قراءة في شرائط "الجونة"

حضور لـ"أحمد مالك" واللاجئين وقصص الحب

بعد توقف قرابة 7 أشهر منذ آخر مهرجان سينمائي أقيم في مصر: مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، يفتتح مهرجان الجونة السينمائي دورته الرابعة، ما يمنح بعض الأمل لصناع وعشاق السينما في عودة الحياة لطبيعتها تدريجيًا في ما يخص صناعة الفيلم.

وسط أجواء كورونا، أقيم حفل الافتتاح فيما بدأت أمس وأول من أمس العروض الجماهيرية والندوات. في السطور التالية نستعرض محطات أولى أيام “الجونة”.  

مشهد من فيلم الرجل الذي باع ظهره
الرجل الذي باع ظهره

عرض المهرجان في الافتتاح فيلم “الرجل الذي باع ظهره” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، والذي يشارك أيضًا في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة. للمرة الثانية يفتتح المهرجان دورته بفيلم عربي، البداية كانت مع الفيلم المصري “شيخ جاكسون” لعمرو سلامة في افتتاح الدورة الأولى.

الفيلم مبني على فكرة شديدة الجاذبية:  لاجئ سوري يوافق على بيع ظهره لأحد الفنانين، ليستخدم الأخير ظهر الشاب السوري ويرسم عليه فيتحول الشاب نفسه إلى قطعة فنية داخل المعرض، ويجد نفسه مخيرًا بين قرارات جميعها مر.

الفيلم الذي سبق وشارك في مهرجان الجونة منذ عامين، كأحد المشاريع التي تتنافس لتحصل على الدعم، يطرح الكثير من الأسئلة التي تمنح الفيلم عمقًا خاصًا. واحدة من الأفكار التي يناقشها الفيلم، هي قيمة الإنسان نفسه، فهذا الشخص الهارب من وطنه بسبب الحرب، تصبح قيمته ملايين الدولارات لمجرد وجود لوحة لفنان مشهور على ظهره، وعندما أصبح ظهره يساوي الملايين، تحولت إنسانيته إلى صفر.

في الوقت نفسه يطرح الفيلم زاوية مختلفة في تناول قضايا اللاجئين، إذ أن “سام”، الشخصية الرئيسية هو لاجئ لا يستطيع دخول دول الاتحاد الأوروبي إلا بأوراق يصعب الحصول عليها، في وقت، تحول ظهره إلى تأشيرة تمنحه حرية التنقل إلى أي دولة يشاء.

على الجانب الآخر يمكن القول بأن ثراء الفيلم بهذا الكم من الأفكار، ربما كان نقطة ضعف أيضًا، إذ انشغلت المخرجة بطرح أسئلة كثيرة، بشكل أفقد الفيلم تركيزه الدرامي في الثلث الأخير.

أحمد مالك في فيلم أسترالي
أحمد مالك في "حارس الذهب"

من الأفلام الأخرى المشاركة في المسابقة، فيلم “حارس الذهب” (The Furnace) للمخرج الأسترالي رودريك مكاي، وبطولة أحمد مالك في أولى بطولاته خارج مصر.

الفيلم الذي عُرضَ لأول مرة في مسابقة آفاق في مهرجان فينيسيا، تدور أحداثه في أستراليا في نهاية القرن التاسع عشر، أثناء انتشار رعاة البقر والباحثين عن الذهب، ويلعب مالك دور راعي جِمال أفغاني يضطر لمساعدة أحد اللصوص على الوصول إلى فرن لإذابة الذهب المسروق.

الفيلم يحتوي على الكثير من عناصر التشويق التي يبحث عنها محبو نوعية أفلام رعاة البقر، فهناك لصوص مطلوبون للعدالة وضابط شديد القسوة ورحلة شاقة في قلب الصحراء.

المختلف في الفيلم هو مكان الأحداث وجنسية الشخصيات. في الوقت نفسه يُعاب على الفيلم طول مدته، خاصة في ثلثه الثاني الذي كان ذا إيقاع بطيء ، مع تكرار التركيز على الصراع النفسي داخل الشخصية الرئيسية من دون تقديم جديد.

المستفيد الأكبر من الفيلم هو أحمد مالك بالتأكيد، الذي قدم دورًا صعبًا، لشخصية أغلب انفعالاتها داخلية، شخصية تتخذ طوال الوقت قرارت صعبة ضد مبادئها، بل وضد مبادئ أقرب الناس إليها.

ليس من السهل أن يبدأ ممثل شاب مسيرته في السينما الأجنبية بفيلم ذي إنتاج كبير ويلعب فيه دور البطولة، لكن مالك استغل الفرصة بشكل جيد جدًا.

مشهد من فيلم Delete History
التاريخ الذي لا يُمحى

من الأفلام الأخرى المهمة التي عرضت في ثاني أيام المهرجان، الفيلم الفرنسي “Delete History” (امح التاريخ) من إخراج جوستاف كيرفيرن وبينوا ديليبين، والمعروض في الاختيار الرسمي خارج المسابقة، والإيطالي “Bad Tales” (حكايات سيئة) إخراج داميانو وفابيو دينوسينزو المعروض في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، وكلاهما شهد عرضه العالمي الأول في مسابقة مهرجان برلين في فبراير الماضي.

ورغم اختلاف طبيعة الفيلمين، فإنه يمكن مشاهدة خيط رفيع يربط بينهما، إذ يقدم كلا الشريطين شخصيات عادية أو أقل من عادية، تتصرف بنوع من الغباء سواء مع المجتمع أو مع عائلاتهم.

يعالج “امحُ التاريخ” سيطرة التكنولوجيا على أغلب تفاصيل الحياة حاليًا، ما يجعل شخصيات الفيلم تتخبط في المشكلات طوال الوقت بسبب الرسائل الإلكترونية ومقاطع الفيديو وحتى منصات العرض.

اعتمد الفيلم على الكوميديا شديدة الطرافة والذكاء في تقديم هذه المشكلات، فلا يمكن لأي مشاهد ألا يرى نفسه في واحدة من شخصيات الفيلم، الذي  يدفعنا للإشفاق عليها رغم ما فيها من محدودية وانعدام للتفكير المنطقي.

مشهد من فيلم حكايات سيئة
حكايات سوداوية

بينما يعتمد “حكايات سيئة” على قالب سوداوي، وتدور أحداثه داخل إحدى التجمعات السكنية الصغيرة، إذ نتابع عدة أسر يبدو في البداية أنها عادية تحيا حياة تقليدية، لكن عندما نقترب منها أكثر نكتشف الكثير من المشكلات، خاصة بين الآباء وأبنائهم الذين تتراوح مراحلهم العمرية من الطفولة إلى المراهقة.

مرة أخرى نشاهد شخصيات محدودة الذكاء ولكن ليس في التعامل مع التكنولوجيا هذه المرة بل مع أبنائهم وجيرانهم، مما يدفع الأحداث إلى أخذ منحى صادم.

في “حكايات سيئة” كما في “امحُ التاريخ” نشاهد شخصيات يمكننا أن نتعرف عليها، ونشعر أننا قابلنا مثلها في الواقع، فهذا السلوك العنيف والحاد في التربية موجود داخل المجتمعات الشرقية ، ما يجعل الفيلمين شديدا القرب من المشاهد رغم اختلاف الثقافة.

مشهد من فيلم الواحة
قصة حب صامتة في الواحة

في إطار مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، عُرضَ فيلمُ “الواحة”  (Oasis)، للمخرج الصربي إيفان إيكيتش، والذي شهد عرضه العالمي الأول في مسابقة أيام فينيسيا. الفيلم تدور أحداثه داخل مصحة لذوي الاحتياجات الخاصة، تحديدًا لمن يعانون من مستويات ذكاء منخفضة.

يراقب الفيلم ثلاث شخصيات، وزعها المخرج على ثلاثة فصول: ماريا ودراجانا وروبرت، ويشكلون معًا مثلث حب، إذ تتصارع ماريا ودراجانا على الفوز بقلب روبرت.

قد تبدو قصة الحب نفسها غير جديدة، لكن الجديد في الفيلم هو الإطار العام وطبيعة الشخصيات، ففي هذه المصحة التي يعيشون فيها، تصبح علاقة الحب الجديدة هي الشيء الوحيد القيِّم في حياتهم، وربما هو المتنفس الوحيد الذي يُشعرهم بحريتهم في الاختيار، بعيدًا عن النظام المحدد الذي تضعه المصحة لكل شيء آخر.

المدهش في الفيلم هو أن الممثلين الرئيسيين ليسو محترفين، ولكنهم من مرتادي هذه المصحات، وتم اختيارهم خلال عملية بحث استغرقت عدة أشهر، لكن المشاهد لن يشعر على الإطلاق أنهم يقفون أمام الكاميرا للمرة الأولى، بل إن كل واحد فيهم قدم أداءً مميزًا منح الشخصية عمقًا.

فيلم “الواحة” من الأفلام التي تعتمد على إيقاع بطيء لتطوير القصة، لكنه غني بالتفاصيل البصرية، خاصة وأنه لا يعتمد على الكثير من الحوار، وهو ما منح قصة الحب التي في الفيلم المزيد من الخصوصية، فرغم أن الحوار قليل جدًا، فإن الشخصيات الثلاث تتواصل وتطور علاقتها عبر وسيط المشاعر وحدها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أندرو محسن

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram