“قرآن المؤرخين” تشويه وتخريب

أ.د/ أسامة نبيل

المدير السابق لمرصد الأزهر

“قرآن المؤرخين” موسوعة صدرت عن دار النشر الفرنسية Cerf عام 2019 في أربعة مجلدات. اشترك في التأليف 28 باحثًا في مجال الدراسات الإسلامية والعربية من دول مختلفة. وأشرف على إخراج هذه الموسوعة محمد علي أمير المعزّي (من أصل شيعي إيراني) وجيوم داي، الأستاذ في جامعة بروكسل الحرة. وفي مقدمة الموسوعة تم التصريح عن الهدف من نشر هذا المؤلف وفقًا للمشرفين عليه:

“الهدف الرئيس إخراج نتائج بحوث قرنين من الزمان من الدوائر الأكاديمية العلمية، وتقديمها لجمهور غير متخصص”.

المجلد الأول: يقع في 1114 صفحة من القطع المتوسط. ويشتمل على ثلاثة أجزاء رئيسية يتفرع منها 30 موضوعًا.

الجزء الأول يتضمن السياقات التاريخية والجغرافية للقرآن الكريم وبدايات الإسلام. واشتمل هذا الجزء على أربع مشاركات لأربعة كتاب:

  • الجزيرة العربية قبل الإسلام.
  • العلاقات بين العرب والفرس.
  • حول ما نعرفه ولا نعرفه عن شخصية محمد التاريخية.
  • فتوحات كبيرة وميلاد إمبراطورية عربية.

الجزء الثاني يدرس القرآن باعتباره ملتقى للتقاليد، ونقطة التقاء العديد من الأديان المتأخرة. وتتضمن هذه الدراسة عشرة فصول:

  • اليهودية – المسيحية بكل طوائفها – المسيحية واليهودية – المانوية – تأثير المانوية على المصادر المسيحية السريانية – اليهود – الزرادشتية – الجديد في هذا الجزء – البيئة القانونية التي نشأ فيها القرآن.

الجزء الثالث تناول بالدراسة القرآن من خلال ستة فصول هي:

  • تاريخ دراسة المخطوطات القرآنية في الغرب.
  • مقاربة لعلم مخطوطات القرآن.
  • مقاربة كتابة الخطوط.
  • دراسة السياق وبنية القرآن.
  • قضايا تتعلق بتاريخ تقديسه (القرآن).
  • التصور الشيعي لتاريخ القرآن.

المجلد الثاني ويقع في جزأين:

يقع الجزء الأول من المجلد الثاني في 966 صفحة من القطع المتوسط، وتناول بالتعليق والتحليل النص القرآني من سورة الفاتحة حتى سورة الشعراء.

ويقع الجزء الثاني من المجلد الثاني في 2386 صفحة من القطع المتوسط، وتناول بالتعليق والتحليل النص القرآني من سورة النمل حتى سورة الناس.

المجلد الثالث: ويقع في 321 صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على قائمة مراجع كاملة للدراسات العلمية من مقالات وكتب فردية ومشتركة حول محتوى القرآن والشخصيات المذكورة فيه، منذ بداية البحث النقدي في القرن التاسع عشر حتى اليوم. ومن الملاحظ أن قائمة المراجع تخلو من المصادر العربية، بينما نجد مصادر شيعية وغربية فقط!!

منهج التعليق والتحليل

اعتمد المشاركون في التعليق والتحليل على المنهج التاريخي النقدي والفلسفي، والذي يهدف إلى تقديم تحليلات لنتائج بحوث علمية حول القرآن منذ بداية القرن التاسع عشر حتى الآن، بالإضافة إلى ما قدمه المشاركون في تأليف هذا المجلد من طرق بحثية جديدة.

“قرآن المؤرخين” وإحياء آراء المستشرقين المعادية للإسلام

  • في مقدمة الجزء الأول يؤكد “محمد علي أمير المعزي” و”جيوم داي” أن القرآن يظل في عيون المؤرخين “وثيقة غامضة”، لذا قررا عرض الدراسات الأوروبية حول القرآن التي صدرت منذ القرن التاسع عشر حتى تاريخه. وحسب قول المشرفين على هذا المؤلف فإن البحوث الموجودة في هذا الكتاب تُعد “ثورية وتثير نقاشًا شيقًا وممتعًا في الغالب، والذي يجهله العديد من غير المتخصصين”. كما يزعم المشرفون أن هذا الكتاب “حاول ملء هذه الفجوة، بمعنى أنه يتيح للجمهور على أوسع نطاق ممكن الاطلاع على تحليلات الدراسات السابقة ونتائج البحوث الحالية حول كتاب المسلمين المقدس”.
  • وبالنظر إلى العدد الغفير من المستشرقين المذكورين في هذه المقدمة والتي تمجد فيهم، وبالنظر إلى استبعاد العلماء العرب ممن قدموا أعمالًا علمية خدمت مجال الدراسات الإسلامية، لا سيما في مجال التفسير، فنرى في هذه المقدمة دعوة صريحة لإحياء آراء المستشرقين القدامى ممن قدموا دراسات حول القرآن والسنة خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين والحادي والعشرين، واستندوا فيها إلى النظرية النقدية التاريخية التي تقوم على احتمالات وافتراضات ترفض فيها اعتبار القرآن الكريم كتابًا سماويًّا بل كتابًا تاريخيًّا زعموا أنه من تأليف الرسول الكريم.
  • التركيز على عشرات الدراسات لنقاد مثل الحبر اليهودي أبراهام جيجر (1810-1874) الذي ينظر إلى أن القرآن قد أحدث قطيعة مع ديانات التوحيد السابقة، وجوستاف فايل (1808-1889) المستشرق الألماني اليهودي الذي قدم دراسة نقدية تاريخية عن تأثر القرآن باليهودية والمسيحية، وآخرين ممن حرصوا على التشكيك في القرآن الكريم والسنة النبوية، مثل: ويليام سان-كلير، وهنري لامون، وجوزيف سشاشت، وتيودور نولدك، وبول كازانوفا، وأرتور جيفرري.

صدى هذا المؤلف في فرنسا

رحب العلمانيون في فرنسا بهذا الإصدار، واعتبروه عملًا عملاقًا يرفض قدسية القرآن ويشكك في أنه وحي من السماء. ويأتي هذا الإصدار في إطار حملة مغرضة تحاول تمييز إسلام فرنسا عن الإسلام الذي عرفه المسلمون في بلاد الإسلام قديمًا وحديثًا، إلى درجة أن بعض المسلمين في فرنسا حديثي العهد بالإسلام أطلقوا على إسلام فرنسا: الإسلام التنويري والتقدمي!

لكن وفي ظلّ هذه الموجة العاتية التي تستهدف ثوابت الدين الإسلامي، يخرج إلينا مستشرق فرنسي لينقد محتوى هذا المؤلَّف ويبين الأهداف الحقيقية من إصداره. ففي مقال بعنوان: قرآن المؤرخين المزعوم، يرى شارل سان برو، مدير مرصد باريس للدراسات الجيوسياسية، في مقال تم نشره باللغة الفرنسية والعربية، أن هذا المؤلَّف “بمثابة توليف لدراسات غربية حول النصوص المقدسة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم”، وأنه من الظلم الادعاء بأن “النصوص المقدسة في الإسلام مستقاة من النصوص اليهودية والمسيحية”، وأن المشرفين على هذا الإصدار بذلوا قصارى جهدهم كي يبيّنوا أن العرب محوا المضمون الروحي وسيّسوه وعسكروه وحولوه إلى “إمبريالي”.

وأكد “شارل سان برو” أن “علي أمير المعزي” “نسي أو تجاهل” (…) أن اليهودية أو المسيحية ليسا أرفع منزلة من الإسلام، وأن الإسلام ليس دينًا جديدًا، وأنه لا ينبغي وضعه على طرف نقيض مع التوحيد. وفي هذا الشأن، أوضح “شارل سان برو” أن الإسلام “جاء بهدف الإصلاح، ووضع حد للانحرافات التي شوهت صورة التوحيد. فالإصلاح ليس خيارًا جديدًا، بل -على العكس- هو مبدأ موجود بوضوح تام في صلب الإسلام منذ البداية. لهذا السبب، تستكمل الرسالة القرآنية قضايا جاءت في التوراة”.

وردًّا على ادعاء “جيوم داي” الذي يزعم أن القرآن من البشر، صاغه على امتداد الزمن العديد من المؤلفين، قال “سان برو” إنه ادّعاء بلا برهان، وإنه استبعد المصادر الإسلامية الأولى للمسلمين، واستشهد بـ”جاك برك” برغم إلحاده إلا أنه قال: “إذا أردنا التطرق إلى الإسلام فينبغي ممارسة اللعبة والإقرار بعقائده”. ولم يكن “جاك برك” الوحيد الذي برهن بل أكد العديد من الباحثين مثل (مارسيل بوازار، جاك بيرك، مارتين سميث، دال ف. إيكلمان، ريشار لازاروس، ف. إي. بيترز، ريشارد بولييه، ريمون فاري…) على ترابط ووحدة القرآن، مستبعدين أي بناء هجين قام به بشر على مر التاريخ.

وبشأن ادّعاء “محمد أمير المعزي” أن القرآن لا يتيح معرفة حياة النبي، قال “شارل سان برو”: “الواقع أن القرآن ليس الإنجيل الذي يروي حياة المسيح، بل هو مجموعة من الأحكام الإلهية، والمبادئ الأخلاقية الشاملة، ولا يهدف القرآن إلى تقديم تفاصيل تاريخية، بل إلى التعرف على مشيئة الله بصورة أفضل. وبالتالي فإن الادعاء بأن القرآن لا يسلط الضوء على حياة النبي فيعني عدم فهمه (أي القرآن)، إذ إن ذلك ليس هدفه”.

وبشأن وصف المشاركين في كتاب “تاريخ المؤرخين” الإسلام بالجمود، أكد “شارل سان برو”: أن الإسلام هو بطبيعته إصلاحي، وأن الاجتهاد هو الذي يتيح اكتشاف حيوية الدين الإسلامي الخلاقة، من خلال التدليل على أن الإسلام يختزن إمكانية الإجابة على تحديات العالم المعاصر، بطريقة إيجابية وبناءة. ولأن الإسلام هو على وجه التحديد دين ودنيا، فإنه لا يمكن أن يكون جامدًا، لأن الدنيا بطبيعتها حيوية ومتطورة. ومن خلال الاجتهاد (…) يستطيع الإسلام إيجاد الحلول الملائمة للمواقف المستجدة، مع اتّباع السنة الشريفة، دون المزج بين التقاليد الفولكلورية والتقدم، ودون الخلط بين التفاعل الثقافي وفقدان الأصالة.

وبشأن مصادر كتاب “قرآن المؤرخين” قال “شارل سان برو”: لقد استند الشيعي الإيراني محمد أمير المعزي، المشرف على النشر، إلى المصادر الشيعية التي اعتمد عليها المؤلفون لفهم صياغة النصوص القرآنية. وقد صرح علنًا بأن “الفتوحات العربية والخلفاء الأوائل أخضعوا القرآن لصياغة جديدة سياسية-دينية”. وتبين لنا أن هذا الكتاب هو عمل أيديولوجي (…) من منظور فارسي.

وفي ختام مقاله، أكد “شارل سان برو” أن قرآنهم ليس القرآن الحقيقي، بل هو قرآن مجموعة مؤدلجة، وفي المقام الأول الأيديولوجيا المعادية للعرب التي يحتضنها الفرس الذين لم ينسوا انتصارات العرب في القادسية عام 835، ونهاوند “معركة المعارك” عام 641.

وختامًا، نرى أن هذه الموسوعة التي ضمت العديد من الأبحاث التي تعبر فقط عن آراء وانتماءات أصحابها، والتي تنزع القدسية عن القرآن الكريم بلا سند حقيقي أو برهان دامغ؛ إنما هي فرصة لعلماء الإسلام لإعداد رد على هذه الادعاءات الباطلة، والتي من شأنها تشويه الدين الإسلامي وتخريب عقول المسلمين.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram