ثقافة وفن

في عيد العمال..أغاني الشقيانين بين الشيخ سيد وعبد الوهاب

يمكننا أن نقسم الغناء للعمال إلى مرحلتين رئيسيتين: قبل ثورة يوليو 1952 وبعدها، فالذاكرة الفنية تحتم المقارنة بين أغاني العمال في مرحلة الثورة الشعبية الكبرى عام 1919 وما قبلها وبعدها من سنوات، ومرحلة المد الناصري بعد 23 يوليو، لنجد أن البون شاسع، والمسافة بعيدة، سواء في نوع الكلمات، أو طريقة الغناء، بل واختيار الانحيازات، التي تتأثر بالواقع السياسي والاجتماعي.

ليس هناك من شك في أن سيد درويش كان أكبر وأهم وأشهر من غنى للعمال في حقبة ثورة 1919، وقد جاءت كل أغانيه في هذا الميدان على لسان العمال، تصف شقاءهم ومعاناتهم،أو تعينهم على مواجهة التعب والفقر والشدائد، أو تواسيهم فيما يلاقون من ظلم وضياع للحقوق.

أما أغاني حقبة ما بعد يوليو، فقد اعتبرت العامل جنديا مجندا لخدمة مشروع كبير هو مشروع الدولة الناصرية، وتعاملت معه وكأنه ترس في آلة حكومية كبيرة، مع تمجيد لقيمة العمل المطلق، وتجاهل لمعاناة العمال، باعتبار أن “الثورة” أعطتهم حقوقهم التي حرمهم منها العهد الملكي.

 

ثورة 52 ..تمجيد الماكينات لا العمال

في ثورة 1919 كان الإنسان العامل هو محور الأغنية، أما بعد 23 يوليو فقد أصبح العمل نفسه يحظى بالتمجيد والإشادة.. ربما كانت أغنية “الشيالين” دالة بعنوانها وكلماتها على انحياز سيد درويش، فالرجل لا يغني للعمال في عمومهم، بل يختار أنواعا بعينها من العمل هي الأشد عنتا وتعبا ليغني لأصحابها، وليكتب بديع خيري الكلمات على لسان هؤلاء الشيالين: شد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك، لابد عن يوم برضه ويعدلها سيدك، إن كان شيل الحمول على ضهرك يكيدك، أهون عليك يا حر من مدت إيدك.

أما أغنيته “العربجية” فتتحدث عن معاناة أصحاب هذه المهنة مع “الشاويشية” أي رجال الشرطة، الذين هم ممثلو السلطة، وما يمارسونه من تضييق على أصحاب “الكارو”.

لكن بعد يوليو، انحصر الغناء العمالي في تمجيد ماكينات المصانع، وعمال المصانع، وإنتاج المصانع، ولم يعد للشيالين ولا عمال البناء ولا العربجية ولا الفواعلية مكان في الخريطة الغنائية العمالية. لم يعد هناك “بديع خيري” ليكتب، ولا “سيد درويش” ليلحن ويغني، ولا مسرح غنائي ليقدم هذه الأعمال.

العمال بين درويش وعبدالوهاب

كانت أغاني سيد درويش ضمن مسرحيات غنائية من ألحانه، فـ”الشيالين” من أغنيات رواية “قولوله” وأغنيته “العمال” التي اشتهرت بمطلعها “الحلوة دي قامت تعجن” من مسرحية “ولو” ومعها أغنية “السقايين”، وكلها من بطولة نجيب الريحاني، أما أغنية “العربجية” فمن مسرحية “ولسه” لفرقة علي الكسار. وقد مثلت طريقة العرض المسرحية هذه التحاما مباشرا للجمهور بألحان سيد درويش، فكان أثرها كبيرا في تفجير الغضب الشعبي وثورة 1919.

في المقابل، يمثل محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ رأس مرحلة ما بعد يوليو 1952 في شكل الغناء للعمال وفي محتواه، فأغنية “الجيل الصاعد” مثلا، اعتبرت العامل هو جزء من مجتمع يتكون من الجنود والطلاب والزراع والفنانين، وهو يعمل فقط لنهضة بلده: “عاش العامل يوم ما فكر يبني لبلده دار.. فيها مداخن طالع منها لهب النور والنار”. وعندما يتكلم هذا العامل فإنه لا يشكو ولا يظهر معاناته. “وسمعناه بيقولها قوية.. ده إنتاجي وصنع إيديا.. حققنا بعون الله.. للشعب دعاه ومناه.. والخير زاد منا وفاض.. والفايض صدرناه”.

 

عبدالحليم ..لا غناء إلا لاشتراكية الدولة

أما عبد الحليم حافظ، فيبدأ سيرته في الغناء العمالي المكرس لهيمنة الجماعة على الفرد العامل، بالغناء للزيّ الموحد لعمال المصانع، فينشد “بدلتي الزرقا” التي كتبها عبد الفتاح مصطفى وفيها يقول: بدلتي الزرقا لايقة فوق جسمي.. في جمال لونها مركبي وإسمي.

كانت أغاني عبد الحليم حافظ كلها تصب في سياق وضع الفرد في خدمة النظام والمجتمع: مفيش أنا.. في إحنا يا صاحبي.. أنا وأنت.. وأنت وهو وهي.. علينا نعمل الاشتراكية.

إذن، فعبد الوهاب يلحن كلمات تمجد العمل باعتباره قيمة مطلقة، ويمجد العامل لأنه يشارك في مشروع كبير للصناعة والإنتاج والتصدير، مما يسهم في نهضة الوطن، أما عبد الحليم، فيغني لمظهر العامل، لبدلته الزرقاء “الأفرول”، يغني لعمال لا يشكون فقرا ولا احتياجا، فهم جزء من بناء “النظام الاشتراكي”.

 

عودة لتمجيد العمال مع إمام ونجم

أغاني تمجيد الأنظمة تنمحي بزوال الأنظمة، حتى لو تدثرت بالثناء على العمال أو الانحياز لهم. لذلك، ومع انتهاء العهد الناصري، وتبدل السياسات في عهد أنور السادات، وبزوغ عصر الانفتاح، ظهر غناء عمالي يستعيد السمت “الدرويشي”، ويدوي بآلام العمال ومعاناتهم. فبكلمات أحمد فؤاد نجم، وغناء الشيخ إمام عيسى، استمعنا إلى “دلي الشيكارة.. جنب الشيكارة.. واقعد يا حُفني ولع لك سيجارة”. أغاني تحثه على التفكير في أحواله وشقائه منذ الصغر، يحكي نجم على لسان عامل البناء كيف يبذل الجهد والتعب “وسط المعاول.. بنا ومناول”، فالبفعل، العامل هو الباني الحقيقي، لكنه ليس شريكا حقيقيا في ثمرة ما يبنيه، بل إن صاحب العمل “المقاول” يأكل حقه.. “بس المقاول كلني بشطارة”، لتنتهي القصة بعبارة: “والعيشة مرة آخر مرارة”.

أما في أغنية “يعيش أهل بلدي” فينصح الشيخ إمام العمال بكلمات نجم قائلاً: يا غلبان بلدنا.. يا فلاح يا صانع .. يا شحم السواقي.. يا فحم المصانع.. يا منتج يا مُبهج يا آخر حلاوة .. ما تتعبش عقلك.. في شغل السياسة.. وشوف أنت شغلك.. بهمّة وحماسة.. أما تعليل هذه النصيحة، فيوضحه نجم بكلمات مؤلمة، تتمثل في أن “رزقك ورزقي ورزق الكلاب .. دا موضوع مؤجل ليوم الحساب”.

إقرأ أيضا لهيثم أبو زيد: تأريخ تغرقه الشائعات

 

 

 

 

 

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى