زوايامختارات

قالك مساواة قلنا له يا ريت!.. بحوث طبية تؤكد اختلاف الجنسين بأدلة جديدة

لا تحتاج الفروق بين الذكر والأنثى إلى بذل جهد لتقديم الكثير من الأدلة عليها، فهي حقيقة أولية يؤكدها الاختلاف الواضح في مظهر كلٍ من الجنسين، وهذا الاختلاف ترتبت عليه نتائج تتصل بوظائف كل منهما في البناء الاجتماعي.

وحتى العصر الحديث كانت حقيقة الاختلاف راسخة في الثقافات كافة ولم تخضع لجدل، لكن العصر الحديث ارتبط بنظريات اجتماعية وثقافية وسياسية قامت على المساواة بين الجنسين، وهي مساواة بدأت من مناقشة الكرامة الإنسانية والحقوق الفردية والاجتماعية، ثم توسعت عند البعض حتى شملت البحث عن أدلة علمية تنفي الاختلاف نفيًا تامًا.

أحد الأعمال المهمة التي تناولت القضية وكشفت معطيات جديدة هي دراسة علمية نشرت خلاصتها المجلة العلمية الأقدم في أمريكا، المجلة العلمية لجامعة ييل (صدرت 1894)، تحت عنوان:

Men and Women are Physiologically Unequal“، والتي نُشرت في نوفمبر 2020، ودلالة عنوانها واضحة في نفي المساواة بين الجنسين.

ورغم أن الدراسة تقدم خلاصة طبية تمامًا، فإن نتائجها تحمل مؤشرات ثقافية خاصة، حيث توكد أن الدراسات التجريبية استبعدت الإناث لفترة طويلة استنادًا إلى القناعة بأن المساواة مفهوم حاكم للتجارب المعملية.

نهاية استبعاد الإناث

حتى ما يقرب من ثلاثين عامًا، تم استبعاد نصف سكان أمريكا من بعض البحوث العلمية، وحتى عام 1993، لم يطلب قانون المعاهد الوطنية للصحة من الباحثين إشراك النساء في بحوثهم.

وأصل القضية أن الأنظمة الفسيولوجية للذكور والإناث تختلف بشكل لا لبس فيه، وبالتالي تعبر كل منهما عن استجابات مناعية مختلفة عن الأخرى، ولمزيد من استكشاف هذا التمييز القائم على الجنس، فإن نينا ستاتشينفيلد، الأستاذة والباحثة في كلية الطب بجامعة ييل، والمشاركة في لجنة أمريكية معنية بوضع المرأة في الطب، ساعدت اتحاد الجمعيات الأمريكية لعلم الأحياء التجريبي في تجميع سلسلة من المراجعات موضوعها: “الجنس كمتغير في البحث“.. هذه السلسلة من المراجعات تعترف بالاختلافات بين الجنسين في الاستجابات الفسيولوجية لأمراض مثل: الإدمان وارتفاع ضغط الدم، وتعترف كذلك بالكيفية التي يؤثر بها ذلك في البحث العلمي.

في الماضي قام عديد من العلماء باستبعاد الإناث من البحوث التجريبية، معتقدين أن الاستجابات الفسيولوجية متطابقة بين الجنسين، وفيما بعد، اشتكى كثيرون من أن النساء يعانين صعوبات مختلفة بسبب الهرمونات.. هورمون “الأستروجين“، على سبيل المثال، له تأثير على تنظيم ضغط الدم، لذا، إذا كنا ندرس الإناث فنحن نريد التأكد من أننا نتحكم في مستويات هرمون الأستروجين، وأن ندرك أن الوقت الذي قد نختبرهن فيه يكون خلال الدورة الشهرية”، وهذا عامل مؤثر، وبناءً على ذلك، فإن إشراك النساء في البحث قد يتطلب استطلاعات أولية إضافية فيما يتعلق بتوقيت الدورة الشهرية، ووسائل منع الحمل، وإمكانية الحمل.

في النهاية، يعد التنظيم الهرموني للإناث مصدر إزعاج بسيطا عند مقارنته بالنتائح الإيجابية الكبيرة لإشراك النساء في البحث.

النقطة الإيجابية هنا، والتي أوضحتها ستاتشينفيلد، أنه بمجرد إلزام العلماء بإجراء البحوث على الذكور والإناث معًا، بدأنا ملاحظة اختلافات كبيرة في الاستجابات للعلاج.

ويمكن أن يكون الأمر بسيطًا مثل كون جرعات بعض الأدوية المناسبة للرجال عالية جدًا إذا تم وصفها للنساء.

وفي إشارة إلى أدوية ضغط الدم، أدى إشراك الإناث في الأبحاث إلى توضيح اختلافات عديدة، ما أثر بعمق في تطوير العلاج والممارسة السريرية.

وفي بحثها الخاص على أمراض القلب والأوعية الدموية، تركز ستاتشينفيلد على استجابات متعارضة بين الجنسين، فعلى سبيل المثال، عندما تأتي امرأة إلى الطبيب وتصف أعراضًا معينة، يإمكانه أن يدرك أنها ربما تعاني أزمة قلبية خفيفة، في الماضي، ربما كان الطبيب يعتقد أنه مجرد عُسر هضم، وتعتبر ستاتشينفيلد أن هذه الفروق لا تقدر بثمن بالنسبة للرعاية السريرية، ولم يتم التعرف عليها إلا عندما بدأ إشراك الإناث في البحوث الطبية.

كورونا في أوروبا

كوفيد يؤكد الفروق

في أغسطس 2020، سلطت دراسة أجراها باحثو جامعة “ييل” الضوء على كيفية تعبير الرجال والنساء عن استجابات فسيولوجية مختلفة لوباء COVID-19، وبشكل عام، أظهر الذكور استجابات مناعية أضعف من الإناث، وذلك عبر إشراك النساء في الدراسات، إذ بدأ الباحثون والأطباء في إدراك أن هذه الفروق بين الجنسين موجودة بالفعل في الاستجابات الفسيولوجية ويمكن أن تقدم نظرة ثاقبة للآلية الكامنة وراء المرض.

وأوضحت ستاتشينفيلد أن “العلماء توصلوا إلى طرق مبتكرة بشكل لا يصدق لفحص البشر واستجاباتهم“، ولا بد للعلماء أن يركزوا على الاستجابات الفسيولوجية الناجمة عن الاختلافات بين الجنسين وما يترتب عليها، ففي حالة COVID-19 تؤكد أبحاث جامعة “ييل” للطب أن الوباء يوفر فرصة فريدة، حيث يحفز تغييرات ضرورية داخل الكُلْية، فيما يتصل بالمساواة بين الجنسين.

في السابق، عديد من الباحثين رأوا أن الأمر لا يجب أن يقف عند الإناث والذكور واستجابتهم للأدوية والتجارب وغيرها، وكان من رأيهم -وهو الذي تغلب لاحقا- أن جميع البحوث ذات الطبيعة الميكانيكية يجب أن تتم على الحيوانات، بسبب المخاوف الأخلاقية المتصلة بإجراء التجارب على البشر.

ممارسة الرياضة

الذكر والأنثى والرياضة

دراسة أخرى نُشرت في أكتوبر 2020 راجعت الفروق بين الجنسين فيما يتعلق بأداء التمرينات الرياضية، وبالتحديد التمثيل الغذائي والتعب، الفروق في التكيف طويل الأمد مع التمارين.

المراجعة جمعت الأدلة من دراسات فسيولوجية حديثة حول “الجنس كمتغير بيولوجي“، وما يترتب عليه من اختلاف في الاستجابة لجرعات التمارين المتكافئة عند الذكور والإناث.

وفكرة دراسة الجنس كمتغير بيولوجي تم تأكيدها حديثا في العلوم الحيوية كخطوة مهمة لتعزيز صحة الإنسان.

ومن النتائج المكتشفة أيضا أن عضلات الأنثى وهيكلها العظمي أكثر مقاومة للإرهاق الناتج عن الجرعات المكافئة عالية الكثافة من ممارسة الرياضة، وبتصميمات تجريبية دقيقة، بإمكان علماء وظائف الأعضاء التقدم في فهم التنوع في علم وظائف الأعضاء وتحسين النتائج لكلا الجنسين.

ورغم التقدم العلمي الكبير، فإن عدد الدراسات الذكورية فقط في مجال البحوث البيولوجية يفوق بشكل كبير عدد الدراسات التي تمت على الإناث، لا سيما في علم وظائف الأعضاء، وعلاوة على ذلك، عندما كانت الدراسات شاملة للجنسين، فإن ثلث الباحثين فقط أخذوا الجنس في الاعتبار ضمن تحليلاتهم.

وفي ممارسة الرياضة تمثل “الجرعة” مسألة مهمة في تحديد نتائج التدريب، وتعتبر طريقة التمرين وشدتها ومدتها وتكرارها أمورًا مهمة، وأي اختلاف فسيولوجي بين الجنسين يمكن أن يؤثر في الاستجابات للتمارين الحادة والمزمنة.

إحدى الحقائق البسيطة أن الذكور يمتلكون كمية أكبر من العضلات من الإناث، ما يسهم في زيادة القوة القصوى، وتختلف الخصائص الديناميكية للعضلات بين الجنسين، وهذا من المحتمل أن يؤثر في توصيل الأكسجين أثناء التمرين، واستجابات الشرايين المغذية للعضلات أكبر عند الإناث.

والنتائج التي تكشف عنها هذه المراجعات الأكاديمية لتأثير الاختلافات الفسيولوجية عززتها إحصاءات عن التباين في استجابة كلٍ من الجنسين لوباء COVID-19، من حيث معدل الإصابة والاستجابة المناعية ومعدل الوفيات.

وتعني هذه النتائج أن التشخيص والعلاج وتحديد جرعات الأدوية لكل من الجنسين يمكن أن يتأثر بسبب هذا الاختلاف الفسيولوجي، الذي تم تجاهله لسنوات في البحوث التجريبية لقناعة عامة مصدرها خارج عالم العلم.

المراجع

– Paul Ansdell, Kevin Thomas, Kirsty M. Hicks, Sandra K. Hunter, Glyn Howatson, Stuart Goodall, (Edited by: Jeremy Ward) Physiological sex differences affect the integrative response to exercise: acute and chronic implications, 1 October 2020, – https://doi.org/10.1113/EP088548 –

https://physoc.onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1113/EP088548 – Sophia Zhuang, Men and Women are Physiologically Unequal: An Equal Research Emphasis, November 28, 2020 –

Men and Women are Physiologically Unequal: An Equal Research Emphasis

ممدوح الشيخ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى