فَنّ يَمَني عَنْ بُعد

فرقتهم الجائحة فجمعتهم الموسيقى

داخل غرفة صغيرة بمدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج اليمنية، أوائل خمسينيات القرن الماضي، ظل الفتى “محمد سعد عبدالله”، البالغ من العمر حينذاك 16 عامًا، يتمرن على أداء أغنيته الأولى “محلا السمر جنبك”، استعدادًا لإعلان موهبته للجميع بكل شغفٍ وثباتٍ وإصرار، في وقتِ تُعاني فيه بلاده ويلات الانكسار جراء الاحتلال البريطاني.

كشفت هذه الأغنية عن ميلاد رمز من رموز الغناء في اليمن والوطن العربي كله، وأصبحت أغانيه فيما بعد شعلةَ حماس الجماهير إبان مرحلة الكفاح المسلح ضد الاستعمار، وروحًا تُجدد شوق وحنين الشباب اليمني في الغربة حتى بعد مماته.

“الموسيقى وجه مضيء لكل عتمة سببتها الحرب في قلب كل فنان عازف أو رسام أو مؤلف.. يذهب إليها للتعبير عما في داخله فيمسك بآلة موسيقية ينشر بها السلام لا الخوف” أو كما تقول الفتاة اليمنية “نورهان خالد” لـ”ذات مصر”: “في العزلة تدفعنا الموسيقى لدعم بلدنا، وإعادة إحياء تراثنا الذي يعاني من الحرب”.

على ألحان وكلمات “محمد سعد عبدالله”، أخذت “نورهان خالد” (22 عامًا) تغني قبل يومين، داخل غرفتها الصغيرة بالعاصمة المصرية “القاهرة”: “قلبي بيدي وأنا الذي قلت له يهواك.. وإن قلت له انسى بلحظة قلبي با ينساك”، إلا أنها لم تكن تردد وحدها، إذ شاركها في الغناء 11 شابًّا وشابة من أبناء وطنها، كلٌّ داخل غرفته في مصر واليمن والإمارات والمغرب وقطر والسعودية.

تحت اسم “فن يمني عن بُعد” أراد هؤلاء اليمنيون طرد تلك العزلة التي فرضتها جائحة كورونا، وإعادة الروح لتراث بلدهم الغنائي الذي دمرته 5 سنوات من الحرب والخوف والاغتراب، كما تمنوا أن يخلقوا بكلماتهم ونسًا لأبناء شعبهم حول العالم.

كان صعبًا عليهم الالتقاء في بلدهم أو في أي مكان آخر بسبب هذه الظروف، فأرادوا بـ”العالم الافتراضي” مؤنسًا لتلك الوحشة، عبر كلمات فنانهم المحبوب حينما يلتقي لحنه وكلماته بأصواتهم العذبة.

تشارك “نورهان” في هذا العمل اليمني للمرة الأولى، فطالما كانت مولعة بالطرب المصري الأصيل، وعززت دراستها في المعهد العالي للموسيقى العربية ذلك الشغف منذ أن تركت “حضرموت” لتستقر بالعاصمة “القاهرة” قبل عام: “لما قالولي عمل يمني اتحمست وقولت مخليني أعمل حاجة جديدة وأخش فنون يمني”.

ترى الفتاة أن مبادرة “فن يمني عن بُعد” صُدفة جميلة، مثلما كان مجيئها إلى القاهرة ودراستها للموسيقى صدفة أيضًا: “دراستي وانتقالي إلى مصر كان حلمًا لطالما حلمت به، ولكن لم أتوقع أن يتحقق صراحةً، مجرد صدفة بعدما اختاروني للمشاركة ببرنامج غنائي في القاهرة، الدراسة كانت أيضًا صدفة، حينما رآني السفير اليمني في حفل للجالية وأعجب بأدائي وغنائي، فاعتمدوا منحة دراسية باسمي.. لطالما كان حلمًا وتمنيت أن يتحقق”.

لا تنكر “فيروز الصغيرة” -كما يُلقبها أصدقاؤها- فضل كل من ساعدها، بداية بوالديها وأستاذها الدكتور “ياسين الأكحلي”. وكونها أول فتاة يمنية تدرس بأكاديمية الموسيقى، يظل دافعها الأول نشر “الموسيقى الشرقية” للموهوبين اليمنيين الذين لم يتمكنوا من نيل تلك الفرصة في التعليم الموسيقي، خصوصًا في ظروف الحرب أو كما تقول هي: “أتمنى أن أنشر السلام الموسيقي في قلوب الناس.. وتغيير الأفكار القبيحة التي بنتها الحرب ليرموا السلاح ويمسكوا بآلة موسيقية.. وسأظل أخوض هذه الحرب للوصول بإذن الله”.

لم تكد “نورهان خالد” تنتهي من غناء “قلبي بيدي وأنا الذي قلت له يهواك” حتى شرعت “شيماء إبراهيم” -من قلب اليمن- تُردد: “لو ضاقت الدنيا ودرب الوصل مال.. صبرك على بلواك مهما الصبر طال، لا بد ما تفرج.. ويحلها ألف حلال”.. وكأنها أرادت بتلك الكلمات زرع الأمل في نفوس أهل موطنها النازحين جراء الصراع في البلد الذي مزقته الحرب.

منذ اندلاع النزاع في عام 2015، نزح أكثر من 3.6 ملايين يمني من منازلهم. ومع وجود أكثر من 24.1 مليون شخص في جميع أنحاء البلاد ممن هم بحاجة إلى المساعدة، فإن اليمن الممُزق لا يزال يمثل أكبر أزمة إنسانية في العالم، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين.

وقد حث الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريس”، نهاية مارس الماضي، الأطراف المتحاربة في البلاد على إلقاء أسلحتها دعمًا للمعركة الأكبر ضد فيروس كورونا، واصفًا الفيروس بأنه عدو مشترك يهدد البشرية جمعاء الآن. كما رحب كبير مسئولي المفوضية في اليمن “جان نيكولاس بيوز”، بالجهود المبذولة للتوسط في أول وقف لإطلاق النار بين المتقاتلين هناك منذ عام 2016.

جلسة خاصة شهدها مجلس الأمن الدولي بشأن اليمن، في 16 أبريل الجاري، لا سيما بعد ظهور أول حالة إصابة موثقة بالفيروس التاجي في البلاد (10 أبريل)، وفي حين يتواصل التصعيد العسكري على جبهات عديدة منذ ثلاثة أشهر؛ إلا أن مجيء (كوفيد-19) يهدد بتعميق معاناة اليمنيين، ما دفع “غوتيريس” للقول: “هذه لحظة مواتية أكثر من أي وقت مضى كي تلتزم الأطراف بإسكات البنادق وبإنهاء النزاع، فاليمن لا يستطيع خوض معركتين في وقت واحد: الحرب والجائحة”.

معاناة اليمنيين وتدهور أحوالهم كان دافعًا أساسيًّا لمشاركة عازف الجيتار الشاب “هيثم الحضرمي”، في “فن يمني عن بُعد”، فالحالة النفسية السيئة لأهل اليمن وعزلتهم المُضاعفة جراء النزوح والفيروس التاجي على حد سواء، ومشاعر الشوق لأهله وإخوته وأصدقائه، لم تجعله يتردد: “في وقت كورونا، الناس كلها في البيت تعبانة، فهذا من أجل الجمهور والناس لتحسين حالتهم النفسية ولإحياء التراث، لأن الدنيا حروب”.

اتفق جميع المشاركين على أن يكون العمل المُقدم من التراث اليمني -دون غيره- لجمع المغتربين بمختلف اتجاهاتهم وآرائهم على هدف “اليمن الواحد السعيد”، ليكون العمل سلوى لهم ولشعبهم في العُزلة، وفرصة أيضًا لإظهار مواهبهم الغنائية أمام كل مشاهديهم في وقتٍ تخلو فيه بلادهم من أية شركات إنتاج فني، كما يقول “الحضرمي” لـ”ذات مصر”: “الموضوع تخرج منه فوائد أخرى مثل نكون زي منصة لإظهار الشباب والعازفين برضو”.

هيثم.. في حفل الأوركسترا الحضرمية بماليزيا- 2019

يُشير الشاب اليمني إلى أنهم يتواصلون عبر جروب “واتساب”، يحمل اسم مبادرتهم “فن يمني عن بُعد”؛ ليناقشوا أغنيتهم واختيار الأصوات المشاركة بعناية، والتواصل معهم لشرح الفكرة ثم الشروع في تنفيذها، لافتًا إلى أن هناك فنانين معروفين يشاركون معهم، وشبانًا لهم تجارب في مسابقات الغناء “the voice”، و”Arabs Got Talent” بالمنطقة العربية وآسيا وإفريقيا وأوروبا.

الفنان المشهور “فؤاد الهتار”، كان من أوائل المشاركين في أول أغاني “الفن عن بُعد” التي بثها “أبناء اليمن” في الأسبوع الأول من أبريل الجاري، وسرعان ما عبّر عن فرحته قائلًا: “المشاركة الأولى ستتبعها ألوان الغناء اليمني، كالصنعاني، والعدني، واللحجي، والحضرمي، والتهامي، كنوع من تجميع الناس للبقاء في منازلهم، وبث روح الأمل لديهم في الوقت ذاته”.

يقول “عبدالله آل سهل” صاحب الفكرة -الموزع الموسيقي وعازف الكمان- بكل فرحة: “نال العمل الأول إعجاب الكثيرين في الوطن العربي من متابعين وفنانين ومعروفين، ما أبهرني وشجعني أنا والشباب على تنفيذ بقية السلسلة الغنائية بشكل سريع”. لافتًا إلى أن اليومين المقبلين سيشهدان طرح عملهم الثالث.

ولدت الفكرة أثناء الحجر المنزلي بعد تفشي كورونا في العالم وإلزام المواطنين بالبقاء في المنازل لوقف انتشار الوباء، فقرر “عبدالله” تنسيق نشاط فني عن بُعد لتمرير الوقت مع أصدقائه الفنانين والموسيقيين، شبانًا وفتيات، كُل واحد من منزله، وحث الجميع على البقاء في المنازل، وكانت أغنية “حوى الغنج” لمحمد سعد عبدالله، هي أول عروضهم.

يذكر “عبدالله” -المُقيم بالمملكة العربية السعودية- لـ”ذات مصر”، أن سلسلة “فن يمني عن بُعد” ستستمر بعد انتهاء جائحة كورونا، وسيحرص على تنفيذ العمل، ومتابعته، والإشراف عليه ليشاهده الناس عبر قناته الخاصة على موقع “يوتيوب” وعلى صفحات باقي المشاركين معه.

حب الشاب اليمني لتراث بلده دفعه لهذا العمل، إذ يطرح “عبدالله” الفكرة عبر جروب “الواتساب” ليناقشها الجميع، يحددون التراكات التي سيؤديها كل واحد منهم في منزله، ثم يرسلونها إليه عبر الإيميل بعد الانتهاء من تسجيلها، لإعدادها وتركيب الصورة عليها ومن ثم بثها لتظهر في إطار نغمي واحد وكأنهم “أوركسترا” ومغنون في المكان نفسه، لكنه “عمل عن بعد”، لذا أطلقوا عليه هذا الاسم.

مثلما خدم أستاذهم “أبو مشتاق” محمد سعد عبدالله، الأغنية اليمنية بتنوع غنائه الذي مزج بين العاطفة والحنان، فقدم العديد من الألوان “التهامي، والحضرمي، والعدني، واللحجي، والصنعاني، والخليجي”، واتسع نشاطه الفني من المحلي إلى العربي والخليجي خاصة، فتأثر بتجربته الشعرية والفنية عدد من الفنانين الكبار؛ فإن أصحاب “الفن اليمني عن بُعد” يأملون في أن تستمر تجربتهم، وأن ينقلوها إلى نطاق أوسع: “حابين إن الفكرة تنال إعجاب ناس كتير، وفي احتمالية نخلي الموضوع عربي موسع أكثر، وليس يمنيًّا فقط”. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمود الطباخ

صحافي مصري

بسمة مشالي

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search