قرض صندوق النقد الجديد

الآثار المُحتَمَلة على الاقتصاد والأفراد

اتَّجهت الحكومة المصرية في الفترة الأخيرة؛ للحصول على حزمةٍ تمويليةٍ جديدةٍ من صندوق النقد الدولي؛ لتعزيز قدراتها في مواجهة التداعيات الآنية لفيروس “كورونا”، والحفاظ على مكاسب برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي انتهى في نوفمبر 2019، وكذلك توفير “موارد صناعية” من النقد الأجنبي تحلّ محل نظيرتها الطبيعية، فضلًا عن الحفاظ على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في استقرار الاقتصاد الوطني، وقدرته على الصمود في وجه الأزمة الطارئة.

وتهدف الحكومة كذلك؛ للحفاظ على سعر صرف مُستقِر إلى حدٍ كبير؛ بهدف التحكم في مستويات الأسعار عند حدود معقولة وآمنة، تمنع حدوث قفزات خطيرة في أسعار السلع الأساسية، يمكن أنّ تؤثر على السُّلَّم المجتمعي، كما تهدف إلى تمويل الاستيراد من الخارج، وتوفير العملة الصعبة للمستوردين والمستثمرين؛ ما يمنح مجتمع الأعمال والسوق المحلي مزيدًا من الطمأنينة، إضافةً إلى الحفاظ على سير العمل، ومستويات التشغيل بالاقتصاد، واستدامة دوران خطوط الإنتاج، ومن ثَمّ تعزيز سياسة الدولة في فتح الاقتصاد، وتجنب الإغلاق الكامل، وإنهاء الإغلاق الجزئي الحاصل.

المصدر: صندوق النقد الدولي

الأدوات التمويليّة التي يتيحها صندوق النقد أثناء أزمة “كورونا” والدول التي طلبت المساعدات حتى الآن.

وتمثلت العوامل الأساسية التي دفعت مصر إلى اللجوء لصندوق في حدوث صدمة عنيفة لـ4 من 5 موارد رئيسيّة، ضمن سلّة مواردها من النقد الأجنبي؛ بسبب “كورونا” وهي: الاستثمار الخارجي، وقناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج والسياحة، أي نحو 70 % من إجمالي حصيلة النقد الأجنبي المتدفق للاقتصاد المصري.

فبعد مرور شهر واحد على اندلاع أزمة “كورونا”، تأثر احتياطي العملات الصعبة بشدة، وهبط بأكثر من 5 مليار دولار، ومن ثَمّ يهدف الاتفاق الجديد مع صندوق النقد؛ لتغطية الانخفاض الكبير في الموارد السابق ذكرها.

كما يعمل على تهيئة الاقتصاد المصري لأسوأ الفرضيات، التي تستوجب تأهب كامل الاقتصاد الوطني للاحتمالات كافة، ولا يرتبط القرض الجديد بأي إصلاحات ماليّة أو نقدية تمس حياة المواطنين، ومن ثَمّ لا يترتب عليه أي زيادة في أسعار السّلع.

ديون ليست مقلقة وتتلخص المعايير التي يمكن على أساسها تحديد إنّ كانت الديون سيئة أم جيدة في:

1– طريقة الإنفاق:

تُقاس الديون إذا كانت جيدة أم سيئة بطريقة استخدامها، فـلو كان الإنفاق يتم على بنود استهلاكية كمشتريات السلع والأجور، وتمويل استيراد سّلع تامة الصنع من الخارج فهي ديون سيئة، فيما تُعدّ القروض التي جرى إنفاقها على بنود استثمارية كمشروعات الطاقة أو الطرق أو البنية التحتية؛ من أجل تحسين مناخ الاستثمار، جيدة.

وأنفقت الدولة المصرية 4 تريليونات جنيه ضمن خطة مشروعاتها للبنية التحتية، وتم تمويل جزء كبير من هذه المشروعات بالاقتراض المحلي والخارجي، لذا تُعتبر هذه الديون صحية بما لها من عائدٍ في المستقبل سواء على المستوى قصير الأجل أو متوسط وطويل الأجل.

وفي هذا السياق تُعدّ تجربة “الصين” الاقتصادية لافتةً؛ حيث اسطاعت “بكين” أنّ تحقق معدلات نمو هائلة لم تحدث في تاريخ الاقتصاد الحديث، لكن في الوقت نفسه تضاعفت مستويات الديون الصينية إلى أنّ تجاوزت حاجز الـ300 % إلى الناتج.

2 – الاحتياطي النقدي

ارتفاع حجم الاحتياطي النقدي مؤشر مهم للغاية في تقييم الديون الخارجية، فعلى أساسه يتم تحديد مستوى القدرة على سداد الديون، وهو من أهم العوامل التي على أساسها يتم تحديد أمان أو خطورة نسبة الدّين.

وكان الاحتياطي المصري من العملات الصعبة في 2014 يبلغ 14 مليار دولار، فيما وصل إلى 45 مليار دولار في 2019 عند أعلى مستوى في تاريخ الاقتصاد المصري، قبل أن يتراجع مجددًا بعد أزمة “كورونا” إلى نحو 40.5 مليار دولار.

3 - عجز الموازنة

تزيد نسبة الدّين العام كلما زاد عجز الموازنة- مصروفات الدولة أكبر من إيراداتها- والعكس صحيح، أي أنَّ الحكومات تضطر إلى الاستدانة؛ لتعويض الفارق بين الإيرادات والمصروفات.

ووصل عجز الموازنة إلى مستوى تاريخي عن 13.5 % في 2013/2014، فيما انخفض إلى 8.2 % في 2018/2019، وهو أفضل مستوى منذ 9 سنوات.

المصدر: وزارة المالية المصرية
4 - الدّين قصير الأجل

تُصبح الديون مُقلقة إذا كان الدّين قصير الأجل- المطلوب سداده خلال أقل من 12 شهر-، يُمثل الوزن النسبي الأكبر في إجمالي الدّين الخارجي، وفي حالة مصر لا تتجاوز نسبة الدّين قصير الأجل الـ12 % من الدّين الخارجي الإجمالي، وهي نسبة أكثر من مطمئنة.

فيما تمثل حالة تركيا النقيض المُقلق؛ إذ تُقدر ديونها الخارجية بأكثر من 440 مليار دولار، وعليها سداد استحقاقات خارجية قيمتها نحو 122 مليار دولار، أي أن أكثر من ربع ديونها الخارجية مُستحقة خلال أقل من 12 شهر، الأمر الذي أسهم في تراجع ثقة المستثمرين بالاقتصاد التركي، وتدهور تصنيفها الائتماني، وهروب رؤوس الأموال منها.

5: التصنيف الائتماني

بسبب تيقن المؤسسات الاقتصادية العالمية، وعلى رأسها وكالات التصنيف الائتماني، من النقاط أعلاه، قامت برفع وترقية التصنيف الائتماني المصري مرتين إلى 3 مرات خلال آخر 6 سنوات، وأثناء أزمة “كورونا” تم تثبيت التصنيف مع نظرة مستقبلية مستقرة، رغم تخفيضه بأكثر من 20 دولةً أخرى.

المصدر: مجلس الوزراء المصري
6 - نسبة الدّين إلى الناتج القومي

تنظر المؤسسات الاقتصادية في نسبة الدّين إلى الناتج، وليس إلى قيمة الناتج الرقمية المفردة؛ حيث تُعدّ نسبة الدّين إلى الناتج الأكثر دقة في التعبير عن الأداء الاقتصادي.

المصدر: معهد التمويل الدولي

وترتفع نسبة الديون والقروض بالنسبة إلى مصر، إلا أنَّ الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد يرتفع بسرعةً أعلى من سرعة ارتفاع الاقتراض، ومن ثَمّ تنخفض نسبة الدّين بشكلٍ متزايدٍ، ويُصبح الموقف المالي للدولة آمنًا.

المصدر: البنك المركزي المصري
7 - القدرة على السداد

تظلّ نسبة الديون الخارجية لمصر ضمن الحدود الآمنة، التي لا تُثير مخاوف تعثُّر في السداد حاليًّا، بل إنَّ الحكومة المصرية قامت بتسديد 30 مليار دولار دفعةً واحدةً عام 2017، وهو من أصعب الأعوام التي مرت على المؤسسات الاقتصادية المصرية، نظرًا لأنه العام الذي تلى تحرير سعر الصرف، وبالتالي كان سداد الديون الخارجيّة أمرًا يكتنفه كثيرًا من التعقيد.

ولم يتأثر النظام النقدي للدولة سلبًا في 2017 لا من ناحية وفرة الدولار لصالح الشركات، ولا من ناحية وفرة السّلع في الأسواق، أو وفرة المواد الخام المطلوبة من الخارج للمصانع المصرية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
قصة
محمد نجم

باحث اقتصادي مصري

مشاركة
أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search