زوايا

في وداع الوريث.. الفقيه “ريّان”: شيخ المالكية في عصره

خلف شاشات الحاسوب والهواتف، ينتظر الطالب “توليجن”، الوافد من بوركينا فاسو، رفقة زميله في الدراسة والمسكن، “عثمان”، من دولة توجو، ظهور شيخ جاوز الثمانين من عمره عبر بث مباشر على صفحة تحمل اسمه بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ليتعلما منه أصول المذهب المالكي، الذي يدرسونه بجامعة الأزهر.

هيئة الشيخ مألوفة للجميع: لحية بيضاء.. عمامة.. نظارة تستقر على عينيه..

يجلس في منتصف الأريكة وبيده ورق مكتوب بخطه، فيه ملخص لدرس اليوم.. كان ذلك يحدث في موعد لم يخلفه أبدًا قبل 13 فبراير 2021، يوم أن أصيب الدكتور أحمد طه ريان، العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون، عضو هيئة كبار العلماء ورئيس موسوعة الفقه الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، بفيروس كورونا، ونُقل على إثره إلى المستشفى، حتى وافته المنية ظهر الأربعاء 17 فبراير الجاري.

حضر توليجن وعثمان إلى الجامع الأزهر، حيث لقاءات كثيرة جمعتهما بـ”ريان”، الملقب بشيخ المالكية في مصر، إذ كان يدرّس الفقه المالكي في الجامع الأزهر في حلقات علمية على الطريقة الأزهرية القديمة حتى وفاته، لكن حضورهما هذه المرة كان لوداعه وتأدية صلاة الجنازة على شيخهما، ثم بعدها تستقبل أسرته العزاء بمسقط رأسه في مدينة الأقصر.

رحل شيخ المالكية بعد أن أتم عامه الثاني والثمانين بأيام، حيث وُلد 10 فبراير 1939 بالأقصر، وتعلم بالأزهر الشريف منذ صغره، ثم التحق بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة عام 1966، وحصل على درجة الماجستير في الفقه المقارن عام 1968، ومن بعدها درجة الدكتوراه عام 1973،  وحصل على درجة الأستاذية بها عام 1985.

يُعرف عن رئيس موسوعة الفقه الإسلامي الراحل نزعته الصوفية، فكان يوصي طلابه بالتعرف على التصوف وآداب المُريد من خلفاء الشيخ أحمد الدردير، أحد أهم الفقهاء من أهل السنة والجماعة، وهو إمام صوفي وعالم أصولي ومرجع في الفقه المالكي وأحد أبرز مجتهديه في العصر الحديث، كما لازم في شبابه مجالس الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم، رائد التصوف في العصر الحديث، والدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر، الملقب بـ”الإمام الزاهد”.

خلّف “ريان” إرثًا ضخمًا من المؤلفات والمطبوعات، التي تناول خلالها القضايا المعاصرة، مثل المخدرات والتعدد وغيرها، منها: المسكرات وعقوبتها في الشريعة الإسلامية، المخدرات بين الطّب والفقه، تعدد الزوجات ومعيار العدل بينهن في الشريعة الإسلامية، ضوابط الاجتهاد والفتوى، والبيوع المحرمة وأثرها في تعامل المصارف، الرد على الفكر العلماني وكتاب الذبائح في الحج: مصادرها ومصارفها.

ومن أبرز كتبه في الفقه المالكي “التعليق الفقهي على مدونة الإمام مالك”، “بريد الإسلام في الفتاوى”، “المدخل الوجيز في التعريف بإمام الفقه والحديث مالك بن أنس رضي الله عنه”.

كانت جولاته الخارجية وعمله في اليمن وبنجلاديش وأوزباكستان والأردن وعدد من الدول الأوروبية سببًا في تعلق قلوب الطلاب الوافدين به، فكانوا أكثر الحاضرين لدروسه، وأول السائرين خلف جثمانه يوم وفاته، كما توالت منشورات النعي على مواقع التواصل الاجتماعي من تلامذته، فكتبوا: تتلمذنا على يديه وعرفنا الإسلام الوسطي من خلاله، رحم الله الإمام الزاهد  الورع، بركة الزمان وحسنة الأيام، بقية السلف، درّة الخلف، والعالم الرباني شيخ السادة المالكية في العالم الإسلامي، الدكتور أحمد طه ريان.

الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف

فيما وصفه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، بـ”رفيق رحلة التعلم والدراسة، والذي عاش عالمًا جليلًا، ودارسًا مُدققًا، وسمحًا كريمًا معطاءً بين طلابه وتلاميذه، فقد كان -رحمه الله- في دفاعه عن الشريعة يَصدَعُ بما يُؤمن به، ولا يخشى في قول الحق لومةَ لائم، عاش -رحمه الله- ومات في مكتبته، وأثرى المكتبة الأزهرية بالمؤلفات والأبحاث العلمية في الفقه والأصول والحديث الشريف، وإن الأزهر ليفتقد -بافتقاد فضيلته- رُكنًا أصيلًا من أركان الفقه المالكي والتشريع بأروقة الأزهر الشريف وقاعات الدرس والبحث العلمي في كليات الشريعة والقانون في جامعة الأزهر”.

من يخلف ريان؟

بعد وفاة ريان، تبقى تساؤلات حول وضع المذهب المالكي في مصر، وحدود انتشاره الآن داخل جامعة الأزهر وإقبال الطلاب على دراسته، وسبق أن صرح الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية، بأنه مالكي المذهب، في لقاء تليفزيوني.

يُنسب المذهب المالكي إلى الإمام مالك بن أنس، الذي نشأ في المدينة المنورة، خلال القرن الثاني الهجري، وكانت مصر أول البلاد التي انتشر فيها المذهب المالكي بعد الحجاز، والذي قام بإدخاله إليها هم تلاميذ الإمام مالك في حياته، وعندما جاء الإمام محمد بن إدريس الشافعي إلى مصر تعادل المذهبان في النسبة، حيث قبل ذلك كان المذهب المالكي هو الأكثر انتشارًا.

ويعتمد المذهب على الكتاب والسنة والإجماع وعمل أهل المدينة والقياس والاستحسان والاستقراء وقول الصحابة وشرع من قبلنا والاستصحاب والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف والأخذ بالأحوط ومراعاة الخلاف، إلى جانب القواعد العامة.

“يا مالك.. اصنع للناس كتابا أحْمِلهم عليه، فما أحد اليوم أعلم منك!”..

كان هذا النداء من الخليفة العباسي الثاني، أبي جعفر المنصور، سببًا في ظهور “الموطأ” الذي ألفه الإمام مالك، وهو من أوائل كتب الحديث وأشهرها، إذ قيل إنه مكث أربعين سنة يقرأ الموطَّأَ على الناس، فيزيد فيه وينقص ويهذب، فكان التلاميذ يسمعونه منه أو يقرؤونه عليه خلال ذلك، فتعددت روايات الموطأ واختلفت بسبب ما قام به الإمام من تعديل على كتابه، فبعض تلاميذه رواه عنه قبل التعديل، وبعضهم في أثنائه، وبعضهم رواه في آخر عمره، وبعضهم رواه كاملا، وآخرون رووه ناقصا.

وبفضل حرص أتباع الإمام مالك، الذين جاؤوا من بعده، على تدوين آرائه وعلمه، فتتبعوا الفروع ووازنوا بينها واستنبطوا منها ما صح لديهم فدونوها بناء على ما فهموه من طريقته في استنباط الأحكام، وقالوا: كان مالك يأخذ بكذا ويستدل بكذا، وأسهمت حركة التدوين تلك في وفرة مصادر الفقه المالكي وانتشاره في ثلاث قارات، آسيا وإفريقيا وأوروبا.

ومن أبرز سمات المالكية رفض تكفير المذنب أو متبع الهوى، وعدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمور المختلف بها، والانفتاح على المذاهب الفقهية الأخرى.

واحتكر المالكية منصب شيخ الأزهر لمدة نصف قرن متصل، لم يجلس فيها صاحب أي مذهب آخر على كرسي المشيخة، بدأ ذلك منذ فترة تولي الشيخ محمد النشرتي المالكي لمنصب شيخ الأزهر عام 1694،  يليه الشيخ عبد الباقي القليني، ثم محمد شنن، ومن بعدهم  الشيخ إبراهيم موسى الفيومي، حتى تولى المشيخة الشيخ عبد الله الشبراوي، شافعي المذهب، منهيا سيطرة المالكية على المشيخة.

الدكتور أحمد طه ريان، خلال إحدى حلقات التدريس

يدرس طلاب الأزهر المذاهب الفقهية الأربعة، ويكون من حق الطالب اختيار مذهب بعينه ودراسته من كافة الجوانب، فينقسمون إلى مالكي وشافعي وحنبلي وحنفي في مرحلة الثانوية الأزهرية، ويؤدون امتحانهم في المذهب المقرر عليهم، كما يرغب البعض في أن يتزود بقدر أكبر من المعرفة، فيتجه إلى الجامع الأزهر ويحضر الدروس الفقهية التي يقدمها علماء الأزهر في الفقه، على طريقة شيخ العمود، حيث يجلس العالم ومن حوله الطلاب يشرح لهم ويسألونه فور الانتهاء من تقديم الجزء المقرر لهم.

الدكتور عبد الحليم منصور، أستاذ الفقه المقارن والعميد السابق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، يقول إن المذهب المالكي منتشر بين طلاب الوجه القبلي بصعيد مصر، لا سيما  الأقصر، مسقط رأس الدكتور “ريان”، فيما يفضل طلاب الوجه البحري دراسة المذهب الشافعي.

ويبيّن “منصور” لـ”ذات مصر” أن شيخ المالكية الراحل كان له دور كبير في انتشار المذهب بهذا الشكل، بحكم كبر سنه ووصوله إلى مرحلة الأستاذية وتأثر الكثير من طلابه ومحبيه  بعلمه وجلساته، التي كانت تجذب أعدادا لا حصر لها، سواء في الجامع الأزهر أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي في دروسه التي كان تُبث إلكترونيًا.

ويوضح أن الدكتور ريان، مالكي المذهب، لكن تخصصه الدقيق كان الفقه المقارن، أي كان معنيًا بالمقارنة بين المذاهب الثمانية (المالكية، الحنفية، الحنبلية، الشافعية، الظاهرية، الإباضية، الزيدية والإمامية)، وبوفاته لم يعد بجامعة الأزهر من هم على نفس المكانة أو السن في المذهب المالكي، لكن هناك أسماء بارزة لهم مكانة في نفوس الطلاب، مثل الدكتور أشرف الخطيب، أستاذ الفقه المالكي بجامعة الأزهر فرع أسيوط.

وعن دراسة المذهب المالكي، يوضح أن “أفرع الوجه البحري في جامعة الأزهر يمكن أن تحتوي على 10 طلاب فقط مالكية، مقابل 1000 شافعي، أما الصعيد فالعكس تمامًا”.

وعن تفضيلات الطلاب الوافدين، يكشف “أنهم يميلون إلى استكمال دراستهم لنفس المذاهب المنتشرة في بلادهم، فمثلًا من يأتي من دول الخليج يكون حنبليا أو مالكيا، فيما يلاحظ أن أغلب طلاب شرق آسيا أحناف، أما دول المغرب العربي فهم مالكية”.

أما طلاب الأزهر في مصر فتبدأ صلتهم بالمذاهب من التعليم الإعدادي، ويتخصصون إما مالكية أو غير ذلك، ويدوّن فيما بعد على استمارة امتحان الثانوية العامة مذهب الطالب، ليتنقل إلى الدراسة الجامعية ويدرس الفقه المذهبي في مذهبه هو (مالكي أو شافعي..)، ثم يتخصص في الفقه المقارن، وهو أمر مقصور على طلاب الشريعة الإسلامية والكليات المناظرة لها، وفق “منصور”.

دعاء إمام

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى