قانون تنظيم دار الإفتاء.. مَن المستفيد؟!

الشيخ/ أحمد بسيوني الأزهري

دار الإفتاء المصرية -كانت ولا تزال- إحدى المؤسسات الدينية العريقة التي تمثل حصنًا حصينًا وأمانًا فكريًّا للمجتمع المصري ضد دعاة التطرف والجمود. فمنذ نشأتها كمؤسسة إفتائية في عهد “الخديوي عباس حلمي الثاني” سنة (1313هـ – 1895م) وحتى اللحظة وهي تقدم أنموذجًا فريدًا للمنهج الأزهري المحافظ على الفهم السديد لنصوص الوحي الشريف، المراعي للمقاصد والغايات التي سعت إلى إقرارها الشريعة الإسلامية المطهرة.

ويجدر بنا قبل الخوض في غِمار موضوعنا أن نؤكد على نقطة جوهرية شديدة الأهمية وهي: أن المؤسسات الدينية المصرية بينها اتفاقٌ منهجي واتحادٌ فكري؛ حيث تنضوي جميعُها تحت عباءة المنهج الأزهري بأركانه الثلاثة (أشعرية الاعتقاد، ومذهبية الفقه، وصوفية السلوك). فالإمام الأكبر شيخ الأزهر وفضيلة المفتي كلاهما تخرج في الأزهر الشريف، وكذا وزير الأوقاف، وأغلب العاملين في المؤسسات الدينية، لكنّ هناك اختلافًا وظيفيًّا بين هذه المؤسسات لا يمكن إغفاله، ففي الوقت الذي ترعى فيه مؤسسة الأزهر الشريف شئون العلم والتعليم عبر الأروقة والمعاهد والجامعات، تختص دار الإفتاء بأمور الفتوى ومعالجة النوازل والمستجدات، وتقوم وزارة الأوقاف على أمور الدعوة والوعظ والإرشاد، ويناط بمشيخة الطرق الصوفية من خلال الطرق المسئولة عنها تصحيح السلوك، وتهذيب النفس، وغرس القيم، ونشر الفضائل؛ فهي روافد متعددة تصب جميعها في بحر الوسطية والاعتدال، وكلٌّ ميسر لما خلق له.

وقد قدمتُ بهذا لأننا فوجئنا عقب صدور القانون المُنظِّم لدار الإفتاء المصرية ببعض الاعتراضات الموجّهة للقانون الجديد، والتي تُصوّره على أن فيه افتئاتًا على المؤسسة الأزهرية، ومحاولةً للنيل من استقلالها من خلال فصل دار الإفتاء عن مشيخة الأزهر، وإخراجها عن تبعيتها المباشرة للإمام الأكبر شيخ الإسلام فضيلة الدكتور “أحمد الطيب”، حفظه الله، فأردت أن أستعرض مع حضراتكم بعض الحقائق التاريخية عن دار الإفتاء، وعلاقتها بمشيخة الأزهر الشريف، نثبت من خلالها بما لا يدع مجالًا للشك أن دار الإفتاء المصرية لم تكن يومًا تابعة إداريًّا لمشيخة الأزهر الشريف، فنقول:

أولًا: منصب الإفتاء ضارب بجذوره في أعماق التاريخ الإسلامي منذ عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين، فقد كان منوطًا بأهل العلم في كل زمان ومكان، ويتم بصورة طوعية مستقلة عن الدولة في بادئ الأمر، حتى كان أول ظهور لمنصب مفتي الديار المصرية في منتصف القرن الثامن الهجري في عصر دولة المماليك، واستمرت هذه الوظيفة نحو قرنين من الزمان يتناوب عليها فقهاء الشافعية، بينما تأخر ظهور منصب شيخ الأزهر الشريف حتى نهايات القرن الحادي عشر الهجري بتولية الشيخ الإمام العلامة المالكي “محمد الخراشي” بين عامي (1090 إلى 1101هـ) وهذا يعني أن وظيفة “المفتي” ظهرت قبل وظيفة “شيخ الأزهر” بنحو ثلاثة قرون من الزمان!

ثانيًا: في النشأة الحديثة لدار الإفتاء المصرية التي تولاها في أول الأمر الشيخُ الإمام “محمد عبده” كانت تتبع إداريًّا نظارةَ الحقَّانية (وزارة العدل حاليًّا)، وتحول المفتي -وقتئذٍ- لأول مرة من فرد وحيد إلى إدارة مصغرة ضمت إلى جانبه: أمينًا للفتوى، وكاتبًا، وعاملًا، وجاويشًا. وكان المفتي بدرجة (مدير عام)، وبعد فترة أصبح بدرجة وكيل وزارة، ثم بعد ثورة يوليو 1952 أصبح المفتي بدرجة (الفئة الممتازة).

الغريب أنه بعد مرور عدة سنوات، وتحديدًا في سنة 1975، حدثت واقعة تاريخية غريبة سجلها الأستاذ الدكتور “عماد هلال” في الجزء السادس من موسوعته الضخمة التي صدرت بعنوان: “الإفتاء المصري من الصحابي عقبة بن عامر إلى الدكتور شوقي علام” جاء فيها: “قرر السادات رفع درجة المفتي الشيخ محمد خاطر إلى درجة (وزير)، وهنا اعترض وزير العدل؛ لأن الوزارة سيصبح فيها وزيران، ورفع لرئيس الوزراء مذكرة أوضح فيها أن بالوزارة نحو ثلاثين مستشارًا كلهم على الفئة الممتازة سيطلبون المساواة بالمفتي، وأنه إذا كان لا بد من رفع المفتي إلى درجة وزير، فالأفضل أن تُحال دار الإفتاء إلى رئاسة الوزراء أو (الأزهر)؛ لأن علاقتها بوزارة العدل غير وثيقة، مجرد نظر بعض قضايا الإعدام بشكل استشاري. ولما لم يكن رئيس الوزراء راغبًا في ضمها لرئاسة الوزراء فقد قرر إحالتها إلى الأزهر. وبناء على ذلك؛ حرَّر وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء خطابًا إلى وزير المالية يُعْلِمه بموافقة رئيس مجلس الوزراء على النقل، ويكلفه بعمل الميزانية والإجراءات اللازمة. وبالفعل قام وزير المالية الدكتور محمود صلاح الدين حامد بعرض الأمر على شيخ الأزهر، الذي كان يُعامل هو الآخر معاملة وزير طبقًا لقانون إعادة تنظيم الأزهر الذي صدر به القرار الجمهوري رقم 250 لسنة 1975. 

ولكن شيخ الأزهر الإمام عبدالحليم محمود رفض، وكتب وزير المالية مذكرة في نوفمبر سنة 1976 يوضح فيها أسباب رفض الإمام قال فيها: “باستطلاع رأي فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر في شأن رفع الدرجة المالية لفضيلة مفتي الديار المصرية إلى درجة وزير مع إلحاقها بموازنة الأزهر؛ رفض سيادته هذا الاقتراح، مبديًا أن في ضم هذه الوظيفة إلى وظائف الأزهر إحداث ارتباك إداري وبلبلة فكرية وازدواج في الدرجات؛ لأن فضيلة شيخ الأزهر في درجة وزير وله سلطاتها، وإذا كانت هناك رغبة في دعم المناصب المالية بالأزهر فلتخصص درجة نائب رئيس وزراء لفضيلة الإمام الأكبر، ودرجة وزير لوكيل الأزهر، مع إبقاء وظيفة الإفتاء تابعة لوزارة العدل”. وبعرض تلك المذكرة على “ممدوح سالم” رئيس الوزراء أشَّر عليها بالموافقة، وبذلك بقي منصب مفتي الجمهورية تابعًا لوزارة العدل كما هو، واضطرت الحكومة إلى رفع الدرجة المالية لثلاثين مستشارًا بوزارة العدل إلى درجة وزير بمقتضى القانون رقم 17 لسنة 1976، ليتساووا مع المفتي”.

وهنا نلاحظ أن الدار لم تكن تابعة للأزهر، بل لمّا عُرض على المشيخة أن تُنقل تبعية الدار إليها رفض فضيلة الإمام شيخ الإسلام عبدالحليم محمود، رحمه الله، وقد كانت الفرصة سانحة لتكون تحت رعاية المشيخة، لكن رُفض الاقتراح لتبقى الدار تحت راية وزارة العدل حتى استقلت في ميزانيتها وهيكلتها الداخلية عن وزارة العدل سنة 2007 في عهد فضيلة المفتي الدكتور علي جمعة، حفظه الله، وبقيت تابعة “اسميًّا” فقط لوزارة العدل إلى أن نالت استقلالها نهائيًّا مع صدور القانون الحالي، وصارت تابعة لمجلس الوزراء مباشرة.

ثالثًا: بمراجعة القوانين التي صدرت في مصر لتطوير الأزهر الشريف وتنظيم هيئاته للكشف عن حقيقة تبعية دار الإفتاء لمشيخة الأزهر الشريف وجدنا الآتي:

  • صدر مرسوم بقانون رقم 26 في 26 مارس سنة 1936 بأمر من الملك “فؤاد الأول”، ولم ترد أي إشارة في هذا القانون للهيئات التابعة للأزهر الشريف بخلاف الكليات والمعاهد والأروقة والأوقاف القديمة.
  • في عهد الرئيس “جمال عبدالناصر” صدر القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، وهذه أول مرة تحدد فيها الهيئات التابعة للأزهر الشريف رسميًّا، ففي المادة (8) منه ورد الآتي: يشمل الأزهر الهيئات الآتية:

1- المجلس الأعلى للأزهر.

2- مجمع البحوث الإسلامية.

3- إدارة الثقافة والبعوث الإسلامية.

4- جامعة الأزهر.

5- المعاهد الأزهرية.

ولم يجر فيه ذكر دار الإفتاء المصرية كإحدى الهيئات التابعة للأزهر الشريف!

جـ- في عهد المجلس العسكري صدر القانون رقم 13 لسنة 2012 وهو عبارة عن تعديلات على القانون 103 لسنة 1961، ومنها تعديل على المادة (8) بإضافة “هيئة كبار العلماء” ضمن الهيئات والمؤسسات التابعة للأزهر، ولم تتعرض هذه التعديلات لذكر دار الإفتاء المصرية أيضًا.

د- في 26/1/2020 نوقش القانون الذي تقدم به النائب “برديس سيف الدين” وأكثر من عُشر أعضاء مجلس النواب لتعديل القانون السابق ذكره، والغرض من التعديل: “تيسير إنشاء أفرع لجامعة الأزهر وإنشاء كليات تابعة للجامعة من خلال إنشائها في المدن والمراكز والقرى، وعدم قصرها على عواصم المحافظات فقط”، ولم يتعرض فيه لذكر دار الإفتاء المصرية مطلقًا.

رابعًا: ومما يدلُّ أيضًا على استقلالية دار الإفتاء، قيام مشيخة الأزهر الشريف بإنشاء لجنة للفتوى في عهد الملك فاروق، والتي تتقاطع اختصاصاتها مع اختصاصات دار الإفتاء المصرية.

ومؤخرًا أنشأ الأزهر الشريف “مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية”، وفي تصريح له بعد إنشائه ذكر فضيلة الإمام الأكبر الشيخ “أحمد الطيب” أنه أُقيم: “ليكون أداة قوية لضبط الفتوى ونشر صحيح الدين، بما يُسهم في القضاء على فوضى الفتاوى، ورصد كل ما يثار من شبهات ومفاهيم مغلوطة لتصحيحها والرد عليها”، فلو كانت الدار تابعة للمشيخة لما كان لهاتين المؤسستين فائدة.

وفصل الخطاب في هذه المسألة أن فضيلة الإمام الشيخ “أحمد الطيب” قال نصًّا في مقطع مسجل على اليوتيوب منذ ثلاثة أعوام: “يا إخواننا، الأزهر فيه هيئتين اتنين إذا قال شيئًا نحن مسئولون عن هذا الكلام، مجمع البحوث الإسلامية أو هيئة كبار العلماء، غير هاتين الهيئتين نحن لسنا مسئولين عن أي [أحد]، وإن لبِس كما قلت قبل ذلك خمس عمامات فوق رأسه.. ونحن سنحدد هذا قانونًا.. ونحن لسنا [وأنا] المسئول الأول في الأزهر، أقول بملء فمي لسنا مسئولين عن كلام أي شخص يكون أزهريًّا، أو يلبس الزي الأزهري خارج دائرة مجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء، حتى الإفتاء الأزهر ليس مسئولًا عنها حين تفتي فالأزهر ليس مسئولًا عنها، فقاطعه المذيع بقوله: “هناك هيئة مستقلة بالإفتاء” فوافقه فضيلة الإمام، وكما يقول المثل السائر: “قطعت جَهيزة قول كل خطيب”.

ثم بالنظر في القانون محل الجدل الذي تقدم به للبرلمان المصري رئيس اللجنة الدينية فضيلة الأستاذ الدكتور “أسامة العبد”، وهو أحد أبناء الأزهر الشريف ورئيس جامعته الأسبق، وقام على مراجعته ومباركته ثلة عظيمة من أبناء الأزهر المحبين، وجدنا أنه قد حافظ على الاختصاصات الأصيلة لدار الإفتاء المصرية، والتي جاءت فيه كالتالي:

  1. إبداء الرأي الشرعي فيما يرد إليها من استفسارات.
  2. تقديم الاستشارات الشرعية في شأن المعاملات المالية المعاصرة، ومساعدة الأفراد والمؤسسات في كيفية حساب الزكاة وإعداد الوصية عن طريق الحساب الشرعي.
  3. إجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى والرد على الشبهات المثارة.
  4. تقديم الاستشارات في كل ما يتعلق بالمجال الأسري.
  5. تسوية المنازعات بين الأفراد التي تُعرض عليها.
  6. إبداء الرأي الشرعي في القضايا والمسائل الواردة إليها من المحاكم والنيابات، ومن الجهات والمؤسسات الحكومية.
  7. استطلاع أهلّة الأشهر العربية، وإصدار البيانات الشرعية بتحديد أول كل شهر عربي.
  8. حساب تحديد أوقات الصلوات في أنحاء الجمهورية، بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للمساحة.
  9. إعداد المفتين وتأهيلهم.
  10. ترجمة الفتاوى الشرعية إلى اللغات المختلفة ونشرها.
  11. إصدار النشرات والكتب والمجلات وأية إصدارات ذات الصلة بنشاط دار الإفتاء.

وكلها مهام أساسية لدار الإفتاء، فلم ينتزع القانون شيئًا من اختصاصات مشيخة الأزهر الشريف ويجعلها للدار كما يروج البعض، بل نصَّ فقط على وظائف الدار التي تقوم بها فعليًّا منذ نشأتها وحتى الآن، وعلى المتضرر من أبناء الأزهر الشريف، الذين لا نشك في غيرتهم وحبهم لهذا الكيان العظيم، اللجوء للمحكمة الدستورية العليا للفصل في صحة هذا القانون، وهذا هو الأليق في دولة القانون والمؤسسات، أما اللجوء للتشغيبات وإثارة الجماهير والرأي العام وتكدير المجتمع وإشاعة الفوضى فلا يليق بمن يرجون لبلادهم الأمن والاستقرار.

أخيرًا: وجوابًا على السؤال الذي افتتحنا به مقالنا، فإن المستفيد الأكبر من هذا القانون هم أفراد المجتمع عامة وأبناء الأزهر الشريف خاصة، فمن مصلحة المجتمع تدعيم الدولة لمؤسسة وطنية وسطية معتدلة كدار الإفتاء المصرية لتتمكن من القيام بدورها في تصحيح المفاهيم، وضبط الأفكار، ومحاربة التطرف، وبث روح التسامح والمحبة بين المسلمين وغيرهم من خلال الفتاوى المنضبطة التي تحافظ على أمن المجتمع وسلامته، أما أبناء الأزهر الشريف فيفخرون بوجود مثل هذه المؤسسة العريقة وكونها تابعة (منهجيًّا) لكعبة العلم العريقة التي ينتسبون إليها، مع إمكانية التحاقهم بمعهدها الذي يجمع في مواده بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية لكي يكونوا متأهلين لإجابة الناس عما يحتاجونه في أمور دينهم.

حفظ الله الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، من كل سوء ومكروه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search