قبُلات أكثر باتجاه الموت

الشعب يُنكر كورونا: إيطاليا إلى فقد السيطرة

لتصير واحدة من الدول العشر التي تشهد أكبر عدد إصابات بفيروس كورونا، كوفيد-19، عاودت إيطاليا التوجه نحو مؤشر الأرقام القياسية في احتساب إصابات ووفيات الفيروس التاجي مطلع الشهر الجاري، ما حدا بالحكومة الإيطالية التوجه نحو اتخاذ القرارات الأصعب لكبح تفشي الوباء، ومحاولة السيطرة على تفاقم الأعداد وخروج الوضع عن السيطرة.

وقد قررت الحكومة الإيطالية تمديد فرض القيود العامة على التحركات والتنقلات، وشددت من الإجراءات الاحترازية بفرض حظر تجول ليلي في عدد كبير من المناطق مع إغلاق المسارح وقاعات السينما والرياضة والأسواق والحد من ساعات عمل المطاعم، فضلاً عن إقرار عمل 75% من موظّفي الإدارات العامّة من منازلهم.

قائمة أكثر 10 دول في معدل الإصابات بالفيروس

وخلال الأيام القليلة الماضية، انتشرت مقاطع فيديو من داخل مستشفيات في نابولي الإيطالية، وتحديدًا في مستشفى كارداريلي، حيث افترش المرضى الأرض لعدم وجود أسرّة كافية لاستقبال مصابي فيروس كورونا، إذ تشهد المستشفيات الإيطالية ضغطًا كبيرًا مع زيادة أعداد المصابين بعد حالة من التراخي شهدها العالم لفترة وجيزة خلال الشهرين الماضيين.

وفي مشهد هو الأقرب للمشاهد المروعة التي انتشرت في ووهان الصينية -بؤرة الوباء- في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، ظهر مصاب بفيروس كورونا وهو ينهار فوق مرحاض، وآخر يحاول التسلل إلى الداخل حين كانت الأطقم الطبية تبحث عن نقّالة.

هل تفقد إيطاليا السيطرة على الوضع مجددًا؟

مع دخول إيطاليا المرحلة الرابعة لانتشار الوباء، والتي بدأت في سبتمبر/ أيلول الماضي، بحسب البروفيسور فؤاد عودة، المحاضر في جامعة روما ورئيس الرابطة الأوروبية الشرق أوسطية ورئيس نقابة الأطباء من أصل أجنبي في إيطاليا، ارتفعت أعداد الإصابات مجددًا لأسباب عديدة، منها عودة السياحة تدريجيًّا وبدء الدراسة وفتح الحدود دون مراقبة.

ووفقًا للإحصاءات الرسمية الصادرة يوم 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، قيّم عودة الوضع في إيطاليا بأن المنحنى مستقر في ما يتعلق بعدد المصابين، مرجعًا زيادة الأعداد المعلنة رسميًّا إلى زيادة عدد المسحات.

أما عن الفارق بين المرحلتين الأولى والرابعة، فقال: “في المرحلة الرابعة والحالية، تبلغ متوسط سن المصاب 40 عامًا، وتُجري السلطات عدد مسحات أكبر بكثير، وصلت إلى نحو 250 ألف مسحة يوميًّا، منها 14.6% تظهر نتائجها إيجابية، بعدما كانت تجرى من 17 إلى 18 ألف مسحة يوميًّا في المرحلة الأولى وترتفع نسبة المسحات الإيجابية منها إلى نحو 35%”.

“في المرحلة الحالية، يعالج نحو 95% من المصابين في البيوت، وتنخفض أعداد المصابين الموجودين في غرف الإنعاش والمستشفيات مقارنة بالمرحلة الأولى، فقد كان غالب المصابين من المسنّين من أصحاب الأمراض المزمنة، وحاليًّا غالب الإصابات في صفوف الشباب، وهم من ينقلون العدوى إلى الفئات الأخرى، خصوصًا في البيوت.. 70% من انتشار الوباء والعدوى في هذه المرحلة”، حسب عودة.

فؤاد عودة

وتابع: “أسهم تغيير البروتوكول العلاجي في السيطرة على تفاقم الوضع في المرحلة الحالية، فالبروتوكول العلاجي المتبع في البيوت أثبت فاعلية إيجابية، فالمصاب يحصل في أول 5 أيام على البروتوكول مع الفيتامينات والأسبرين وأدوية مضادة للتجلطات والالتهابات والمضادات الحيوية، مع عدم الذهاب للمستشفيات والمراكز الطبية إلا في حالة زيادة الأعراض وإجراء أشعة توضح تفاقم الوضع الصحي، حينها يحصل في المستشفى على بلازما الدم أو الأدوية المضادة للملاريا أو غيرها، ويتوقف تشخيص المصاب على حالته وسنّه والحساسية لديه من الأدوية والأمراض المزمنة عنده”.

وأشار رئيس نقابة الأطباء من أصل أجنبي في إيطاليا، إلى أن البروتوكول العلاجي المتبع في إيطاليا حاليًّا انتشر في 72 دولة مع الرابطة الطبية الأوروبية الشرق أوسطية ومع نقابة الأطباء من أصل أجنبي في إيطاليا.

أما عن الدرس الذي تعلمته إيطاليا من المرحلة الأولى لانتشار الوباء، فهو حسب عودة “عدم الذهاب بكثافة إلى المستشفيات التي كانت تستقبل مسنّين، وعدم التفريق بين المصابين وغير المصابين، والتركيز على المسنّين بالأساس وليس على جميع الفئات”.

اختبار كورونا في إيطاليا

ورأى عودة أن الخطأ الكبير الذي وقعت فيه أوروبا في المراحل الأولى للوباء، هو عدم التعاون بين وزارات الصحة، وعدم مراقبة الحدود، ما أدى إلى ارتفاع أعداد المصابين في المرحلة الرابعة، نتيجة توافد عدد كبير من العمال من رومانيا وبلغاريا وبنجلاديش، وعدم إجراء مسحات في المطار لهم في المرحلة الأولى.

ويتفاءل عودة بحصول العالم على اللقاحات المحتملة للفيروس بحلول مارس/ آذار أو إبريل/ نيسان المقبلين، لكنه أبدى تساؤلات متعلقة بـ”مدة الوقاية من اللقاح، وهل هو مفيد للفئات كافة أم لا، وهل اللقاح يدافع عن الإنسان بتكوين أجسام مضادة دائمة أم أنه يوقف انتشار الفيروس في الجسم فقط”.

لكن السؤال: لماذا يبدو الوضع خارج عن السيطرة في إيطاليا تحديدًا دون بقية الدول الأوروبية؟

للإجابة عن هذا السؤال، أوضح الدكتور إسلام عنان، المتخصص في اقتصاديات الدواء وعلم انتشار الأوبئة، أنه لا يمكن تقييم الوضع الوبائي في إيطاليا بمنأى عن طبيعة الشعب الإيطالي ونمط حياته العادي ومتوسط سن الشعب وسلوكياته.

وفسّر ذلك لـ”ذات مصر” بقوله: “أوروبا تختلف عن بقية العالم.. هي حقًّا قارة عجوز، متوسط السن فيها مرتفع مقارنة ببقية العالم”، وعلى وجه التحديد في إيطاليا، فقد قال إن متوسط السن في إيطاليا أكثر من 40 عامًا، عكس دولة مثل مصر، متوسط السن فيها نحو 29 عامًا.

الدكتور إسلام عنان

العامل الآخر الذي ألمح إليه خبير اقتصاديات الدواء وعلم الأوبئة، يرجع إلى عدم اقتناع الشعب الإيطالي بوجود وباء من الأساس، وتعامله مع الأمر بقدر من الاستخفاف، وهذا يرجع إلى نمط حياة الشعب الإيطالي عمومًا، فهم يتبادلون القبلات والأحضان بكثافة بخلاف بقية الشعوب الأوروبية، ويمثل لهم التواصل الجسدي عاملاً مهمًّا في العلاقات، فلا قبلة واحدة تكفي ولا قبلتين، بل ثلاث، على غرار الشعوب العربية ودول الشرق الأوسط.

وأرجع عنان تفشي الوباء في إيطاليا إلى عدم التزام الشعب بالإجراءات الاحترازية التي تفرضها الحكومة: “أظهرت الأبحاث والدراسات أن شعوب الدول الشمولية عمومًا تختلف استجابتها لتعليمات الوقاية والتباعد الاجتماعي عن نظرائهم في الدول الديمقراطية، فهم معارضون مسبقًا للقرارات والإجراءات ويتحايلون عليها”.

وقال إنه رغم جودة المنظومة الصحية في إيطاليا، وإمداد ألمانيا لها بأطقم ومعدات طبية حديثة، فإن كبار السن يمثلون الشريحة الكبرى في إصابات ووفيات الفيروس.

ويبلغ نحو 23% من سكان إيطالي سن 65 عامًا أو أكبر، بحسب أرقام البنك الدولي، في حين كشفت الموجة الأولى للفيروس في إيطاليا أن العديد من الوفيات فيها كانت بين الأشخاص في الشريحة العمرية من الثمانينات والتسعينات من العمر، وهم من السكان الأكثر عرضة للمضاعفات الشديدة، حسب منظمة الصحة العالمية.

بوصول إيطاليا إلى مرحلة الأمان الزائف وتراجع مؤشر الإصابات والوفيات نحو خانة الصفر، بحسب عنان، عاود الإيطاليون مجددًا رفض البقاء في البيوت أو اتباع الإجراءات الاحترازية، كما رفضوا فكرة وجود الفيروس من الأساس، وأوضح أن الوضع في إيطاليا يبدو خارج السيطرة لأن اقتصادها في المجمل أقل من اقتصاديات بقية دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى أنه لم يكن متوقعًا أن تكون الموجة الثانية للفيروس بنفس قوة الموجة الأولى.

التفسير الآخر لهذا الوضع، الذي ألمح إليه المتخصص في اقتصاديات الدواء وعلم انتشار الأوبئة، هو “تراجع أعداد الكادر الطبي في إيطاليا، بعد انحسار الموجة الأولى، نتيجة عزوف الكثير من الأطباء في إيطاليا عن تأدية مهامهم وتفضيلهم الحصول على معاش مبكر أو إجازة، ما خلف موجة تنمّر واسعة ضدهم”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ندى الخولي

صحفية مصرية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram