ثقافة وفن

في «مهرجان ريفيكن».. وودي آلن يكشف عن ذاته وهواجسه المثيرة

«يُمكن التعرف على أفلامي بسهولة؛ لأنها تدور حول المضمون نفسه، حتى لو اختلفت الأجواء، فستظل المشاعر والأفكار واحدة». المقولة السابق ذكرها لـ«وودي آلن»، أبرز وأهم مخرجي هوليوود في العقود الأخيرة؛ تبدو صحيحة بطريقة أو بأخرى، فعوالم «وودي آلن» قد تظهر كوحدة متجانسة، يخرج منها أفلامه وكأنها مرتبطة برابط ما؛ لكنه مع كل فيلم جديد، يُعيد تقديم وبلورة تلك الأفكار في قالب مغاير، يبعثها من مرقدها، ويُقدمها مُطعَّمة بجرعة مكثفة من الأسئلة الوجودية والفلسفية عن الحياة بتشعباتها وتعرجاتها التي لا تنتهي.

ومن رحم عوالم «وودي آلن المثيرة» جاء الفيلم الجديد «مهرجان ريفيكن» أو «Rifkin’s Festival»، إنتاج عام 2020، ليستكمل فيه مصفوفة التساؤلات والإشكاليات الوجودية التي تؤرق حياته، أو على حسب تعبيره: «يهرب من الواقع» باختلاق القصص وصنع الأفلام.

وهذه المرة يتطرق «آلن» مُجددًا للمصير الإنساني وارتباطه الوثيق بفلسفة الحب والعلاقات، فالتوافق الروحي بين الرجل والمرأة، ليس هو المعيار الوحيد لاكتمال التواصل، وهنا تكمن سخرية الواقع، تلك السخرية التي امتدت إلى السينما، وتحولت إلى حالة من الرثاء على حال الفن السينمائي في ثوبه الآني.

 وودي آلان؛ المخرج والممثل والكاتب السينمائي والمسرحي وعازف الجاز الأمريكي، وأحد أبرز المخرجين في هوليوود.
وودي آلان؛ المخرج والممثل والكاتب السينمائي والمسرحي وعازف الجاز الأمريكي، وأحد أبرز المخرجين في هوليوود.

نحن أمام قصة قد تبدو عادية للغاية؛ لكن من بين هذه البساطة تكمن المفارقة التي تعبر عن رؤية عميقة للحياة. القصة تتحدث عن «مورت» (والاس شون) الكاتب والمحاضر السينمائي الذي يزور مهرجان سان سباستيان السينمائي في إسبانيا، برفقة زوجته الصحافية «سو» (جينا غيرشون)، وهناك يكتشف كل منهما أن حياته في رفقة الآخر ذهبت سدى، فهل تعطي الحياة فرصة أخرى لكليهما؟

وودي آلن والعوالم المتضادة

يبدأ الفيلم بمشهد نرى فيه «مورت» وهو يسرد للطبيب النفسي ما جرى في العشرة أيام الماضية، أثناء فعاليات مهرجان سان سباستيان السينمائي، ثم تنتقل الشاشة للمشهد التالي في إسبانيا، لحظة وصول الزوجين إلى مقر المهرجان، بمصاحبة التعليق الصوتي للبطل، كعادة أغلب أفلام «وودي آلن»؛ حيث اختار السيناريو أن يُدخل مشاهدي الفيلم مباشرة في جوهر الموضوع ومتن الحكاية: «مورت» يُفصح عن السبب الحقيقي لحضور المهرجان، ألا وهو متابعة زوجته المنبهرة بالمخرج الفرنسي «فيليب جيرمين» (لويس جاريل) الذي يراه «مورت» مفتعلًا، إن لم يكن بمعنى أدق مُدعيًا، أو –بالتعبير الذي نفضل استخدامه مؤخرًا- مجرد (مديوكر) آخر.

صورة تجسد علاقة الأبطال الثلاثة لفيلم " مهرجان ريفكين"
صورة تجسد علاقة الأبطال الثلاثة لفيلم “مهرجان ريفكين”

ينسج السيناريو أحداثًا تتأرجح بين عالمين متوازيين: الواقع والخيال، يتداخلان معًا، بحيث لا يستقيم السرد من دون أحدهما، فكل منهما يُكمل الآخر، فقد بدا العالمان وكأنهما وجهان لعملة واحدة، رغم التضاد الشكلي بينهما، فإن مكنونهما واحد، وهو ما يدور داخل عقل البطل من هواجس وتساؤلات، لتبدو أجواء كل عالم تُفسر العالم الآخر، وتكشف ما خفي على شخصية البطل الرئيسية.

ففي العالم الواقعي، نرى «مورت» برفقة زوجته وصديقها المخرج الفرنسي داخل فعاليات المهرجان، تمر الأيام عليه ثقيلة الوطأة، والسبب في ذلك كما أخبر الطبيب النفسي، العلاقة الغريبة بين زوجته وذلك المخرج الذي تروج لأفلامه، وشكوكه المثارة حول الزوجة، والتي تزداد مع توالي السرد وتتابعه. وعلى الناحية الأخرى، تضع الوحدة «مورت» في مأزق، كلما انتابته بضعة آلام أو إجهاد ما، يظن نفسه مريضًا، وكأن وحدته وأزمته النفسية تنضح على جسده في هيئة أوجاع وهمية، لا صلة لها بالحقيقة.

أما في العالم الخيالي، أو الأحلام التي تزور «مورت» في صحوه قبل نومه، فإنه يرى فيها قبسًا من حياته السابقة، أو رؤى تُفسر له ما خفي من حياته، أو تكشف له ما لا يدريه عن واقعه. ففي أحد المشاهد نرى «مورت» في أحد الأحلام وهو يتناول العشاء مع شقيقه وزوجة الأخير، ثم يستمع خلسة إلى رأي زوجة شقيقه الصادم عنه، وهنا تكمن قيمة وقوة هذه الأحلام؛ ليس في إزاحة الستار عن اللامعلوم بالنسبة لـ«مورت» فحسب؛ لكن في بث وصلة محبة وصيحة رثاء عن السينما.

أحلام غريبة

عبر أحداث الفيلم الممتدة تنتاب «مورت» أحلام غريبة: يرى نفسه داخل مشاهد من الأفلام الكلاسيكية التي يحبها. البداية مع فيلم «المواطن كين» لأورسون ويلز، ثم أفلام «جودار» و«بونويل» و«فيلليني» «وبرجمان»، وغيرها من الكلاسيكيات السينمائية التي يُقدرها «آلن» نفسه، وكأنه بهذا الفيلم يُرسل تحية واجبة لفناني السينما من المخرجين الكبار الذين تأثر بهم صاحب «آني هول». وقد عبَّرت صورة مدير التصوير الإيطالي الكبير «فيتوريو ستوارو» عن هذا المزيج المدهش بين العالمين.

رغم أجواء التقدير تلك، فإن ثمة لمسة شجية، تتألق بين الحين والآخر، ففي أحد المشاهد نرى «مورت» وهو يُخبر الطبيب النفسي قائلًا: «الذهاب لأي مهرجان سينمائي، كانت فكرة حماسية بالنسبة لي، أما الآن فلم تعد المهرجانات السينمائية كما كانت»، وكأنه يرثي للفن السينمائي بصفة عامة. هذا الرثاء ستتصاعد حدته، كلما تقدم بنا السرد، وازدادت وتيرة الأحلام في الاندفاع، وبالتأكيد مع هذا التدفق ستبحث نفسه عن شريك، روحه مماثلة لما يراه ويعايشه.

مسارات عكسية

رسم السيناريو شخصية «مورت» تختلف كلية عن زوجته «سو»، كلاهما يسير في طريق مغاير عن الآخر: «مورت» يعكف على كتابة رواية، يرغب في جعلها تحفة فنية، تختلف عن بقية الروايات والأعمال العادية، وبداخله رغبة حثيثة للإنجاز؛ لكنها رغبة مكبلة بالخوف. وهنا يطرق السيناريو نقطة جوهرية، وهي حالة الخوف أو ما تسمى بحبسة الكاتب (Writer Block)، ففي أحد المشاهد نرى «مورت» وهو يقول: «أجد نفسي أكتب صفحة، ثم أمزقها، وهكذا». «مورت» ليس بمقدوره في حقيقة الأمر كتابة شيء، ومن أراد كتابة شيء ذي قيمة ما، فإن حياته بالتالي تحوي الكثير، أو تفضل بالمرور بعديد من التجارب الحياتية التي تُجيز له الإنجاز. وبالعودة إلى تاريخ الشخصية من خلال أحلامه، نجد أن كل تجاربه محدودة، وما بداخله أحلام، لم ترتقِ سلم الواقع بعد.

في المقابل «سو» تعمل في المجال الصحافي لدى صناع السينما، حياتها تتميز بالحركة بخلاف ركود عالم زوجها، وبالتالي تصبح حياتها الزوجية على المحك، وهنا ينتقل السيناريو لمستوى آخر من الطرح، وهو تقاطع المصائر: «سو» ترتبط سرًّا بصديقها المخرج «فيليب»، كلاهما يسير وراء الشهرة والانبهار باللاشيء، وبالتالي هما يمثلان بطريقة أو بأخرى العصر الحالي.

والاس شون وإيلينا أنايا بطلا فيلم "مهرجان ريفكين"
والاس شون وإيلينا أنايا بطلا فيلم “مهرجان ريفكين”

وعلى الناحية الأخرى «مورت» الذي يلتقي بالطبيبة «جو روخاس» (إلينا أنايا) التي تشبه تكوينه الشخصي والروحي إلى حد كبير؛ لكنها متزوجة هي أيضًا من فنان تشكيلي، يبتعد عن تكوينها كل البعد، فكل من «مورت» و«جو» يكمل كل منهما الآخر ولو لفترة وجيزة. يشعر كل منهما بالاكتمال، وتلك صفة الحياة، كما يراها «آلن»: لا تكتمل أبدًا بمن نلتقي ونحب، فالمصير يتشابه؛ لكنه لا يتناغم سويًّا.

فكل من «فيليب» و«سو» وجهان لعملة واحدة، وبالتالي «مورت» و«جو» وجهان آخران، كل منهما يمثل قيمة ما، أو بالأحرى: زمنًا ما. بالتأكيد ينحاز «آلن» نحو زمن ماضٍ، يرى فيه نفسه، وهنا يُمكننا فهم وتأويل مصفوفة الأفلام الكلاسيكية التي تبرز من خلالها الأحلام، فالأفلام تنتمي لزمن ولَّى وفات، زمن يرى فيه أن للقيمة الفنية نصيبًا لا بأس به، وبالتالي يبحث «مورت» المعادل لشخصية «آلن» عما يمثل ويُكمل تلك التوجهات الفكرية والروحية.

«وودى آلن» يروي حكايته

كتب عديدة صدرت عن «وودي آلن»؛ لكن لا يوجد أهم من روايته هو نفسه ورؤيته لمسيرته وللحياة بصفة عامة، وذلك ما نراه في هذا الفيلم. شخصية «مورت» تمثل معادلًا موضوعيًّا لـ«آلن» نفسه. أفكاره التي يعبر عنها ما هي إلا أفكار «آلن»، حتى ملابسه وألوانها وأسلوب وطريقة حديثه، كلها تكاد تتطابق مع «آلن»، وتلك ليست مصادفة بالتأكيد.

وبالتالي لا يعتمد السيناريو على حبكة أو صراع درامي؛ لكنه ينطلق ساردًا حالة ما، أكثر من اعتماده على السرد التقليدي الذي يحتوي على ذروة، تصل عندها الأحداث لنقطة اللاعودة، وكأن ما يرغب فيه السيناريو، ليس إلا تقديم رؤية عن «آلن» نفسه، وكأنه يكشف ويزيح الستار عن ذاته، ويتصالح مع خصومه السابقين، مثل الموت الذي يتجسد في أحد المشاهد المقتبسة من فيلم «الختم السابع» لإنجمار برجمان؛ حيث نرى «ملك الموت» وهو يطلق نصائحه في وجه «مورت»، حتى يتفادى قنص روحه، في سخرية من فكرة الموت التي يهابها صاحب «منهاتن» كثيرًا.

«مهرجان ريفيكن» حلقة جديدة تنضم لمشروع «وودي آلن»، يمارس فيها سطوة تفكيره بصوت عالٍ، عن الحب والحياة، ولا شك في أن الفيلم نجح إلى حد كبير في التعبير عن هموم صاحبه، والأهم هو تحفيز العقل على التفكير والتأمل، أو مثلما يقول «آلن» عن الحياة: «لا توجد إجابة حول حقيقة الحياة، مهما تحدث إليك الفلاسفة أو علماء النفس. كل ما يمكنني فعله هو التشتيت. وهذا ما أفعله: أشتت نفسي وأصنع الأفلام».

المخرج الأمريكي وودي آلان
المخرج الأمريكي وودي آلان

 

إقرأ أيضا :  سبايك لي.. محارب يرفض الاستراحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى