وجهات نظر

في محطة “النهضة”: الأداء الرقابي لبرلمان تونس “عطلان”

د. أبو الفضل الإسناوي

مدير تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام

تُعَد الرقابة من أهم وظائف البرلمان، ومن أهم وسائل ضبط أداء السلطة التنفيذية، ورغم أهمية هذه الوظيفة البرلمانية التي ضمنها الدستور التونسي في الفصلين 95 و96، فإن الأداء الرقابي للبرلمان التونسي بعد الثورة استمرَّ ضعيفًا، ولم يتطوَّر كثيرًا عن أداء برلمان ما قبلها، بسبب أن الأكثرية التي يمكن أن تُمرّر استخدام الأدوات الرقابية، وتمثلها حركة النهضة الإسلامية، هي نفسها التي تلعب الدور الرئيسي في تشكّل الحكومة.

فعلى مستوى استخدام الأدوات الرقابية، التي تسقط الحكومة، تسببت برجماتية الكتلة النيابية لحركة النهضة في سوء استخدام آلية منح الثقة، حيث وجهت الحركة نوابها وفقا لعلاقتها مع الرئيس، فمنذ عام 2014 استخدام البرلمان التونسي (مجلس نواب الشعب) هذه الآلية أكثر من مرة، وكانت النتائج مختلفة، وتنتهي وفقا لحسابات حركة النهضة مع الرئيس أو رغبتها في خلق حالة عدم استقرار وأزمة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، بالإضافة إلى الرغبة في السيطرة على فعاليات المشهد السياسي.

في أغسطس 2016 حصل برنامج حكومة يوسف الشاهد على ثقة البرلمان بـ168 صوتًا مقابل رفض 26 نائبًا، وفي يناير 2019 رفض البرلمان منح الثقة لحكومة الحبيب الجمالي، التي رفض برنامجها 134 نائبًا مقابل موافقة 72 آخرين.

وتسببت رغبة حركة النهضة في تصدر المشهد السياسي طوال الوقت، ورغبتها في التربع على قمة الكتل النيابية داخل مجلس نواب الشعب التونسي، في حسم نتائج آلية طلب التصويت بالثقة وفقا لحساباتها الخاصة، وإرباك المشهد السياسي التونسي وخلق صراع بين الرئيس ورئيس الحكومة حتى تستفيد من الخلل في العلاقة بين الطرفين.

ورغم استخدام هذه الآلية مرة واحدة في نوفمبر 2018 من قِبَل الرئيس التونسي السباق الباجي قايد السبسي ضد رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، فإنها لم تنجح في إسقاط الحكومة، حيث حصلت حكومة “الشاهد” على ثقة أغلبية مريحة من أعضاء البرلمان تجاوزت 109 أصوات نتيجة وقوف حركة النهضة ضد الرئيس السبسي ورغبتها في تقسيم حزب نداء تونس الذي كان يتصدر المشهد السياسي في ذلك التوقيت.

وإذا تطرقنا إلى تعامل حركة النهضة مع الآليات الرقابية غير المرتبة لمسؤولية سياسية على الحكومة، فإنه يمكن التأكيد بأن هناك علاقة في برلمان ما بعد الثورة التونسية بين عدد الأسئلة الموجهة من النواب إلى الحكومة وحالة الاستقرار داخل الكتل النيابية وفيما بينها، والتي كانت تحدد شكل حركة النهضة الإسلامية، حيث يُلاحَظ أن حالة الاستقرار وثبات تشكيل كتل مجلس نواب الشعب التونسي خلال دور الانعقاد الأول لمجلس 2014-2019، وكذلك الحال في دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الجاري، تسببت في تراجع عدد أسئلة النواب، التي بلغت خلال الدورة الأولى 9 أسئلة فقط، وذلك قبلما يتزايد عدد أسئلة النواب خلال الدورة البرلمانية الثالثة نتيجة ما شهدته من انشقاقات في بعض الكتل النيابية – كانت وراءها حركة النهضة، وأزمة سياسية بين الأحزاب الممثلة في البرلمان، كانت الحركة أيضا طرفاً فيها- إلى 161 سؤالاً، وقد كانت الدورة البرلمانية الأعلى من حيث عدد الأسئلة الرقابية التي وجهها النواب للحكومة خلال المدة النيابية 2014–2019.

إن حالة الارتباك بين الكتل النيابية داخل مجلس نواب الشعب التونسي، والتي كانت حركة النهضة طرفاً رئيسياً فيها، بالإضافة إلى سيطرة الحركة على أجهزة المجلس ولجانه الرئيسية، وحرصها على توجيه كتلتها البرلمانية وفقا لأهداف خاصة تنعكس بالإيجاب على الحركة دون المجتمع التونسي، سببت تراجعا في استخدام الأحزاب المُشكِّلة للحكومة بعد الثورة للسؤال كأداة رقابية على الحكومة مقارنةً ببرلمانات ما قبلها.

هنا تجدر الإشارة إلى أن معدل استخدام مجلس نواب الشعب التونسي لهذه الآلية الرقابية يظل مرتبطا بشكل العلاقة بين حركة النهضة والكتلة البرلمانية ذات العدد الأكبر، المنافسة لها في البرلمان، ففي برلمان 2014 تلاحظ انخفاض معدل السؤال البرلماني في الدورات البرلمانية التي شهدت استقرارًا فيما بين حركة النهضة وحزب نداء تونس، فقد بلغ عدد الأسئلة البرلمانية التي قدمتها حركة النهضة، التي تصدرت البرلمان التونسي منذ مارس 2016 –وهو توقيت بداية انقسامات حزب نداء تونس– 139 سؤالاً بنسبة 28.6%، وبلغ عدد الأسئلة التي وجهها نداء تونس إلى الحكومة خلال المدة البرلمانية 2014–2019 نحو 62 سؤالاً بنسبة 12.7% من إجمالي عدد الأسئلة التي شهدها البرلمان خلال كامل مدته.

وأيضا في برلمان 2019 تلاحظ أن معدل استخدام البرلمان للسؤال كآلية رقابية وغيرها من الآليات الرقابية التي ترتب مسؤولية سياسية على الحكومة أو لا ترتب سواء خلال دور الانعقاد الأول والثاني أو في دور الانعقاد المتبقية من عمر البرلمان- يتوقف على علاقة حركة النهضة، ومدى استفادتها من دعم شركائها في الحزام السياسي كائتلاف الكرامة وحزب “قلب تونس”، بالإضافة إلى حدود استفادتها من دعم غير مباشر لكتل برلمانية تتمسك ببقاء المشيشي في الحكومة ومنع تنحيته مثل كتلة الإصلاح، و”تحيا تونس”، والكتلة الوطنية.

وإنْ كانت برجماتية حركة النهضة داخل البرلمان ورغبتها في تعظيم الاستفادة منه، بالإضافة إلى سعيها الدائم إلى عدم استقرار الكتل البرلمانية الوازنة داخل المجلس، انعكست بالإيجاب في تصدُّر المعارضة في برلمان 2014 الكتل النيابية في توجيه الأسئلة للحكومة، بعكس برلمان ما قبل الثورة الذي لم تُمثَّل فيه المعارضة، حيث بلغ عدد الأسئلة التي وجهتها الكتلة الديمقراطية المكونة من أحزاب حركة الشعب والتيار الديمقراطي والاتحاد الديمقراطي الاجتماعي، بالإضافة إلى القائمة المستقلة للمواطنة والتنمية، 146 سؤالاً بنسبة 30% من إجمالي عدد الأسئلة خلال المدة النيابية، وبلغ عدد الأسئلة التي وجهتها كتلة الجبهة الشعبية 57 سؤالاً بنسبة 11.7% من الإجمالي- فإن هذه الحالة التي عاشتها المعارضة التونسية لم تدم طويلاً، وتتوقف أيضا على فترة استقرار الحكومات ومستوى أدائها، الذي ظل متوترا بسبب العلاقة بين النهضة والرئيس، سواء في فترة الرئيس السبسي أو مع الرئيس قيس سعيد، في ظل احتمالات تزايد التوتر بينهما، خاصة بعد دعوة مع دعوة راشد الغنوشي في العاشر من يناير الجاري إلى إجراء تعديل وزاري لـ”رفع كفاءة حكومة هشام المشيشي” بينما رفض العديد من السياسيين هذه الدعوة.

إن سعي الحركة إلى دعم حكومة المشيشي في البرلمان يعنى تكرار سيناريو السبسي ويوسف الشاهد ومساندة الحركة له في مواجهة الرئيس عام 2018، خاصة أن النهضة تريد دفع الخلاف بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية إلى أقصاه، ما يمكّنها من فرض أجندتها على المشيشي الذي ظهر كأنه أزمة عميقة مع الرئيس بعد إقالة وزير الداخلية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى