“قسطنطين كفافي”: رفيق البحر.. نديم الشواطئ!

كريم عبدالخالق

كاتب مصري

“حين تبدأ رحلتكَ إلى إيثاكا،

ادعُ أن يكون طريقكَ طويلًا،

مليئًا بالمغامرات، مليئًا بالمعرفة”.

كفافي، من قصيدته الأشهر “إيثاكا”

عادة ما يتم اعتبار الشاعر اليوناني-المصري السكندري “قسطنطين كفافي” (1863-1933) شاعرًا منغلقًا على عالمه، يكتب عن مدينته، شوارعها، البيوت المحيطة به، الجيران.. إلخ. وهي نظرة تُهمش تواجد الطبيعة والبحر بشكل كبير في معظم إنتاج كفافي.

البحر وطني الثالث

فالرجل الذي وُلد في الإسكندرية لعائلة يونانية والذي عاش فترة طويلة بها ومات فيها، في الحقيقة وجد وطنًا ثالثًا يجمع بين العالمين اليوناني والمصري، مازجًا بينهما، صانعًا عالمه الخاص الذي يجمع بين شوارع الإسكندرية وتاريخ اليونان.

بالنظر إلى إنتاج “كفافي” الكامل الذي يشمل القصائد المنشورة وغير المنشورة، القصائد غير المنتهية، عناوين القصائد التي لم تصل إلينا، فإننا نجد أن البحر هو العنصر الأساسي في 47 قصيدة.

وليس البحر في قصائد كفافي بحرًا واحدًا فقط، بل عدة بحور من أماكن وحتى أزمان مختلفة. واستخدامه للبحر يظهر بتنويعات مختلفة، مرة كمنظر طبيعي حين يتحدث عن الحب أو الفن أو الذكريات، ومرة بطابع تاريخي، حين يتحدث عن المعارك البحرية، النفي، والمستعمرات التي تقع على سواحل البحر، ومرة بطابع اجتماعي حين يتحدث عن الهجرة. وبالطبع يجب علينا ألا ننسى القصائد التي تدور أحداثها فوق ظهر سفينة وهي مجموعة قليلة من القصائد.

رحلة بين شواطئ

نشأ كفافي لعائلة عاشت في القسطنطينية التي تقع بين بحرين، وبجانب ذلك فقد عاش ومات في مدينة أخرى بحرية أيضًا هي الإسكندرية. بعد وفاة والده وهو في سن صغيرة، انتقلت الأم بأولادها التسعة إلى إنجلترا. هناك تأثر كفافي بالحياة الكلاسيكية الإنجليزية، وظل هذا التأثير حتى وفاته، ويبدو أن المدينة الكوزموبوليتانية كانت قد تغلغلت في داخله، لأنه عاد إليها من جديد عام 1879 وبدأ بدراسة التجارة هناك.

حين دخل الإنجليز الإسكندرية عام 1882 لم تجد الأم مفرًا من الخروج من المدينة والعودة لأثينا من جديد. بقيت الأسرة هناك ثلاث سنوات، حتى عاد كفافي مرة أخرى إلى الإسكندرية مع أمه عام 1885 وظل فيها حتى وفاته.

البحر.. أول الغرام

يرجع اهتمام كفافي الأول وتأثره بالبحر إلى بعض اليوميات التي كتبها بالإنجليزية عام 1901، حين كان في زيارته الأولى لأثينا: “مرة أخرى لم أشعر بالنعاس، وظللت مستيقظًا حتى الرابعة فجرًا. في الخامسة قدّم البحر المفروش تحت الشمس مظهرًا جميلًا؛ وجمال الجزر المرصعة في الأفق.

[..]

لون البحر وشكله في غاية الجمال. يوناني للغاية.

[..]

الجزيرة جميلة للغاية وأنا أتأملها. الخليج هو الأكثر روعة”.

كانت هذه الرحلة الصغيرة كافية لتشكيل روح الشاعر، لدرجة أنه استرجع هذه الرحلة بعد 14 عامًا وكتب عنها في قصيدته “إلى ديمتريوس سوتر – 162-150 ق.م”:

“لقد كان صغيرًا للغاية حين ترك بلده

بصعوبة كان يتذكّر شكلها

لكن في عقله كان يراها

كشيء مقدس تُقبل عليه بتبجيل،

كمكان جميل مكشوف، رؤيا

عن المدن اليونانية والموانئ”.

نوستالجيا الشباب

في معظم القصائد التي كان البحر فيها عنصرًا أساسيًا تم استخدامه كأداة فاصلة بين صراع أفكار أو صراع مشاعر. صراع بين القديم والحديث، بين الماضي العظيم والحاضر الخَرِب، بين واقع الحياة والخيال، أو بين عظمة الآلهة الإغريقية وغباء الإنسان. هنا نحلل خمسة أمثلة من قصائد كفافي.

في قصيدته “صوت من البحر” التي نجد فيها عدة تيمات رومانسية متداخلة، يقول كفافي:

“وإذا كنت صغيرًا، سيجري الحنين إلى البحر

في دمك؛ من حبه

ستقول الموجة كلمة لك؛ ستسقي

حبكَ بعطر سري”.

هنا تيمة تقليدية من المدرسة الرومانسية، وهي العلاقة بين الشباب وحب البحر، والتي نجدها أيضًا في “موبي ديك” للروائي الأمريكي هرمان ميلفيل. وهنا بالتحديد فإن كفافي، الذي يكتب القصيدة وهو في الإسكندرية، ما زال يحن إلى البحر الآخر، اليونان. هذا في حد ذاته انعكاس للصراع الدائر داخل كفافي نفسه بين البحرين.

في قصيدته “المدينة” التي كتبها عام 1894 والتي تدور حول رحلة بحرية للهروب من المدينة وترمز إلى الهروب من الواقع بحثًا عن واقع آخر أفضل. فالبحر هنا هو الفاصل بين الواقع المُدَمر وبين الواقع الجديد المأمول الوصول إليه:

“تقول إنك ستذهب إلى بلد أخرى، شط آخر،

تجد مدينة أخرى أفضل من هذه

مهما حاولت أن أفعل فإنه يتحول إلى شيء خاطئ

ويقبع قلبي مدفونًا كشيء ميت

إلى متى سأترك عقلي يتهدم في هذا المكان؟

أينما ألتفت، أينما أنظر

أرى أطلال حياتي السوداء، هنا،

حيث قضيت الكثير من الأعوام، أهدرتها، دمرتها بالكامل”

[..]

“لن تجد بلدًا آخر، لن تجد شطًا آخر

ستلاحقك هذه المدينة للأبد

ستمشي في الشوارع نفسها، تشيخ

في تلك الضواحي نفسها، تصبح رماديًا في تلك البيوت نفسها

ستنتهي دائمًا عند تلك المدينة. لا تأمل في شيء آخر:

لا توجد سفينة من أجلك، لا يوجد طريق

الآن بعد أن أهدرت حياتك هنا، في هذه الزاوية الصغيرة،

لقد دمرتها في كل مكان في العالم”.

في هذه القصيدة، يبدأ كفافي بنظرة رومانسية آملة في مستقبل أفضل وواقع جديد، لكن بعد ذلك تنقلب هذه الرؤية، تنعكس تمامًا إلى فقدان كل الأمل، وأنه لم يهدر حياته فقط “هنا”، بل قد دمرها في كل مكان، فأصبحت الرحلة بلا أي معنى، والبحر والأرض الجديدة هما امتداد للأرض القديمة التي يكتشف البطل أنه لم يتركها من الأساس.

المدينة والسفن.. والخيال

في الفترة نفسها التي كتب فيها كفافي “المدينة” كتب أيضًا “السُفن”. هنا تتحول الرحلة إلى أساس لتحليل العملية الشعرية. هنا البحر عبارة عن عنصر متداخل بين ما هو موجود في خيال الشاعر، وبين ما يكتبه على الورق:

“من الخيال إلى الورق. إنه طريق صعب، بحر خطير. تبدو المسافة قصيرة في البداية؛ ومع ذلك، يا لها من رحلة طويلة، ويا له من خطر يحدق بالسفن التي تبدأ هذه الرحلة”.

هنا يستخدم كفافي الثنائيات اليونانية الكلاسيكية: البحر/الأرض، الأمان/الخطر، الرحلة الطويلة/ الرحلة القصيرة. في هذه القصيدة ليست الرحلة في حد ذاتها هي العنصر الأساسي، ولا البحر، العنصر الأساسي هو غائب تمامًا عن القصيدة وهو “القصيدة” في حد ذاتها، أي هدف الرحلة.

ثنائية الوطن/الأرض الجديدة

قصيدة أخرى هي “في المرفأ” وفيها نرى البحر يفصل بين عالمين حقيقيين، الوطن والأرض الجديدة. قصيدة يحاول فيها كفافي تلخيص تجربته في الانتقال من مدينة لأخرى، متنقلًا بين الأرض التي يعرفها والمجهول:

“آميس الصغير، في الثامنة والعشرين

وصل إلى مرفأه السوري على سفينة تينيان،

خطته هي تعلّم تجارة البخور

لكنه يمرض خلال الرحلة،

يموت حين يضعونه على الشط

جنازته، أبسط ما يكون، حدثت هنا

قبل أن يموت ببضع ساعات همس بشيء

تحدث عن “الوطن”، عن “أب وأم عجائز”

لكن لم يعرف أحد عمن يتحدث،

أو أي بلد كانت وطنه

في ذلك العالم الهيليني

هذا أفضل؛ لنتركه هكذا

بينما هو مدفون في هذا المرفأ،

سيكون لدى والداه الأمل في أنه مازال حيًا”.

هنا بجانب ثنائية الوطن/الأرض الجديدة، فإنه يستخدم بسخرية ثنائية المعرفة/الجهل. فجهل والدي آميس بمصيره يعطيهما أمل في أنه ما زال حيًا وربما في أفضل حال أيضًا. ومعرفة آميس أن والديه يجهلان مصيره ربما خفف من ألم موته، بل وجعله سعيدًا أيضًا أنه لم يمت أمامهما وأن مصيره مجهول بالنسبة لهما للأبد. هنا الرحلة التي تتسبب في مأساة بطل القصيدة هي في حد ذاتها التي خففت من هذه المأساة لأنها فرقت بينه وبين أهله.

قصيدة أخرى هي “العودة من اليونان” التي كتبها عام 1914، الرحلة البحرية هنا في حد ذاتها هي أرض القصيدة، حيث البطل لم يترك بلده بالكامل وفي نفس الوقت لم يصل إلى المكان الجديد.

 وفكرة الانتقال من المعروف إلى المجهول لا تتخذ شكلًا جغرافيًا فقط، بل بعدًا نفسيًا أيضًا، إذ يحاول رفيق البطل إقناعه بأنه مُقبِل على أرض ليست مجهولة تمامًا بالنسبة لهما، لكنه في النهاية يقول إن الشعور بالحزن من الانتقال إلى مكان جديد ليس “فعلًا يونانيًا” وهو تأكيد غير واضح من رفيق البطل أنه مثله تمامًا، لم يفقد اتصاله بوطنه:

“حسنًا، يبدو أننا اقتربنا من الوصول يا هيرميبوس.

بعد غدٍ على ما يبدو، هكذا قال القبطان.

على الأقل نحن نبحر في بحارنا،

مياه بلدنا، قبرص، سوريا، مصر.

مياه نعرفها ونحبها.

لماذا هذا الصمت؟ اسأل قلبك:

ألا تشعر أنت أيضًا بالسعادة

كلما ابتعدنا عن اليونان؟

ما الجدوى من خداع أنفسنا؟

ذلك ليس فعلًا يونانيًا، أليس كذلك؟”

خاتمة

في معظم مقدمات الأعمال الكاملة لكفافي اعتاد المترجمون على اعتباره “العجوز صاحب المدينة”. ويتم اعتبار كفافي “قصيدة” منقسمة بين البلدان التي عاش فيها، لكنه في النهاية ابن الرحلة ورفيق البحر. ربما آن الأوان لنعتبر كفافي “العجوز صاحب المدينة المطلة على البحر”.

[..] - (الأبيات واليوميات المذكورة في المقال هي من ترجمة الكاتب).
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram