قراءة في رواية “متحف البراءة” لأورهان باموق 2-2

علاء خالد

كاتب وروائي مصري

أبدأ المقال الثاني، والأخير، عن رواية “متحف البراءة” لأورهان باموق، بالتساؤل هل كانت الرواية حقًا تقوم على العشق. هذا “المتحف” الذي تم تجميع الكثير من مقتنياته بواسطة السرقات البريئة، التي كان يقوم بها “كمال” في بيت عائلة “فسون”، التي ترتبط  باستعمالاتها اليومية، واستعمالات البيت. ولكنها في النهاية سرقات بريئة كونها كانت من أجل الحب.

رواية عن العشق؟

هناك تفسير آخر لمفهوم “المتحف” في الرواية، غير التباهي أو تخليد الحب، ربما يكون تخليدًا للموت، والأشياء المفقودة، ولنهاية نموذج رومانسي من الحياة. هناك رغبة في تحويل “فسون” إلى وثن حي، يجمع بين العالمين، القديم والحديث، لذا مصيره هو الموت، لتناقض العالمين، وصعوبة اجتماعهما في شخص، ولابد من أن أحدهما يقضي على الآخر.

فالموت سابق على الحب، وتسير الرواية ناحيته بقوة. فالتمثال الذي بناه “كمال” لـ”فسون”، هو تخليد لبطولة تجسدت فيها. فهي هنا رمز/أضحية لعالم استهلاكي قاس. وربما ضمن هذا التفسير يمكن رؤية “المتحف” كمقبرة للموت وليست للحياة.

***

يتحول حب “كمال” لـ”فسون” لشكل استهلاكي، عبر رغبته في تكديس الأشياء المادية التي تخصها وتحوطها، حتى الذكريات، لتعكس بدورها وهج الحب الغائب،  فهذه الأشياء هي التي ستعوضه عن غيابها، وهي صورتها الجديدة، أثناء حياتها، أو بعد موتها.

وفي الحالتين هي غائبة. كأن  جزءاً من روحها انتقل للمادة، وتشيأ، وأصبح مثل التمثال.

ربما، في الرواية، تصبح  “فسون” “الأضحية البريئة” لعالم استهلاكي حديث، ويتعامل معها “كمال” بنفس قسوة النمط الاستهلاكي، في تكديس للأشياء والسلع، حتى هي تتعامل مع نفسها وسط هذ العالم الجديد بنفس الطريقة، فلم تعد ترى نفسها إلا نجمة سينمائية لم تتحقق، وتُصاب بخيبة أمل قبل موتها.  ربما “فسون” أيقونة موت الحب، وليس الحب.

***

هناك “توثين” متعمد في الرواية، فكل ما يحوط بـ”فسون” يصبح مقدسًا، ويضاف لمتحف البراءة، حتى بيتها، أو قبرها الرمزي، الذي حوله “كمال” إلى متحف بعد موتها، وكان يذهب للنوم فيه، كـ”ميت محتمل”.

إذن “كمال” أيضًا وهو زال حيًا، تحول إلى أيقونة أو أضحية لشيء كبير مات، لتركيا الماضي والذكريات، للحب المستحيل. حتى عندما تراه خطيبته القديمة “سيبل”، بعد عقود من لقائهما الأول، وهي التي تزوجت من صديقه وأنجبت، لم تعرفه بسبب التغيرات التي طرأت على وجهه وجسمه. بينما هو عندما راى ابنتها أعتقد أنها هي “سيبل” خطيبته القديمة، فلم يعد ينظر إلا في صورة الماضي.  

تعدد الرواة والمتحف

هناك لعبة بريئة أيضًا في الرواية، هناك أكثر من راوٍ، هناك “كمال” الراوي الأصلي، ثم الراوي الثاني وهو هنا الروائي أورهان باموق، أحد أبطال الرواية، الذي يقابله الراوي الأصلي داخل الرواية ويحكي له حكايته ويقوم بكتابتها، ثم هناك أورهان باموق المؤلف، الذي يأتي من خارج الرواية، ويكتب اسمه على غلافها، ويجمع حكاية الاثنين معًا في الرواية.

***

داخل الرواية يحضر أورهان باموق بشحمه ولحمه كأحد أبطالها الصامتين، يظهر في البداية في حفل خطوبة “كمال” (الرواي الأصلي)، ثم يختفي طوال زمن الرواية، ليعاود الظهور في النهاية لكي يتسلم حكاية الراوي.

طوال زمن الاختفاء هو موجود بشكل غير مرئي داخل الرواية، لا يتداخل في الأحداث، وله زمن خارج زمن الراوي. لأن القاريء يعرف بأنه أورهان باموق الذي كتب الرواية، فالخدعة تُحاك على أبطال الرواية وليس على القارئ، الذي يتبادل معه باموق العلامات.

ربما هو الإله، تبعًا لمصطلح “الراوي العليم”، ولكنه الإله بعد أن تمر الحكاية. إله بأثر رجعي، فلم يعاود الظهور، بالرغم من توقعنا كقراء، إلا قرب النهاية، ليعيد كتابة الماضي بصيغة الحاضر، ويحقق رغبة الراوي في خلود حكايته.

ربما الرواية بطبيعتها عبارة عن زمن داخلي منقسم، لداخل وخارج، أو أن الروائي باموق، داخل الرواية، ما هو الا اختراع متخيل، أو بطل من أبطالها، حتى ولو تطابق في كل شيء مع باموق الذي نعرفه. اختراع يجعلنا مشدودين دوما لنرى باموق الذي نعرفه، ونتوقع منه كتابة رواية.

وبسبب هذه المسافات التي يضعها بين المتشابهين، ينقد الراوي الأصلي بعض روايات باموق التي قرأها، وهنا نتيقن بأنهما اثنان،وليس واحدًا، وأن باموق يرغب في إزاحة نفسه، لكي لا يتماهى مع الراوي الأصلي في مخيلتنا، ويقترب من حقيقته، وأيضًا ليكون طرفًا محايدًا يستحق أن يروي الحكاية.

***

يظهر الروائي أورهان باموق في بداية الرواية في خطوبة الراوي على “سابينا” كابن لإحدى العائلات المشهورة في إسطنبول، التي تأثر وضعها المالي بالتغيرات وقتها. 

ثم يظهر بعدها عندما يبحث “كمال” عمن يكتب حكايته على لسانه، فيقع الاختيار عليه ليكتب حكايته وحكاية المتحف معًا. في هذه المقابلة يقترح باموق على “كمال” أن يكتب الرواية بصيغة ضمير المتكلم المفرد، أي أن يقوم المؤلف، باموق، أو الراوي الثاني، باستعارة صوت الراوي، يدخل فيه.

وهل الرواية شيء آخر غير استعارة صوت آخر كأنه “أنا”؟ الرواية لعبة استعارة، نظرية، حول ضمائر المتكلم، والغائب وتداخلهما. بعدها يبدأ باموق، بتقصي وملء فراغات الحكاية الأصلية التي لا يعرفها الراوي نفسه، فـ”كمال” الراوي الأصلي، بنى حكايته وبها أحداث ناقصة، وهو يعترف بهذا، فقد كان من الصعب من مكانه في الرواية، ووقوعه تحت أسر العشق، أن يراها.

يبدا أورهان باموق الكتابة من النهاية، بعد أن يسلم “كمال” له ناصية الكلام أو راية حكايته، عندها يبدأ المؤلف الحكي بهذه الطريقة التقريرية كأنه يقول شهادته أمام التاريخ: “أنا أورهان باموق، ……. إلى آخره”.

عندما يبدأ الكتابة تكون الرواية التي نقرأها في نهايتها، كأنه كتبها بأثر رجعي بدون أن نشعر مما يعني بأنه كان حاضرًا معنا لكل الأحداث ويقرأها معنا ويحللها معنا كقراء.

وأثناء هذا الحضور تسلل إلى خيال المؤلف الحقيقي خارج الرواية، وتحالف معه. مما يعني أن لحظة تسليم راية الرواية للراوي الثاني كانت في الماضي،  والرواية كلها، التي قرأناها، هي المستقبل، لهذا اللقاء الذي وقع في الماضي. يتبادل المؤلف والراوي الأزمنة، كل منهم يسلم زمنه، ليس هذا فقط، ولكن نتاج هذا الاجتماع بينهما يؤدي للتغيير في فهم الزمن نفسه.

 ***

كل شيء مضاعف داخل الرواية، فالرواية مجموعة من التقابلات الثنائية، كل ما هو داخل الرواية له مثيل خارجها، المتحف المتخيل داخل الرواية له وجود حقيقي خارجها، كانقلاب على المتحف داخلها، وعلى رمزية الرواية نفسها.

وأورهان باموق أحد ابطال الرواية، له نظير خارجها، هذا التعاكس في المرآة كأن الرواية تنظر لنفسها خارجها في الحياة، أو الحياة أو أسطنبول دخلا الرواية عبر هذه الثنائيات، لأنها الخارج الأكثر صلابة وديمومة.

يظهر المؤلف أو الراوي الحقيقي في الفصل الأخير للرواية التي نقرأها، وهو الذي أقام المتحف، والذي مزج الحقيقة والخيال. حاضر أورهان باموق أيضًا، ولكنه ليس المؤلف الذي هو أحد أبطال الرواية الذي يكتب حكاية الراوي، ولكنه مؤلف آخر برغم تطابق الاسم، أتي من خارج زمن الرواية، وكتب اسمه على غلافها، ويجمع بين شخصيتي كمال وأورهان باموق معًا داخله.

فالراوي والمؤلف الحقيقي هنا يقتسمان نفسًا واحدة. هنا يصبح جسم الرواية نفسه هو الحقيقة المادية الوحيدة التي نمتلكها من هذا الماضي، وحوله ثلاث رواة، وربما المتحف أيضًا هو الجسم المادي من الماضي الغائب، بتعدد الرواة من حوله. أي الرواية هي النموذج المقروء للمتحف.

 ***

يكشف باموق الحقيقي، في هذا الفصل الشارح، عن مصادر روايته ومصادر أبطالها. ويشرح كيف كتب روايته كمزج بين حياة حقيقية ومتخيلة، وعن ما يجمعه بـ”كمال” الراوي ويفصله عنه، ويحاول الإجابة عن السؤال التقليدي الذي كان يوجه له: هل أنت “كمال”؟

وهنا يقوم بتأكيد ذلك جزئيًا، بفضح علاقته بـ”كمال”، فمن أجل إزالة اللبس يمتاهى مع بطله، لأنهما هما الاثنان منبوذان من طبقتيهما، باختلاف الأسباب، فالنبذ سبب التماهي الأهم بين المؤلف والراوي أو الرواة المتعددين.

 ***

هنا الرواية تحتوي على أكثر من زمن وأكثر من زاوية لتناولها، وأكثر من راوٍ، كالمتحف تمامًا الذي تجتمع فيه كل الازمنة في حاضر أبدي وخالد، بين جدرانه.  ولكن الرواية هي الجدران التي تحوي تاريخ المتحف، وما يقف وراءه. علاقة بين المكان والزمان، الماضي والمستقبل، داخل رمزية “المتحف”.

 ***

ربما تعدد الرواة له تفسير آخر غير أنه كسر لأحادية الراوي، لأن العمل يدور على رواية سيرة متحف، الذي يعتبر جزءًا من الذاكرة الجمعية، فتعدد الرواة يقابل هذه الذاكرة الجمعية التي يمثلها المتحف/ الرواية/ الماضي.

هنا صيغة جديدة في شكل تعدد الرواة، ليس فقط للإحاطة بنسبية وجوانب العمل من كل الزوايا، بل أيضًا المحافظة على التاريخ وتعدد الأزمنة والأصوات المتعددة التي تتحدث باسمه، فلا يمكن أن يتحدث الفرد وحده، عن التاريخ، بل الفرد في صورة متعددة، وهذه هي إحدى استعارات الرواية، فهي ليست عملًا فرديًا وإن قام بها وكتبها فرد.

موت الراوي وبداية الرواية     

هذا التداخل بين الراوي والمؤلف، كأن المؤلف يتسلم عطية أو وحيًا، من الراوي، والاثنان يجمعهما سلسلة تاريخية داخل هذه الحكاية. بمجرد موت الراوي الأصلي، كمال، وبعد أن يحضر باموق الرواي جنازته، يشعر بمسئوليته وينهض ليكمل الدور وينهي الرواية.

لا يظهر “المؤلف” بقوة إلا بعد موت الراوي، يخرج عن صمته، ويبدأ في سرد حكاية سلفه. ربما رغبته في إكمال دوره سريعًا، بسبب الخوف من موته الشخصي، فالراوي بلا شك جزء من المؤلف، داخل الرواية.

استمرار صوت الراوي الأصلي وحكايته التي تمر عبر صوت المؤلف، عبارة عن وصل للتاريخ، بدون انقطاعات، فالحكاية ممتدة، والحكاية/ الرواية، كنص جاءت لملء فراغات التاريخ وانقطاعاته. الحكاية ضد الانقطاع ولكنها أيضًا مع تعدد الرواة حتى ولو احتلوا نفسًا واحدة أو صوتًا مفردًا.

***

هذا الحلول/ التقمص لروح الراوي داخل روح المؤلف، ربما هي إحدى الرمزيات المختفية والتي تبحث عنها رواية “متحف البراءة”. فالمتحف هو متحف النفس المنقسمة، أو تركيا المنقسمة، الذي يضم تلك الأشياء التي تؤرخ لعصر قلق يتأرجح فيه كل شيء، متحف لكل ما هو على وشك الزوال، متحف للأشياء الزائلة.

وكما مات الراوي وترك المؤلف ليحكي حكايته، سيكون المتحف هو الراوي الجديد، بعد أن يموت المؤلف نفسه، تناسل عبر النصوص، وعبر الأمكنة الحقيقة والمجازية، وتوالدهما من بعضهما، بل وخلودهما ضد الموت والزوال. بينما تُخلد الرواية الموت، أو الغياب، تنشط أيضًا ضد الزوال، سواء للحب أو للماضي. تجتمع، وبقوة، حاستا الحياة والموت معًا.

* "متحف البراءة" أورهان باموق، ترجمة عبد القدر عبد اللي، دار الشروق، الطبعة العربية الأولى 2016.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram