستعانة بالدول العربية للضغط على إدارة بايدن لرفض العودة إلى الاتفاق القديم:

أنتجت مسارات التطبيع الأخيرة -والتي عقدتها إسرائيل مع عدد من الدول العربية- جبهة موحدة ضد التهديد الإيراني لأمن واستقرار المنطقة، في ظل توافق رغبة الجانبين في تمديد المدى الزمني لسياسة “الضغوط القصوى” التي طبقتها إدارة ترامب على إيران، وعدم الإزالة الكاملة والفورية لكافة العقوبات المفروضة عليها، لا سيما بعد إعلان واشنطن عن وقف دعمها للحرب في اليمن ضد الحوثيين (الذين تدعمهم إيران).

إلا أن الإدارة الإسرائيلية تضع بعض الاعتبارات الهامة أمام ناظريها عند اختيار هذا المسار في التفاعل مع أزمة الملف النووي، وتتمثل تلك الاعتبارات في:

  • استبعاد دول الخليج لأي تصعيدات قد تؤدي لمواجهة عسكرية مع إيران.
  • اختلاف الأولويات الإقليمية لكل من إسرائيل ودول الخليج فيما يخص تهديدات الحوثيين و”حزب الله”.
  • ارتباط مصالح العديد من الدول العربية بالإدارة الأمريكية السابقة، وهو ما يضعها -نسبيًا- في موقف ضاغط أمام الإدارة الأمريكية الجديدة، وقد لا يجعلها مؤهلة لممارسة الضغط عليها.
  • تباين مواقف الدول العربية تجاه إيران، فعلى سبيل المثال، طرحت قطر مبادرة لتحسين علاقة دول الخليج بإيران، مما قد يُضعف موقف إسرائيل، حتى وإن حصلت على دعم بعض الدول العربية.

ثالثًا: السعي لإقامة حوار دبلوماسي مع الإدارة الأمريكية:

وذلك لضمان التأثير في مسار الاتفاق النووي، بتقديم الشروط الجديدة المطلوب إدراجها لحفظ المصالح الإسرائيلية وعدم تهميشها، وأيضًا لتجنب الصدام مع إدارة بايدن، لا سيما لتمتعه بأغلبية ديمقراطية في هيئتي الكونجرس، وهو ما لم يكن مُتحققا في عهد أوباما، ما يعني صعوبة ممارسة نتنياهو نفس الضغوطات التي مارسها على إدارة أوباما داخل الكونرس عام 2015.

ورغم ترجيح هذا المسار بالنسبة للخيارات الإسرائيلية، خاصة بعد تشكيل “لجنة إسرائيلية-أمريكية لمواجهة النووي الإيراني”، في 26 فبراير 2021، لكن يظل نجاحه مُتوقفًا إلى حد كبير على مدى قبول إيران لإدراج ملف الصورايخ البالستية ضمن مفاوضات وبنود الاتفاق النووي الجديد، لا سيما أن إسرائيل تمتلك مئات الرؤوس النووية وآلاف الصواريخ بعيدة المدى، مما قد يجعل تنازل إيران مشروطًا بتنازل إسرائيل وغيرها من القوى الإقليمية -كالسعودية- عن امتلاك مثل تلك الأسلحة والصواريخ، خاصة أن منظومة الصواريخ البالستية تمثل أهم أدوات الردع التي تستغلها إيران في مواجهة وتهديد خصومها في المنطقة.

خلاصة القول، كلما كانت إدارة إسرائيل لملف الاتفاق النووي أكثر دبلوماسية وتناسقًا مع مواقف ومصالح البيت الأبيض، كلما كانت فرصتها أفضل على طاولة المفاوضات، مما قد يضمن لها تحقيق بعض المكاسب، ولو في مراحل متقدمة من المفاوضات حول الاتفاق.

آمنة فايد

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى