وجهات نظر

قرّاء القرآن وافتقاد الثقافة العربية

هيثم أبو زيد

سرادق كبير فسيح، يتسابق العمال لإتمام زينته، وإكمال إنارته.. هكذا وقعت عليه عيناي، ظهيرة يوم صائف من عام 1992.. ثم أتاني الخبر: اليوم سيأتي القارئ المشهور فلان، صاحب الصوت والصيت.. قلت لنفسي: فرصة جيدة، فلم أسمع الرجل مباشرة من قبل، لكن سمعته كثيرا عبر أثير الإذاعة، وأعجبت دائما بخامة صوته وجودة أدائه، وكثيرا ما سمعت الإشادة به من أصدقاء أثق برهافة سمعهم وحسن اختيارهم.

احتشد الناس، فور انتهاء صلاة العشاء، وأخذ القارئ الكبير مكانه، واستهل تلاوته من أواخر سورة الزمر.. كان أداؤه جميلا جدا، واصل الرجل تلاوته.. انتهى من سورة الزمر، وبدأ في قراءة سورة غافر.. لأفاجأ به يقف هذه الوقفة: “تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر”.. وكررها.. أصابني بعض الضيق، لكن قلت لا داعي لأن أفسد ما أنا فيه من مزاج رائق.. استمر الرجل في تلاوته، ليصل إلى قوله تعالى: “يوم هم بارزون، لا يخفى على الله منهم شيء، لمن الملك اليوم”.. ثم جاءت الصاعقة حين بدأ الرجل الجملة التالية: “الملك اليوم لله الواحد القهار”.

والحقيقة أن الوقفة في الآية الأولى، والابتداء في الآية الثانية، يصلحان مثالا واضحا للخطأ البيّن، الذي لا يختلف فيه اثنان، ولا يتناطح فيه عنزان.. فأما الأول، فمن قوله تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم – غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب…) فحين يقف القارئ على لفظة “غافر”، يكون قد قطع المضاف عن المضاف إليه، ويكون قد ساق لفظة “غافر” في حالة تنكير، وهي معرفة بالإضافة، ولو كانت الآية تقول: “من الله العزيز العليم الغافر” لساغ الوقف المؤقت عليها، لأن التعريف بالألف واللام مانع من الإضافة.

إن القارئ الفاهم يعي جيدا أن الوقفة السليمة لا بد لها من توجيه، وهذا التوجيه يحدده إطاران رئيسان، الأول هو اللغة وقواعد النحو، والثاني هو التفسير.. فهل يمكن توجيه الوقف على لفظة “غافر” في هذا الموضع؟.. إنها نعت ثالث للفظ الجلالة، لكن الوقف عليها لتكون في هيئة النكرة يتعارض مع الإعراب.. إذ كيف ستصف المعرفة بنكرة؟ وإنما لا بد من وصلها بما أضيفت إليه، لتُقرأ كما أنزلها الله “غافر الذنب”.. مركبا إضافيا لا يصح الفصل بين جزأيه.. هذا وقف ليس له أي مسوغ لغوي أو تفسيري.

أما “لمن الملك”.. فهي ضمن قوله تعالى: “يوم هم بارزون – لا يخفى على الله منهم شيء- لمن الملك اليوم- لله الواحد القهار”.. لفظة “الملك اليوم” هي مضمون الاستفهام، فإذا بدأ القارئ بها هكذا “الملك اليوم لله الواحد القهار” نقلها من حيز الاستفهام إلى حيز الإجابة، وربما أوهم السامع أن “الملك اليوم” متكررة فعلا في النص.. والقارئ بهذا الفعل، يكون كالمستدرك على القرآن، لأن الله لم يكرر لفظة “الملك اليوم” في الإجابة.. وإنما جعل صيغة السؤال هكذا: “لمن الملك اليوم”.. وجعل صيغة الإجابة هكذا: “لله الواحد القهار”.

وقال لي صديق: اسمع هذا المقطع، وانظر إلى هذه الوقفة.. فإذا بالقارئ يتلو من سورة القصص ويقول: “وقالت امرأة فرعون قرةُ عين لي ولك لا”.. قلت له: هذا نقل لوضع الكلمة، وتغيير لمراد الله منها، فـ”لا” هنا ناهية، ساقها الله على لسان امرأة فرعون تنهى عن قتل الطفل موسى “لا تقتلوه”، فإذا بالقارئ يحولها إلى “لا” نافية، في معنى ركيك مخترع لم يقل به أحد، ولا يقبله عاقل.. كأن القرآن يقول على لسان امرأة فرعون “إن الطفل موسى سيكون قرة عين لي أنا وحدي، أما أنت يا فرعون فلا، لن يكون لك قرة عين…” بالله أسألكم: هل هذا كلام امرأة تريد إنقاذ الطفل من القتل، أم تريد إيغار صدر فرعون عليه ليقتله؟.. إنه التلاعب بالنص القرآني، وإفساد معناه، إرضاء للسوقة، والجهلاء، وعوام المستمعين الذين لقبوا هذا القارئ بـ”أستاذ الوقف والابتداء”!!

لقد أصبح القراء مغرمين ببدعة نقل الألفاظ عن مواضعها، فهذا قارئ يقرأ (وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين.. قال يا نوح إنه ليس من أهلك) فيجعلها “أحكم الحاكمين قال يا نوح”.. فينقل “أحكم الحاكمين” من موضع الخبر، لتكون في موضع الابتداء.. فيهلل له من لا يعرفون للقرآن حرمة ولا لكلماته معنى.

وآخر، لم يرض بالنظم الرائق الباهر لسورة يوسف، ولا بصياغة القرآن لقوله تعالى (قالوا أإنك لأنت يوسف.. قال أنا يوسف وهذا أخي” فيمسخها هكذا: “يوسف قال أنا يوسف”، فينقل لفظة يوسف الأولى، التي هي في حيز الاستفهام، والتي هي ضمن مقول القول لإخوة يوسف إلى موضع المبتدأ، لتجد هذه الصياغة الركيكة: “يوسف قال أنا يوسف”.. تركيب مُسفٌّ، لا يمكن أن يقع فيه كاتب ولا أديب، وبالطبع من المستحيل أن يستخدمه القرآن، الذي هو في ذروة البلاغة العربية.

وفي تسجيل لقارئ معتمد إذاعيا، يمزق الرجل سورة الإخلاص، فيقرأ: قل هو الله، ثم يقف، ثم يبتدئ: الله أحد، ثم يبتدئ: أحد الله، ثم يبتدئ: الله الصمد، ثم يبدئ: الصمد لم يلد.. وكل هذا نقل للكلمات عن مواضعها الإعرابية الصحيحة.

ودخل بعض المشايخ في تلك المسابقة البغيضة الدائرة بين أشباه القراء حول عبارة “ومريم ابنة عمران”.. والتي كان الشيخ مصطفى إسماعيل، وتحت ضغط جمهور حقيقي لا مزيف، يكررها 3 مرات، فإذا بهذا التكرار يصبح مجالا للتنافس، فهذا يقرؤها عشر مرات، فيأتي آخر فيقرؤها 15 مرة، فيرد عليه الأول بقراءتها 20 مرة، فيأتي ثالث ويقرؤها 25 مرة، فيأتي الأول ويقول: والله لن أتركها لهم، لقد كنت أول من اخترعها، فيقرؤها 30 مرة، فيأتي رابع فيقرؤها 36 مرة.

وبالطبع لا يقتصر الأمر على التكرار، بل إن الميوعة، والتكسُّر، والتلوي، والاستعراض الفارغ، والابتعاد عن الميكرفون، والعودة إليه، وبلعه، وتجاوزه للأمام.. كل هذا تراه مع كل تكرار لـ”ومريم ابنة عمران”… ثم يعمل التشجيع الجماهيري عمله، فيقرر القارئ المفتون أن يقف على لفظة “ومريم” وحدها.. و”مريم” “ومااريم” “ومااارياام”.. فهل هذا محل وقف؟

إن هؤلاء الأدعياء وأنصارهم لا يعرفون كبار القراء إلا عند البحث عن خطأ هنا أو هناك.. فهم لم تنتفعوا بشيء من روحانية “رفعت”، ولا خشوع المنشاوي، ولا البناء النغمي الذي حيّر أهل النغم عند مصطفى إسماعيل، ولا التصعيد الدرامي عند الشعشاعي، ولا الرقة والأناقة عند الفشني، ولا جلاء النغم عند البهتيمي، ولا القفلات التي تجمع بين السهولة والأناقة عن البنّا، ولا بدقة الأحكام ومخارج الحروف عند الحصري، لكن فقط يذكرونهم عند البحث عن خطأ؟

فهم كمن امتدت أمامه مائدة ضخمة عامرة بأطايب الطعام، وأصناف اللحوم والطيور والفواكه والحلوى وأنواع المشروبات.. ثم ذهب يبحث عن كسرة خبز في صندوق القمامة.. أنتم متقممون فعلا.

كل هذه الأخطاء في الوقف والابتداء مردُّها وهن العلاقة بين قارئ القرآن الكريم وبين اللغة العربية في نحوها وبلاغتها، وأيضا لابتعاد القراء عن مطالعة التفاسير، والأخذ من الثقافة العربية والإسلامية بالحد الأدنى الذي يعصم من الوقوع في هذه الأخطاء المسيئة.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى