قراءة في “متحف البراءة” لأورهان باموق 1-2

علاء خالد

كاتب وروائي مصري

تحكي رواية “متحف البراءة”* للكاتب التركي أورهان باموق، عن حكاية عشق وغرام تجمع بين “كمال بصمجي” في الثلاثين من العمر، وحاصل على دراسات في إدارة الأعمال من أمريكا، وينحدر من عائلة أرستقراطية علمانية تعيش في إسطنبول، ويدير شركات أبيه، وبين “فسون” البالغة من العمر 18 عامًا، التي تنحدر من عائلة فقيرة تمت بصلة قرابة من بعيد مع عائلة السيد كمال، وتعمل في بوتيك، بجانب دراستها، ونافست على لقب ملكة الجمال في عام 1973، وعندها طموح أن تصبح نجمة سينمائية.

تدور أحداث حكاية العشق في إسطنبول، منتصف السبعينات، لحظة التحول بين عالم قديم وعالم جديد مشبع بأفكار الحداثة والتحرر والفردانية، وفي ظل ديكتاتوريات عسكرية وانقلابات متوالية وتأزم سياسي.

تدوم علاقة العشق والغرام بين كمال وفسون قرابة 4 أشهر، مباشرة قبل حفل خطوبته على “سيبل”، تلك الفتاة المتحررة التي ترجع إلى وسط اجتماعي أرستقراطي مثل خطيبها كمال.

بسبب التأثير البالغ لهذا الغرام في كمال، يفسخ خطوبته من فتاته سيبل، بعد أن اعترف لها بعدم قدرته على الخلاص من هذا الحب.

عاش كمال طوال سنوات الرواية، التي تمتد لعقد حتى منتصف الثمانينات، محافظًا، بل ومجذوبًا لهذا الغرام الذي دام 4 أشهر ولأثره في جسده ومخيلته، حتى بعد أن تزوجت حبيبته فسون بفريدون، الذي يعمل مخرجًا وينتمي إلى جماعات السينما الجديدة في إسطنبول.

طوال هذه السنوات التسع، يظل  السيد كمال قريبًا من هذا الزواج بحكم القرابة من عائلة فسون، ليحرس عشقه القديم. ودون أن يتدخل أو حتى يحاول إغراء فسون، كان يكفيه أن يكون بجانبها، فأسس، من أجلها، شركة إنتاج سينمائي ليساعد فريدون زوجها في إنتاج أحد أفلامه غير التجارية، ويساعدها لتكون نجمة سينمائية كما تمنت، ولكنه كان يُضمر شيئًا آخر من وراء هذه التضحية.

***

ثم تأتي اللحظة التي ينتظرها بعد سنوات الصبر هذه التي تصل إلى 9 سنوات، لم يفقد فيها أمله في هذا الحب، ولم تخبُ ناره، عندما تنفصل فسون عن زوجها فريدون اللاهي وراء مشاريعه وأفكاره الخيالية وحياته الخاصة.

تصرّح فسون لكمال، عندما عرض عليها أن يتزوجا، بأنها لا تزال بِكرًا طوال هذه السنوات، كأنها كانت تحتفظ بهذه “البكارة”، أو  ربما هي علامة “البراءة”، للسيد كمال.

وفي رحلة بالعربة بعد إعلان خطوبتهما، وفي أثناء طريقهما إلى باريس، تصطدم فسون، التي كانت تقود العربة وهي سكرانة، بشجرة، وتموت بعدها بثوانٍ، في حين ينجو كمال.

بعدها بسنوات يفكر كمال في كتابة حكايته مع فسون، وإنشاء متحف يجمع فيه كل الأشياء التي لها علاقة بها، سواء أكانت شخصية أم غير شخصية.

وعبر هذه المقتنيات، يجد أنه يفتح قوسًا واسعًا في تاريخ إسطنبول وتركيا، كأن “فسون”، التي ماتت، هي وسيلة اتصاله بإسطنبول “البريئة” التي يحبها، ومدخله إلى هذا العالم الحميم.. كأن البراءة رمز له أكثر من وجه.

***

يشير باموق في روايته إلى 3 خطوط أساسية:

حكاية العشق بين كمال وفسون، وتأرجح تركيا بين عالم قديم وعالم حديث في السبعينات، والتحولات التي صاحبت هذا التحول، بجانب اجتهاداته حول الشكل الروائي واختياره شكلاً يجمع فيه أكثر من راوٍ لحكاية حبه.

كان المجتمع التركي وقتها منقسمًا بين تعاليم أتاتورك العلمانية التي تربط تركيا مباشرة بحداثة الغرب، وتقطع صلتها بالإسلام ومصدره الشرقي، وبين التمسك بالتعاليم الإسلامية التي كانت أحد الأسباب التي شكلت صعود وزوال الإمبراطورية العثمانية.

كانت علامات التدين في الجيل الجديد، الذي ينتمي له كمال وفسون، رجع صدى لأساطير جمالية بعيدة، وبالتالي لم يكن في الرواية أي تمثيل لهذا الجانب الإسلامي، ولكن كان هناك حضور للماضي البريء والحميم، عبر ذاكرة كمال الجديدة.

البكارة.. البراءة

بجانب الانقسام في المجتمع، كان هناك انقسام على جسد المرأة وحريتها، فهناك اتجاه وسط الجيل الجديد يتيج ممارسة الجنس مع الخطيبة، أو الصديقة، قبل الزواج، أو بمعنى آخر هناك عقد آخر هو “عقد الحب”، الذي أصبحت له مشروعية بجانب عقد الزواج التقليدي.

“في تلك الأعوام كانت النخبة من بنات العائلات الغنية المغرَّبة، اللواتي رأين أوروبا، قد بدأن في كسر قدسية البكارة للمرة الأولى، ومضاجعة عشاقهن قبل الزواج، وكانت سيبل تفخر بأنها واحدة من هؤلاء البنات الجريئات، وقد ضاجعتني قبل أحد عشر شهرًا. هذه فترة طويلة وقد أصبح علينا أن نتزوج”. الرواية ص 22.

***

هناك مفارقة في الرواية.. يظهر السيد كمال، رغم علمانيته، كأحد المنقسمين بين العالمين، ولكن هناك ميل ظاهري، بوصفه شابًّا، إلأى صيغ التحرر الجديدة في علاقته بالمرأة وبالزواج وبوضع “البكارة”، لكن عندما أقام علاقة مع فسون لم يمس “بكارتها”، أو براءتها، كما سنرى. كانت هذه العلاقة بالنسبة إليه تمثل الارتباط الروحي العميق، الذي يشبه ارتباط الزواج وقد يتعداه، والذي حافظ عليه طوال سنوات حتى وهي متزوجة، لشعوره بأنه مدين لهذا النموذج، الرمز الذي تمثله الفتاة، بالكثير.

العشق الشديد هنا جاء ليغطي على إحساسه بالذنب، أو بالرغبة المتجددة التي لم تشبع كاملة، تجاه جسد فسون، الذي وصل معه طوال هذه السنوات إلى مرحلة التقديس والتسامي، لكل شيء يخصها ويرتبط بها سواء أكان شخصيًّا أم غير شخصي.

ربما كمال، عكس ما يظهر، متذبذب، ينكر داخله قيم الحداثة والتحرر في علاقته بجسد فسون، أو عند علاقته الجسدية بها استرد وعيًا آخر.

 فسون، أيضًا كان لها موقفها الواضح تجاه “البكارة”، فبعد انفصالها عن زوجها  فريدون، أعلنت خطبتها لكمال، وفي أولى خطوات رحلتهما باتجاه باريس بالعربة، تسمح له فسون بممارسة الحب كاملاً في الفندق حتى النهاية، بعد 9 أعوام من علاقتهما القديمة، وقبل موتها بيوم واحد.

كأن هذا الزواج الروحي قد امتد طوال هذه السنوات التي انفصلت فيها عن كمال، وتأخر طوال هذه المدة، وها هي تكمل ما بدأ منذ 9 سنوات، وتمنح كمال بكارتها بعد أن حافظت عليها طوال هذه المدة الطويلة، لكنها حافظت عليها ليس بعقد التقاليد، ولكن إذعانًا لعقد العشق بينها وبين كمال.. جسدها كان أقوى من أي تقاليد.

“في أثناء ممارستنا الحب برغبة متسارعة تشابك ماضينا ومستقبلنا وذكرياتنا، ومتعة سعادة تلك اللحظة المتصاعدة. ذهبنا (إلى النهاية)، ونحن نحاول كبت صراخنا وسط العرق.. كنت مسرورًا من الدنيا وحياتي وكل شيء.. كان كل شيء جميلاً ويحمل معنى، اندست فسون فيّ جيدًا، وأسندت رأسي إلى رقبتها، ونمت وأنا أشم تلك الرائحة الطيبة”. الراوية – ص 543.

ليلة زواج استمرت 9 سنوات، واختار المؤلف أن تحدث قبل زواجها بكمال، ليمنح فسون قوة ومكانة لا ترتبط فقط بالقديم أو الحديث، بل بمصدر آخر، كونها أمراة عاشقة، فهي لم تحافظ على بكارتها من أجل الخوف، بل من أجل إكمال دورة الحب، ومنحته أيضًا من أجل عقد الحب، فالحب في رواية “متحف البراءة” له قوة مقاومة التقاليد القديمة، رغم أنه جزء من هذا الماضي.

ترى فسون أفكار الحداثة بطريقتها الخاصة، فالبكارة ليست شيئًا عابرًا، ولكنها مقدسة، تحت سقف الحب والعلاقة الروحية بين الحبيبن. فسون وكمال بفضل هذا العشق الجارف، أصبح لهما مكان جديد متجاوز للعالَمين القديم والجديد.  

***

في المقابل، تحرُّر خطيبته سيبل يجعل كمال، دون أن يشعر، غير قادر على حبها، على الرغم من منحها إياه بكارتها، ولكنه لم يُرد أن يتركها لأنها منحته ذلك، فشعور المسؤولية الاجتماعية وتقديره لقدسية البكارة هنا هو الذي دفعه إلى الالتزام بخطبتها وليس الحب، وهو شعور ضد أفكار الحداثة التي تريد أن تهتك أي قدسية.

ربما الاثنتان، فسون وسيبل (المتحررة)، قدمتا تضيحة متبادلة لكمال، باختلاف تكوينهما، ولكنه فضل التضيحة التي تتفق مع ما يدور في عقله وتكوينه النفسي، الذي يميل إلى مفهوم رومانسي عن “البراءة” أيًّا كان زمنها، ربما هي العالم القديم، البريء، ربما هي البكارة، ربما هي كل ما هو ضد الحداثة، أو العالم المختار بعناية تبعًا لانتقائية ذاكرته.  

لم يشفع لسيبل تحررها، أو انفصالها تمامًا عن هذا الماضي البريء، أو ربما يرى كمال في انفصاله عن سيبل، أن التحرر، أو صيغ التحرر التي تمثلها، كما يشير من بعيد، كانت ضد الحب، لذا اختار هذا الانحياز إلى ماضيه “البريء”، حتى لا يفقد هذا الشعور بالحب، والعشق، وهي بالتالي تضحيته الخاصة التي قدمها، عكس جيله، بأن يسير ضد التيار المتجه للعالم الجديد ويتمسك بالماضي البريء.

متحف البراءة

بعد موت فسون بسنوات لم ينقطع كمال عن التفكير فيها، وتذكر حياتهما معًا، فأراد أن يبوح بعالمهما السري، الذي لا يعرفه أحد، ففكر في تصميم متحف لها يضم كل الأشياء المرتبطة بعالمها، حتى البيت الذي عاشت فيه، كأنها أحد الأوروبيين العظام الذين يحتفظون ببيوتهم كمزار. أراد كمال أن يصنع حياة جديدة لفسون بعد موتها عبر هذه التذكارات. أراد أن يعيد بناء جسد فسون عن طريق الملابس والصور وأدوات الطعام وفرش الشعر وزجاجات المشروبات، وأعقاب السجائر التي دخنتها، وإعلانات الأفلام التي شاهدتها، والرسائل المتبادلة بينه وبينها، وزجاجات المياه الغازية التي شربتها وتركت عليها بصمتها، بجانب الأشياء التي كان يستولي عليها من بيت عائلتها. هو متحف المفقودات الصغيرة، يضع به كل ما يذكّره بها، حتى لو لم تكن له علاقة مباشرة بفسون، مثل طاقم أسنان والدها السيد طارق، وعلب دوائه الفارغة، وفواتيره، وأدوات الخياطة لوالدتها العمّة نسيبة، وأدوات الطعام في بيتهم.

هناك رغبة في الاستحواذ على روحها الموزعة على هذه الأشياء، وتجميعها في مكان واحد يضمها: أنْ يعيد بناء مناخ الفترة، الماضي البريء، وبراءة هذا الماضي لا تتحقق إلا عبر صلة فسون به، كأنها تحولت إلى رمز دال لشيء جمعي.

***

“إن الموضوع الأساسي للمتحف هو التباهي”، كما يقول كمال للمؤلف الذي قابله في الرواية ويطلب منه كتابة حكايته.. تتحول علاقة الحب بفسون إلى شعور بالتباهي، وهي علاقة أخرى لها صبغة شمولية وليست شخصية، بعد موت المحبوب، يجسدها المتحف.. المتحف كما يقول بندكت أندرسون، صاحب كتاب “مجتمعات متخيلة”، فكرة قومية، أو يحمل ويعبر عن ذاكرة فخر جمعية.

لذا فإن هناك بعض الترميز في طريقة تخليد كمال حبه لفسون، ربما هو تخليد لعدالة الحب ورومانسيته، الذي يجمع بين طبقتين اجتماعيتين مختلفتين، كأنه فيلم من الأفلام التجارية ولكن هناك مجهودًا مختلفًا في تحويل مسار السعادة بين البطلين في النهاية، إلى مأساة، أو تخليق فكرة أخرى من داخلها تثبط رومانسيتها وتحيي خلودها وإنسانيتها كقصة حب.

ربما فسون ليست إلا أضحية لاستمرار فكرة أهم منها، والمتحف هو الذي يحتوي ويجسد هذه الفكرة، لذا له الحس الجمعي، حتى ولو بُني من أجل فرد، إلا أنه يتصل مباشرة بفكرة قومية.

يقول الراوي للمؤلف الذي وكله لكتابة قصة حبه، وقصة متحفه، بعد أن قرأ المقدمة: “لا أريد أن أُعلم الأمة التركية فقط بمتحفي التباهي بالحياة التي عشناها، بل الأمم كلها” الرواية- ص 586.

وسوف أتناول في المقال الثاني والأخير وأطرح السؤال: هل الرواية تقوم على العشق؟ وهل المتحف الذي بناه الراوي كمال لتخليد علاقته بفسون هو المكان الذي يضم بين جنباته قصة العشق هذه؟

هامش

“متحف البراءة”، أورهان باموق، ترجمة عبد القدر عبد اللي، دار الشروق، الطبعة العربية الأولى 2016.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram