وجهات نظر

قراءات منتهية الصلاحية

محمد السيد الطناوي

المشكلة ليست في العزوف عن القراءة بقدر ما هي في تبلد الفكر وضعف الخيال وكتابة المكتوب وتكلُّس اللغة وقمع الاختلاف وغياب نص يستحق القراءة، ذلك الذي وصفه كافكا بأنه “يخلف فيك جراحا وطعنات”، لتكون نصيحته “لا تكلف نفسك عناء قراءة كتب لا تشعر حين تستيقظ بعد قراءتها برأسك كمن مرّ لتوه بانفجار.. يجب أن يكون الكتاب فأسا للبحر المتجمد فينا”.

يُمسي فعل القراءة سُخفا عندما تأتي اللغة تكريسا للتقليد وترسيخا للأيديولوجية وتسجيلا للمواقف واجترارا للمكتوب وتوضيحا للواضح وشرحا للمشروح، هذه الصورة تستدعي حديثا للجابري حول انتصار العقل البياني، المعنيّ باللغة والمؤسّس على نظام الخطاب والمستند إلى أطروحة سيميائية تربط المنظومة اللغوية بتصور أهلها عن العالم، وهو في حالنا تصور “لا يستطيع ولا يقبل ممارسة أي نشاط إلا على قاعدة أصل مُعطى (نص)”، لندور في دائرة مغلقة من المعاني والألفاظ لا تقتصر على تيار دون آخر، ولا تختص بأيديولوجية دون غيرها.

وفي الزمن القديم، رصد أفلاطون تلك العلاقة بين اللغة والعقل أو الفكر (ربط اليونانيون القدامى اللغة بالفكر ـ لا العقل ـ كمنطق وقواعد)، فأشار إلى أن هناك لغة داخلية غير منطوقة مطابقة للفكر، وهي ممثِّلة للحقائق المستقرة في الذهن، وهناك لغة خارجية منطوقة هدفها حجب الحقيقة، وهي لغة الخطابة، اللغة التي انتصرت في ثقافتنا على العقل، وكانت المناظرة الشهيرة بين النحوي أبي سعيد السيرافي والفيلسوف المنطقي متى بن يونس رمزًا لهذا النصر، حسبما ذهب الجابري.

جرت المناظرة بتحريض من الوزير ابن الفرات (326 هـ) على متى بن يونس، حمايةً وصونا للدين، بعد زعم الأخير أنه “لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحُجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق، وسلكانه من القيام به..”، فكلف الوزير السيرافي بالتصدي لدعوى المنطقي الشهير.

لم يستهدف السيرافي، صاحب البيان والمنتصر في المناظرة، الحقيقة، حيث انحصر سعيه في إفحام مناظره وتسفيه رأيه، فحوى كلامه عبارات مثل: “هذا من الجهل المبين والحكم المشين..”، مخاطبا “متّى” كتلميذ في حاجة إلى الدرس، موجها اتهاما لأهل المنطق والفلسفة في زمانه: “إن بودّكم أن تشغلوا جاهلا وتستذلوا عزيزا”، معتمدا في الحوار على المغالطة والمماحكة، مبتعدا عن الروح العلمية.

وتمثَّل السيرافي في حواره بذلك “خطاب الانتصار”، وفق مفهوم رولان بارت، وهو خطاب غطرسة وكبرياء وتعالٍ، صفات ترتبط بكل خطاب يدّعي حيازة الحقيقة، ليتطور فيستحيل إلى “خطاب انتشار” بعد هيمنته هيمنة تامة على العقل العربي، فهو خطاب الدوكسا أو بادئ الرأي، حينما أمسى “أرضية عامة فُرشت بمباركة السُّلطة”، فلا يعود بعدها معنيا بتأكيد انتصاره بعدما انتشر وشاع وتوغل وصار رأيا عاما وإجماعا، وأضحت هيمنته هيمنة عفوية و”طبيعية”.

خطاب السيرافي “المنتشر” انتصر للنظام البياني على نظام العقل، ليهيمن اللفظ على المعنى، وتصبح عملية تشكيل الأفكار هي “عملية مقايسة ومقاربة لا جمع وتأليف”، فالقائس “لا يبتدع بل يمدد حكم الأصل إلى الفرع”، نُمسي أمام نظام للحقيقة يخاصم الإبداع ويشجع على النقل ويأنس للتكرار ويروج للاعتيادي، يستوي في ذلك أصحابه المعتقدون في أن الحقيقة تأتي من خارج هذا العالم، وأنهم وحدهم المطّلعون عليها، المتحدثون باسمها، وأصحابه المعتنقون لأيديولوجيات وطنية وقومية وأممية، بعدما صارت هيمنة الخطاب هيمنة عفوية و”طبيعية”.

وفق هذا الشكل من الخطاب يضطلع المثقف بمهام “هداية الناس للصراط المستقيم” و”نشر الوعي” و”التنوير” و”محاربة الأوهام والخرافات” و”التصدي للتغريب”.. انطلاقا من أن الحقيقة بينة لا مراء فيها، لتتوارى تلك الفكرة، التي أضاءت العقل الغربي، أن تاريخ الحقيقة هو تاريخ الخطأ، من ثمّ فالحقيقة بعيدة تماما عن أي تصورات طهرانية، عندما اكتشف الإنسان أنها “منسوجة على أرضية من الخطأ”.

وإذا كان ثمة فرصة لتجاوز هذا الخطاب، فعلى المثقف أن يتجه باحثا في “كيف تولدت مفعولات الخطاب”، ليعمل على تغيير نظام إنتاج الحقيقة، وذلك بعد تخليه عن دور المُنظِّر الأيديولوجي وداعية التنوير والهادي إلى الحق، مُكرسًا جهده لتجاوز الخطاب المهيمن، خطاب هو سبب العزوف عن القراءة، لأن لا أحد يمكن أن يتحمس لقراءات منتهية الصلاحية.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى