“في ورق هدايا”.. خَوْفك وَحْش اقتله

محمود الطباخ

صحفي مصري

كثيرًا ما ننسى حقيقة أن حياة كل منا لها “دورة” مُحددة، تبدأ بك طفلًا وتنتهي بك هَرٍمًا، ليُدخلك عقلك بعدها في حياة أخرى، تظن أنك تعيش معها أيامك الأخيرة، “عُمْر” مُقدر لكل منا، وبين الأول والثاني تكمن لحظاتنا بحلوها ومرها، لكن الأهم أن نعيشها بكل شغف ونتغلب على أَلَمنا حتى لا يسيطر علينا العجز !

على مدار 14 دقيقة، صَوّر لنا الفيلم الروائي الصغير “في ورق هدايا”، حكاية شاب يمر الكثير منا بنفس ظروفه الآن، كاد كورونا “الوحش” أن يفتك بأحلامه، أدخله في نوبات الاكتئاب والقلق، اجتهد في ازاحته إلى حافة حلمه، اشغله بالتفكير في السقوط والضياع في وقت انعزل فيه الجميع عن الجميع، وحلت فيه غرفنا الصغيرة مكانة عالمنا الكبير.

“الماضي عيشناه بكل تفاصيله والمستقبل بيتغير كل ما أحنا بنتغير، واللي حوالينا بيتغير ويفضل لنا الحاضر بكل فرصه، يمكن قلب الصفحة صعب صحيح، لأننا فعلا عايشين فيها، لكن اختراع الفضا الصغير اللي حواليك وحوالين كل اللي بتحبهم مش صعب”..  تلك الكلمات المُصاحبة للصورة في العمل أوصلت رسائل أهمها ألا نستسلم لأن صراع الحياة باقٍ، والمهم استمرار المحاولة.

كيف لك أن تكون سعيدًا في عزلتك الضيقة؟ الإجابة عرضها الفيلم.. بأن “ترضى بالأمر الواقع”، أن تعيش لحظاتك، اصنع من عزلتك عالمًا كبيرًا يمتلئ بتفاصيل أوسع وأرحب تتنفس فيها روحك، تجعلك قادرًا على “بناء سفينتك جيدًا استعدادًا للحظة الإبحار” حينما ترفع شراعك وتهبط أمواج جائحتنا.

يضرب لنا الفيلم الروائي “في ورق هدايا” إعداد فريق كلية الإعلام جامعة سيناء، عبر مشاهده المختلفة، مثالًا بـ”أن السعادة الحقيقية ليست بمقدار ما نملك من الأشياء، بل بمقدار ما نستمتع به في حياتنا وبما نملكه تحت أيدينا الآن”.

مقارنة موفقة للعمل بتشبيه حياتنا بـ “ألعاب البلايستيشن” التي تتعدد فيها الفرص فمرحلة الـ”Game over” لم تأتٍ بعد. إذ ترى كاتبة السيناريو عميدة الكلية الدكتورة الأميرة سماح فرج، أن سعادة الأمر الواقع لعبة.. علينا أن نتعلم كيف نستمتع بها.. “في عز ما بنكون فاكرين أن كل تكتيكات اللعبة انتهت، وإحنا متخيلين إننا كسبانين أو خسرانين.. بتتغير طريقة اللعب، و توصل الرسايل الجديدة”.

نجحت منفذة ومخرجة العمل “ليلى عبدالعزيز” في رسم صورة عن حياتنا “في الحظر” عبر الشاب “طارق”، حينما جاءت ليلة ميلاده وحيدًا مكتئبًا تُحيطه أرقام الإصابات والوفيات من كل ناحية، يصاحبه خوف يتجدد داخل كل منا، فاللجوء للنوم ملاذه الوحيد للهروب من هذا العالم، ليفيق على صحبة تسعى لإخراجه من حالته إلى بصيص من السعادة وإن كانت “افتراضية”، تكسر حدة يأسه.

ابحث جوا “علب الهدايا” فيها حلمك، شغفك، هواياتك، فكر حواليك ودور، شد الستاير، وفتح عيونك هتشوف الصواب..  رسالة الفيلم واضحة عبر هذه الكلمات فلكل منا بداخله طاقة، حلم، سعادة مكنونة تحتاج لأن نبحث عنها ونطلق لها العنان، نزيح عنها التراب، حتى وإن كُنا في “العزل”.

من عزلة وكآبة وخمول إلى عزيمة وبهجة ونشاط.. جُسدت “لحظة الإفاقة” بشكل جيد في الفيلم الروائي، لحظة نهوض بطله لفتح “صندوق هداياه” فيجد “كاميراته”، الآلة التي طالما أحبها وهجرها أيضًا، ذكرته بشغفه إلى التصوير.

جميعنا نحتاج إلى فتح الصناديق لنعيد ذاكرتنا إلى الأشياء البسيطة الجميلة التي تذكرنا بـ “حُب الحياة”، مثلما عبرت الروائية الأمريكية التي عانت كثيرًا من الاكتئاب “سيلفيا بلاث”: “هناك الكثير من الأشخاص ممن يكتمون الأشياء بداخلهم كالصناديق المقفلة، ولكنها ستفتح في يومٍ ما، إذا كنت ترغب بالحصول على ما بداخلها فأنك ستجد أشياءً رائعة جداً”.

لا يهم أن يكون لديك إمكانيات هائلة كي توصل تجربتك وفكرتك اللامعة، المهم أن تبذل جهدًا، أن تكون شغوفًا في عملك، هذا ما رأيته ينطبق على الفيلم وطاقمه، فهو نتاج تجربة دؤوبة خرجت من رحم “العزل”، تسعى بإمكانياتها المتواضعة لتقديم محتوى لامع وسط مناخ مملوء بالغبار.

إضاءة الفيلم عبرت بشكل كبير عن الأجواء الحزينة التي عاشها بطل العمل، وجاءت الكادرات موفقة أيضًا، وصورت الموسيقى الحالة بكل تفاصيلها، لاسيما الانتقال من ضيق العزلة إلى آفق الأمل رغبة في الاستمرار، عليك أن تصنع عالمك في العُزلة حتى وإن كان هذا العالم افتراضيًا فالتفاعل أهم بكثير من الوقت الذي نقضيه بالتفكير في “أننا نعيش في عُزلة”.

ابدأ لعبة جديدة “Start new game” بروح جديدة؛ مازال أمامنا فرصة، ربما تكون فرصتك الأخيرة فلاتضيعها، تغلب على خوفك الداخلي بإصرارك وحبك للحياة، لتخرج من “صندوقك” شخصًا آخر، تُزهر الابتسامة فيه حياتك.

حمل الفيلم رسالة هادفة في وقتٍ صعب.. ففي النهاية كما كانت نهاية العمل، الرضا والسعادة بكل قديم وحاضر وجديد، هي اختيار من اختياراتنا الكثيرة، فكر جيدًا واختار، وأي ما كان اختيارك، تأكد أنه دائمًا جميل، “عشان في خير كتير جايلك ملفوف في ورق هدايا”.  


لمشاهدة “في ورق هدايا”.. اضغط

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram