زوايامختارات

قانون “باتي”.. أوروبا ترفع شعار: معا لمراقبة المسلمين ومساجدهم

في الوقت الذي يسعى فيه برلمانيون ألمان إلى توسيع نطاق صلاحيات سلطات “هيئة حماية الدستور” لتقنين ومراقبة إدارة المساجد التي تتلقى تحويلات مالية من الخارج، تمكّن مشروع قانون فرنسي لمجابهة ما يعتبره الرئيس إيمانويل ماكرون “الانعزالية الإسلامية” من حصد موافقة أولية للنواب الفرنسيين بأغلبية واسعة، وذلك على الرغم من التباينات الواسعة والجدل في أوساط جمعيات المسلمين أنفسهم بشأن القانون.. التطوران الأحدث بروزا على الساحة في بلدين أوروبيين كبيرين يضمان نحو 10 ملايين مسلم يعيد إلى بؤرة الاهتمام من جديد قضية المسلمين ومساجدهم ليس فقط داخل حدود البلدين، بل إلى أوسع من ذلك.

وفضلا عن التفاعلات الداخلية المرتبطة بوقوع هجمات ذات طابع إرهابي أقدم على تنفيذها مسلمون، فإن ثمة عوامل خارجية لا يمكن استبعادها، أبرزها ما يرتبط مثلا بالتباين الكبير بين أنقرة وباريس على مستوى ملفات إقليمية ودولية، خاصة أن عددا كبيرا من مسلمي أوروبا في ألمانيا وفرنسا من أصول تركية.

فاعليات يوم المسجد المفتوح في ألمانيا

وبنفس الانزعاج الكبير الذي مثله حادث ذبحه، فإن تداعيات مقتل المدرس الفرنسي صامويل باتي في أكتوبر الماضي، على خلفية عرضه صورا على تلاميذه اعتبرها المتهم بقتله “إساءة للنبي محمد”، لا تزال قائمة، إذ حمل مشروع القانون الذي أقره النواب الفرنسيون، مبدئيا، بغالبية واسعة في 16 فبراير الجاري، اسم “باتي”.

وقالت السلطات الفرنسية إن مشروع القانون يستهدف محاربة “الانعزالية” ومكافحة التطرف الإسلامي، وأيده 348 نائبا، بينما رفضه 151 آخرون، وامتنع 64 نائبا عن التصويت.

لكن عملية وصول مشروع القانون لمرحلة الموافقة الأولية لم تكن سهلة، وأثارت انقسامات وتباينات واسعة تضمنت إقرار 313 تعديلا على النص الذي “يعزز الرقابة على الجمعيات، وتمويل الأنشطة الدينية، أو نشر الكراهية عبر الإنترنت”.

ويضع قانون “صامويل باتي” عقوبة بالسجن تقدر بـ3 سنوات وغرامة مالية قدرها 45 ألف يورو على “كل شخص يعرض حياة شخص آخر للخطر عبر نشر معلومات مضللة ومضرة له”، بينما يُلزم نص آخر المؤسسات الدينية بالحصول على تصريح “إذا حصلت على تمويل خارجي أكثر من 10 آلاف يورو سنويا”.

وقال وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين: “نريد تشجيع الطوائف لعدم الاعتماد على (التمويل الأجنبي) بل على (المؤمنين المقيمين على التراب الوطني)”.

مسلمون في ألمانيا

مشروع القانون الفرنسي يسعى كذلك إلى “منع دخول أشخاص مصنفين كمتطرفين إلى أجهزة الدولة”، غير أن البند المتعلق بفرض ضوابط جديدة على “التعلم المنزلي” في فرنسا أثار جدلا، سواء بين جمعيات إسلامية أو داخل الجمعية الوطنية الفرنسية، فمن جهة أبدت جمعيات إسلامية قلقها من حدود تلك التدخلات وتأثيرها على تلقي التعاليم الدينية والمعتقدات على أبناء المسلمين، بينما اعتبر نواب أن القانون “قمعي” لأنه يحصر الترخيص للتعليم المنزلي في أسباب تتعلق بـ”الصحة، والإعاقة، والتنقل المتكرر”، ويهاجم نواب اليسار الفرنسي القانون باعتباره “يهمش المسلمين”.

في المقابل، فإن نواب اليمين المتطرف رفضوا مشروع القانون ولكن لأسباب أرجعوها إلى “ميوعة نصوصه” أمام ما يصفونه بأنه “التطرف الإسلامي”.

وفي انعكاس لطبيعة المخاوف الفرنسية من التدخلات التركية، فإن مرحلة مناقشة مشروع القانون مع جمعيات المسلمين في فرنسا، الشهر الماضي، شهدت طلب ماكرون من الجمعيات “وقف عمل 300 إمام أجنبي ينتمون إلى تركيا والمغرب والجزائر خلال أربعة أعوام”، مهددا بعقوبات ضد الجمعيات التي ترفض توقيع “ميثاق مبادئ” لإعادة تنظيم الديانة وفق المقترحات المطروحة من الدولة، ومن بين أبرز بنوده “رفض توظيف الإسلام لغايات سياسية”، وضرورة “عدم تدخل” دول أجنبية في شؤون الجالية، وكان في مقدمة الموافقين “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” بعد خلافات عاصفة في أوساطه، ورفضت ثلاث هيئات، من أصل تسع في المجلس الفرنسي، توقيع “ميثاق المبادئ”، وقالت إن بعض بنوده “تُضعف أواصر الثقة بين مسلمي فرنسا والأمة”.

التعليم مدخل مهم للاندماج في ألمانيا

على الأراضي الألمانية

بنبرة رسمية تبدو هادئة، مقارنة بالصخب الفرنسي، تسعى هيئة حماية الدستور الألمانية (الاستخبارات الداخلية) إلى “تعزيز دور الاتحادات الإسلامية والمساجد لمحاربة التطرف”، ويقول رئيس المكتب الإقليمي لحماية الدستور في ولاية تورينجن الألمانية، شتيفان كرامر، في تصريحات لصحيفة “راينيشه بوست” الألمانية، مطلع فبراير الجاري: “نتنصل من مسؤوليتنا كدولة ألمانية عندما نسمح لآخرين – مثل اتحاد (ديتيب) الإسلامي التركي (أكبر جمعية إسلامية في ألمانيا)، بتسديد تكاليف تدريب الأئمة وتطوير وإمداد الجاليات”.

وتتراوح التقديرات بشأن أعداد المسلمين في ألمانيا بين 3.8 و4.5 مليون نسمة، بينما يمثل المسلمون الأتراك غالبية المسلمين بينهم بنسبة أكبر من النصف أو نحو 2.5 مليون نسمة.

وبطريقة أخرى فإن سياسيين في حزب “الاتحاد المسيحي” (الشريك في الائتلاف الحاكم) يدعون إلى “عمل سجل للمساجد، والتصدي لأنشطة الإسلاميين في بلادهم، حتى لو أراد هؤلاء تحقيق أهدافهم بوسائل سياسية بلا عنف”.

ويحتاج هؤلاء السياسيون إلى دعم من نواب البرلمان الألماني لـ”توسيع نطاق صلاحيات سلطات هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية بألمانيا) بهدف مراقبة أي تأثير محتمل للجمعيات القائمة على إدارة المساجد عن طريق التحويلات المالية من الخارج”، ويقولون إن الأمر “لا يتعلق بمنع التمويل الأجنبي (للمساجد) بشكل تام، بل يستهدف الشفافية”.

يوم المسجد المفتوح في ألمانيا

وإذا كانت الأمور على المستوى الرسمي في ألمانيا تخضع لقنوات برلمانية ومناقشات سياسية تأخذ مساحة من النقاش وإبداء المعنيين لآرائهم، فإن واقعة لافتة حدثت الشهر الجاري، تدق ناقوس خطر كبير بشأن أسس التعايش في البلد الأوروبي الكبير، إذا اضطر السياسي المحافظ التوجه، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في البوندستاغ (البرلمان الألماني) نوربرت روتغن، إلى حذف تغريدة ضمت معلومات عن هوية 25 شخصا (يحملون منحا دراسية ممولة من الدولة) بينهم فتيات محجبات انخرطن معه في حوار افتراضي (تطرق لشؤون داخلية ألمانية)، بعد حملة كراهية موسعة ضدهم”.

وبينما أعرب النائب الألماني عن انزعاجه وعدم تصديقه لـ”مدى الكراهية ضد شباب بسبب معتقدهم الديني”، فإنه اعتبر أن المحادثات مع الطلبة “مثمرة للغاية”، وأنه  “يوصي كل شخص بتبادل الأفكار”.

ويرى الباحث في الشؤون الأوروبية بـ”مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية”، بهاء محمود، أن “التحركات الألمانية والفرنسية، سواء في صورة قوانين أو قرارات غير مؤثرة على دمج أو عدم المسلمين”، وأنها تستهدف بالدرجة الأولى “مكافحة التطرف، وتحديدا الذي يقدم عليه مسلمون”، مرجعا تلك المساعي إلى “تعرض هذه الدول الأوروبية لموجات كثيرة من (عمليات إرهابية) نفذها متسللون عبر الهجرة أو مندسون تم تجنيدهم، وبعضهم على علاقة بتركيا ومنظماتها أو (داعش) والقاعدة”.

ويقول “محمود” لـ”ذات مصر” إن تلك الإجراءات الفرنسية والألمانية “ستحد من تأثير أنقرة على الجمعيات الإسلامية، ولكن بنسبة بسيطة، خاصة أن تغيير طبيعة تلك العلاقة وتجفيف منابع التمويل سيحتاج إلى سنوات للكشف عن الخلايا المؤيدة لتركيا، أو المجندة لصالح (داعش)”، مضيفا أن “تركيا لها باع كبير في عمليات زرع المنظمات الإسلامية التي تدين لها بالولاء الديني، فضلا عن الجاليات ذات الأصول التركية”.

محمد إبراهيم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى