رياضة

قصة الثقب الأسود.. أين تختفي معجزات كرة القدم؟

هل سمعت من قبل عن تعبير “الطفل المعجزة” أو wonderkid؟ إذا كنت متابعاً جيداً للمواهب الشابة في عالم كرة القدم فحتماً هذا التعبير ليس بعيداً عنك، حتى إن بعض المواقع الشهيرة تصدر قائمة سنوية لأهم 50 لاعبا يستحقون لقب wonderkid. والذي يشير ببساطة إلى شاب صغير يمتلك مهارة وتفوَّقا تناسب من هو أكبر منه سنا وخبرة.

بمتابعة بسيطة لتلك القوائم خلال السنوات الماضية ستنكشف لنا حقيقة بسيطة: معظم تلك الأسماء لا تحقق المرجو منها بل إنها في كثير من الأحيان تصبح طي النسيان دون أن يتعرف عليها أحد.

نحاول هنا أن نتطرق للأسباب التي تلقي بتلك المواهب الشابة إلى هوة المجهول.. وسنتناول تلك الأسباب رفقة بعض القصص التي تشرح الكثير من التفاصيل:

نضج غير متكافئ

تشيرنو سامبا
تشيرنو سامبا

عالمة النفس الرياضي جوانا بيلز تؤكد أنه لا توجد مرحلة عمرية بعينها يمكن أن تساعد في تعزيز بداية مهنية جيدة لكن الأمر يتعلق بالأفراد أنفسهم.. فخلال سن البلوغ والمراهقة يتعين على لاعبي كرة القدم الشباب إتقان التعامل مع العديد من التغييرات والعلاقات الجديدة، وقضاء الوقت بعيدا عن والديهم، فضلا عما تضيفه متطلبات الرياضة الاحترافية فوق ذلك.

فلا يمكن التركيز على الأداء الفني في تلك المرحلة فقط، بل على اللاعبين التأكد من أنهم يتطورون على المستوى الشخصي أيضا وأنهم يحافظون على صحتهم جسديا وعقليا، في هذا السياق يمكن التطرق إلى نموذج حقق تطورا فنيا باهرا إلا أن نضجه الشخصي تأخر عن مزامنة تطوره الفني، الأمر الذي عرقل مسيرته المهنية بالكامل.

فقد انتقل الطفل تشيرنو سامبا إلى بريطانيا من غامبيا في السادسة من عمره، تعلَّق بكرة القدم التي يقول عنها إنها وحدها مَنْ أنقذه من الموت، حيث ثقافة العصابات كانت تسود جنوب شرق لندن.

كانت مهارة سامبا استثنائية في الكرة، ففي عامه الثالث عشر سجَّل 132 هدفاً في 30 مباراة لمدرسته، بينما شق طريقه في مستوى الشباب مع فريق ميلوول ومنتخب إنجلترا للشباب، وفي مرحلةٍ ما اقترب من أن يكون السبب في استبعاد واين روني خارج تشكيلة منتخب إنجلترا تحت 17 عاما والحلول مكانه.

أراد الجميع الحصول على خدمات سامبا.. تقدمت العديد من الأندية بعروضها إليه، لكن مكالمة هاتفية أحدثت الفارق في نفس اللاعب.. كان في الحافلة مع زملائه من أعضاء فريق “ميلوول” ثم رن هاتفه، لقد كان مايكل أوين.

وضع سامبا مايكل أوين على مكبر صوت عالٍ.. ساد الهدوء الحافلة بأكملها، جاء صوت أوين واضحًا: سيكون رائعًا لو أتيت إلى ليفربول.. انتهي الأمر وقرر سامبا الانتقال إلى ليفربول في أقرب وقت.

ظهرت صورة لسامبا مرتديا قميص ليفربول.. أشارت التقارير إلى أن إدارة نادي ميلوول لم تكن سعيدة بتلك الصورة.. ووفقاً لسامبا كان ليفربول مستعداً لدفع مليوني إسترليني على أن يكون نصف المبلغ فقط مع بداية التعاقد.. أراد “ميلوول” المبلغ بالكامل في دفعة واحدة.. لم ينضم سامبا إلى ليفربول.

لم يتقبل سامبا قرار ناديه في البقاء وعليه لم يلعب لمدة ستة أشهر.. قاتل وكلاؤه لإطلاق سراحه من “ميلوول”.. لم يفلح الأمر ثم وافق سامبا على العودة أخيراً إلى ميلوول مع ضمان النادي له عقد احترافي جديد معه لمدة 3 سنوات بعد أن بلغ 17 عاماً.

لم يتطور سامبا في “ميلوول” ولم يشارك في الفريق الأول.. كان غير مؤهل نفسيا للعب مع النادي.. انتقل إلى “قادش” ثم رديف ملقا وبعض الأندية المجهولة حتى تقاعد في سن التاسعة والعشرين.

لم يستطع سامبا التعامل مع الضوء الذي ثُبِّتَ عليه فجأة، حتى أنه لاحقاً اعترف بوقوعه في “فخ الغرور”.. يحكي سامبا أنه عندما قابل المدافع الإنجليزي المخضرم سول كامبل، وقَّع الأخير على كرة كتذكار وأعطاه إياها، إلا أن سامبا قام بالتوقيع على الكرة وأعادها إلى كامبل.

عانى اللاعب من الاكتئاب لفترة من حياته وتناول المواد المخدرة، إلا أنه أستطاع أن يستعيد حياته ويحاول الآن الدخول إلى سلك التدريب.

دعنا ننتقل لسبب آخر في عدم تحقُّق المعجزات، وهو الضغط المُلقى على اللاعبين بسبب مقارنتهم بأساطير كروية أقدم، دعنا نذهب إلى الأرجنتين، حيث لا أحد أفضل من مارادونا.

ظل الأسطورة

مارادونا وأورتيجا
مارادونا وأورتيجا

عالم النفس الرياضي برادلي بوش يتفق مع حديث جوانا بيلز فيما يتعلق بقدرة اللاعبين الشباب على التأثر بالنقد أو المديح على حد سواء، حيث يؤكد بوش أن النقد مرتبط بهرمون التوتر (الكورتيزولو) الذي يقلل من قدرة الفص الجبهي على العمل بشكل فعَّال.. الفص الأمامي مسؤول عن الوظائف الحاسمة مثل حل المشكلات والذاكرة وإصدار الأحكام، وكلها تؤثر على أداء لاعبي كرة القدم.

ومن المرجح أن يؤدي انخفاض نشاط الفص الجبهي في لاعب كرة القدم إلى زيادة عدد الأخطاء التي يرتكبها، وتقليل ثقته بنفسه وقدرته على التركيز.

ويبدو أن الضغط الملقي على اللاعب الشاب قد يذهب به أدراج الرياح.. فما بالك بضغط شعب كامل على لاعب صغير لا ذنب له سوى أن الجميع اعتبره “الأسطورة المنتظرة”.. لا عب ليس له الحق في هامش الخطأ المتاح لأقرانه من الشباب وإلا يتعرض للتشكيك بشكل مباشر.

فما يحدث في كرة القدم بمجرد أن يقرر أحد الأساطير الاعتزال أن الجماهير تبدأ مباشرةً في تسمية بعض اللاعبين الشباب بخلفاء الأسطورة.. إنه “مارادونا القادم”، تلك التسمية تم إطلاقها على عدد من اللاعبين الموهوبين في الأرجنتين فكانت النتيجة أنها تحولت للعنة تطاردهم.

أبرز تلك الأسماء كان آرييل أورتيجا.. لمع نجم أورتيجا رفقة فريق ريفر بلايت واستطاع الفوز بالدوري الأرجنتيني أربع مرات ثم كأس الليبرتادورس لتصبح أوروبا محطة منطقية لانتقال اللاعب.

لم يصبح أورتيجا “ماردونا الجديد” كما طالبه الجميع، بل لم يُحقق مسيرة جيدة في أوروبا حتى أنه قام بالعودة إلى الأرجنتين دون إذن من ناديه “فنربخشة” فتعرض للإيقاف وأصبح بلا نادٍ.

كان آرييل أورتيجا أحد أمهر لاعبي العالم خلال فترة لعبه، لكن الجماهير أصرت على أن تحاصره في ظل مارادونا.. كان آرييل قصيراً مهارياً تماماً مثل أرماندو، يُفضل إحراز الأهداف من فوق رؤوس الحراس لكنه لم يكن مارادونا، والنتيجة مسيرة متواضعة لا تتناسب مع إمكانياته العالية.

لم يكن أورتيجا الوحيد في ذلك، فأسماء مثل بابلو أيمار وخوان ريكيلمي وأندريس دي أليساندرو كلهم كانوا “مارادونا القادم”.. لعب كل هؤلاء في نفس مركز مارادونا وبنفس الطريقة التي يلعب بها.. وأحياناً في نفس الفريق وبنفس رقم القميص الذي حمله مارادونا.

هؤلاء استطاعوا السير في مسارات ناجحة وحازوا ألقاباً ورفعوا كؤوساً ليخلقوا إرثهم الخاص بدلاً من الحكم عليهم بمسيرة لاعب آخر.. ورغم كل ذلك كان الجميع يقول إنهم فشلوا في أن يصبحوا مارادونا.

وحده ميسي مَنْ استطاع أن يتجنب مصير هؤلاء، وأصبح نفسه أسطورة قائمة بنفسها، سيجري لاحقاً مطالبة لاعبين جدد بأن يصبحوا “ميسي القادم”، تخيّل مدى صعوبة الأمر، أن تكون بعظمة ميسي كي تستطيع الخروج من ظل مارادونا.

عانى العديد من اللاعبين من ذلك الضغط الهائل.. فمظلة الأساطير واسعة وأسماء مثل مراد مغني وبرونو تشيرو وسمير نصري وعادل تاعرابت تم حشرها تحت مظلة “زيدان القادم”.. وفيما تدور رحى التشبيه والمقارنات تنطفئ نجوم كانت لتلمع لو تُركت لحالها.

سبب آخر لانطفاء النجوم هو وكلاء اللاعبين، وهو السبب الذي يجب أن نتوقف عنده بشكل منفصل.

مصالح متضاربة

نيكولاس أنيلكا
نيكولاس أنيلكا

وكلاء اللاعبين هم الأشخاص الذين يتفاوضون بشأن عقود اللاعبين، وبسبب ذلك فإنهم عادةً ما يتحكمون في مستقبل لاعبي كرة القدم.. تبرز أسماء مثل “خورخي مينديز” و”منيو رايولا” بشكل أساسي، البارعان في توقيع عقود مع المواهب الصغيرة في كرة القدم.. وبهذه الطريقة يتحصلان على أموال طائلة.

لاعبو كرة القدم والوكلاء لديهم أهداف مختلفة بالطبع، فالهدف الرئيسي لأي لاعب هو أن يتطور مع الوقت حتى يتمكن من الذهاب إلى نادٍ أفضل وبالتالي كسب المزيد من المال.. بينما الهدف الرئيسي للوكيل هو أن ينتقل اللاعب إلى أكثر عدد ممكن من الأندية الغنية، مما يعني كما أكبر من العمولات.

اللاعب نيكولاس أنيلكا مثال جيد على ذلك التناقض، لعب أنيلكا لـ12 ناديًا في 7 دول مختلفة بقارتين.. رغم بداياته رفقة فرق قادرة على تطويره بشكل مذهل مثل أرسنال وريال مدريد، فإن الرجل كان دائم التنقل بصفقات من وكيله لا تتوقف.

لم يستطع أنيلكا استغلال إمكاناته مطلقا، والنتيجة مسيرة متذبذبة للغاية رغم إمكاناته الكبيرة.

دعنا ننتقل الآن إلى “طفل معجزة” يحاول حتى اللحظة الإفلات من الأسباب التي أنهت مسيرات “أطفال اللعبة الموهبين” وهو من الأسماء التي تلقي الجماهير بكم ضغط هائل عليه دون أن تتفهم ذلك.. إنه يوسوفا موكوكو صاحب الأرقام الخيالية.

نجمة لم تسقط بعد

يوسوفا موكوكو
يوسوفا موكوكو

انضم يوسوفا موكوكو (الكاميروني الأصل) إلى أكاديمية نادي “سانت باولي” في عمر التاسعة.. بعد ذلك بعامين، استطاع نادي دورتموند الحصول على خدمات اللاعب الصغير وضمه لأكاديمية الشباب.

لا تخطئه عين، بدأ موكوكا تقديم مستويات استثنائية للغاية، حتى أن فريق دورتموند أشركه ضمن صفوف فريق تحت 17 عاماً عندما كان يبلغ من العمر 12 عاماً فقط.

خلال مواسمه رفقة فريق الشباب حقَّق أفضل أرقامه خلال موسم 2018/19 عندما سجَّل 46 هدفاً وصنع 8 تمريرات حاسمة في 25 مباراة.. وخلال الموسم الماضي استطاع تسجيل 34 هدفاً وصنع 9 تمريرات حاسمة في 20 مباراة، وسجَّل هذا الموسم 10 أهداف خلال 3 مشاركات فقط.

تسلل خبر ميلاد أسطورة جديدة إلى أروقة شركة “نايكي” فسارعت بعقد صفقة رعاية طويلة الأجل بمبلغ ضخم لضمان تمثيل يوسوفا للشركة في المستقبل.

حطم يوسوفا الرقم القياسي لأصغر لاعب يشارك في الدوري الألماني بعد أن شارك كبديل عقب يوم واحد من عيد ميلاده السادس عشر.

موكوكو طفل معجزة بالمعايير الكلاسيكية لكن ضمن وضع مختلف يعمل لصالحه تماماً ولا يهدد مستقبله المهني بالأسباب السابق ذكرها، إذ يتعين على أندية البوندسليجا الحصول على موافقة المسؤولين عن إدارة دوري كرة القدم الألماني بمشاركة اللاعب الناشئ في المبارايات، كذلك يجب على الآباء أو الأوصياء الموافقة، ويجب أن يعلن الطبيب الرياضي أنه من الآمن مشاركة اللاعب المعني.. علاوة على ذلك، يجب أن يكون اللاعب قد شارك في مباريات الناشئين للمنتخب الألماني.

يطلب الاتحاد الألماني لكرة القدم من فرق البوندسليجا توظيف علماء النفس الرياضي في أكاديميات الشباب لدعم اللاعبين الصغار وتأهيلهم نفسيا بموازاة تطورهم الفني.

ويعي فريق بروسيا دورتموند تلك العوامل المؤثرة في مصير اللاعبين الشباب تماما، لذا قرر إبعاد موكوكو عن أي مشاركات إعلامية حتى يبلغ عامه الثامن عشر.

من حسن حظ يوسوفا ومتابعي كرة القدم أن ذلك “الطفل المعجزة” نشأ في ألمانيا، حيث تبدو الأمور أكثر احترافية وتفهما للاعبي كرة القدم الشباب.. لكن تبقى كرة القدم لا يؤمن جانبها أبدا، فهل سيلقى يوسوفا مصير سامبا أم أننا على موعد مع “ميسي جديد”؟

محمود عصام

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى