وجهات نظر

في ملف سد النهضة.. أهداف المعركة الإثيوبية مع الأزهر

الكاتب الصحفي مصطفى زهران

في خضم الأحداث التي يشهدها ملف سد النهضة والتشدد الإثيوبي تجاه كل من دولتي المصب (مصر والسودان) والمضي قدما نحو تنفيذ الملء الثاني للسد دون النظر إلى تداعيات ذلك عليهما، المزمع البدء به خلال شهر يوليو الجاري، برز مؤخرا دور مؤسسة الأزهر الشريف، ممثلاً في شيخه الدكتور أحمد الطيب، خاصة بعد رفض الجانب الإثيوبي لكل المقترحات والجهود المبذولة من قبل العديد من الوسطاء للحؤول دون البدء فيه قبل النظر إلى كيفية تشغيله ووضع محددات جديدة لتسيير العمل به من خلال مقترح الإدارة الثلاثية المشتركة للسد.

سد النهضة والطيب

دعا شيخ الأزهر العالم العربي والأفريقي ودول العالم أن تقف إلى جوار مصر لضمان حقوقها المائية بصورة كاملة، والتوصل إلى حل سلمي في قضية سد النهضة الإثيوبي، وأكد “الطيب”  عبر تغريدة بصفحته الرئيسية في الفيس بوك على أن النيل هو شريان الحياة بالنسبة لمصر، والتي كانت دائما ولا تزال داعية سلام واستقرار للجميع”، موضحا أن دفاعها عن حقوق شعبها في الحصول على حصته المائية واجب لا يحتمل الجدل ولا يقبل التهاون، حسب وصفه.

بيد أن هذا التعليق الذي أبداه شيخ الأزهر تجاه ملف سد النهضة لم يرق للجانب الإثيوبي، ما دفع بالمتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبي “دينا مفتى” إلى انتقاد تصريحات شيخ الأزهر واعتبرها منحازة، فيما كان الأكثر خطورة في سياق رد تعليقه تأكيده على أن هذا الموقف الذي أبداه شيخ الأزهر: لا يعبر عن روح الإسلام وعدالته!

في الواقع لم يكن هذا الموقف الذي أبداه شيخ الأزهر تجاه ملف سد النهضة هو الأول من نوعه بل سبقه بتصريحات وبيانات عدة خلال العامين الأخيرين، فيما كانت أول تدوينة له في منتصف يونيو من العام الفائت، والتى أكد خلالها على أن نهر النيل يمثل شريان الحياة بالنسبة للشعب المصري، وأن الدفاع عن حقوقه في الحصول على حصته المائية واجبٌ لا يحتمل الجدل ولا يقبل التهاون، ثم تبعتها عدة تدوينات تدور حول القضية ذاتها.

المجلس الإسلامي الإثيوبي

كان من المتوقع أن تبادر إثيوبيا للرد على تصريحات شيخ الأزهر ومواقفه المنتقدة لسياسات إثيوبيا بشأن سد النهضة تجاه مصر والسودان ومساعيها لحرمانها من حقها التاريخي وإعلانها الحرب المائية عليهما، بيد أن من قام بالاشتباك والرد ومن ثم التعليق المنتقد لموقف شيخ الأزهر هو أعلى رمز ديني إسلامي في إثيوبيا، في رسالة أراد بها المسئولون الإثيوبيون إيصالها إلى المراقبين لتطورات ملف سد النهضة -سنجملها بالتفصيل لاحقا– وذلك حينما ظهر رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بإثيوبيا “مفتي حاج عمر إدريس” في مؤتمر صحفي، مهاجما شيخ الأزهر وما صرح به، ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل استقدم المفتي من المخيال الديني الإثيوبي المسلم شخصية “النجاشي” ليستدل بها على أن العدل لايزال قائماً في إثيوبيا، إذ جاء قوله: نحن في بلد الملك النجاشي، الملك العادل، والعدالة مازالت في بلادنا إثيوبيا إلى يومنا هذا. وهو ما نفاه وكيل الأزهر السابق عباس شومان، معتبراً أن إثيوبيا تسير على خطى إبرهة وليس النجاشي.

محاولة نحو الفهم

وفي خضم الدور الذي يقوم بها شيخ الأزهر ووقوف مؤسسة الأزهر جنبا إلى جنب مع الدولة المصرية بكافة مؤسساتها في مواجهة التصعيد الإثيوبي، برز على الضفة الأخرى بالداخل الإثيوبي فاعل جديد لم يكن له دور يذكر في الماضي القريب، إلا أنه قد تم بعثه بفعل سياقات سياسية قام رئيس الوزراء آبي أحمد لتوظيفها واستغلالها، بغرض أن تكون في طليعة المبشرين والمنافحين عن السد الحبشي، بذات اللسان والملة التي تحاول إثيوبيا أن تحاصرها مائيا ما أعطى لملف سد النهضة بعدا عقائديا جديدا كان لا بد من الإشارة إليه.

 منذ تولى آبي أحمد السلطة في إثيوبيا عام 2018 وعمل على كسب القوى الإسلامية رغبة في أن تكون لها دور وظيفي في مرحلة حكمه السياسي للبلاد، فعمل على السماح بإنشاء “المجلس الإسلامي الأعلى” بالرغم من معاناة الاعتراف به على مدار ستة عقود متتالية، كما عمل رئيس الوزراء على السير مخالفا لمسار سابقيه من خلال رفع القيود عن بناء المساجد وإفساح المجال للمسلمين كي يعملوا داخل المؤسسات الحكومية بعد أن كانت الوظائف حكرًا على الأغلبية المسيحية الأرثوذكسية.

المتأمل لجوهر الأزمة التي تقودها المؤسسات الإسلامية الإثيوبية تجاه الأزهر، يتضح له رغبة من قبل اللاعب الإثيوبي في أن تلعب هذه المؤسسات الناشئة دورا يتجاوز تاريخها والطمع في التموضع إسلاميا منافحةً ومنافسةً مع أقدم المؤسسات الدينية الإسلامية في العالم، ممثلا في الأزهر الشريف.

يقود رئيس الوزراء التكتلات الإسلامية الإثيوبية والنخب التابعة لها، والتي قام بتوظيفها لخوض معركة كبرى تسير جنبا إلى جنب مع السياسة التوسعية السياسية لبلاده، توازيا مع أهداف السد الشمولية.

ويمكن تلمس انعكاسات ذلك من خلال الانتشار الكثيف للصفحات غير الرسمية الإثيوبية باللغة العربية، سواء كانت تفاعلية أو إخبارية، التي تتناول بالنقد والتجريح السياسات الدينية والمواقف التي تبديها مؤسسة الأزهر الشريف في مصر، وذلك على سبيل المثال لا الحصر “إثيوبيا اليوم” وموقع “fbc” الإخبارى، وآخرين.

سد النهضة والمسلمون في إثيوبيا

جدير بالإشارة إلى أن هناك تأثرا كبيرا من قِبل المؤسسة الإسلامية الإثيوبية وعدد من النخب التابعة لها بالداخل الإثيوبي، ببعض أفكار قوى الإسلام السياسي المعارضة لموقف الأزهر من مجمل القضايا السياسية في مصر وخارجها، وينعكس ذلك بشكل كبير على حجم الخلط الذي يبدونه في موقف شيخ الأزهر من سد النهضة، ومواقفه تجاه ملفات سياسية  لا قِبل لهم بها ولا تتقاطع معهم.

خلاصة القول إن السجال الذى ظهر مؤخرا رداً على الموقف المناهض الذي أبدته قوى مؤسسية دينية ناشئة ذات طابع محلي ومؤسسي دولتي، ممثلا في المجلس الإسلامي الأعلى في إثيوبيا لتصريحات شيخ الأزهر، والمكانة التي يحظى بها من كونه المؤسسة الإسلامية الأعرق تاريخا وقيما، إذ تعد بمثابة المرجعية التقليدية الرمزية الأهم في العالمين العربي والإسلامي السنيين، مؤشرا على حجم التموضع العقدي الآخذ في الصعود داخل ملف “سد النهضة” الذي أصبح يلعب داخله دورا هاما تحفيزيا وداعما في آن معًا، برز بشدة بعد اصطفاف شيخ الأزهر مع الدولة المصرية في مواجهة الطموحات الإثيوبية التي تتعدى محيطها الجغرافي والإقليمي معًا وراغبة في أن تتعدى دون ذلك، وموقف المؤسسة الإسلامية الإثيوبية الداعمة لسياسات آبي أحمد في مشروعه السياسي خاصة تجاه أزمة السد.

ويقودنا ذلك إلى محاولة استشراف ما ترنو إليه سياسات أبي أحمد الدينية وخاصة في الحالة الإسلامية، فضلا عن دعم مشروع السد، إلى أنه يطمح من خلال توظيف هذه النخب لتعزيز القومية الأفريقية والإثنية العرقية داخل الإطار الإسلامي الجامع، بحيث يجعلها في مواجهة مع الآخر العربي في محاولة لتحفيز الاصطدام والمواجهة البينية، بحيث يكون هناك إسلام أفريقي إثيوبي في مواجهة الآخر العربي.

اقرأ أيضا: لعبة آبي أحمد.. لماذا يدعم مسلمو إثيوبيا سد النهضة؟

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى