سياسةمختارات

قصة ترسيم الحدود الأمريكية.. خطوط متخيَّلة ثم دموية.. هادئة ثم قاسية!

 

لقرونٍ من الزمن، كانت حدود أمريكا مُتاحةَ لمن يُريد! فكانت الأمم الأوربية تُرسِّمها على الورق، فيما قبائل السكان الأصليين يعيشون على الأرض فعليًا، إلَّا أن ترسيم الحدود ظلَّ في طور التشكُّل وبقي خطًا وهميًا، حتى اصطدمت الجيوش وسوَّت المعاهدات المسألة.

في العام 1849م، وبعد أن وضعت الحرب المكسيكية الأمريكية أوزارها (1)، أرسلت الولايات المتحدة فريقًا من مسَّاحي الأراضي، والجنود، والعُمَّال لتعيين وتعليم خط الحدود الجديد هذا في الصحراء، وعلى الرغم من أن هذا الأمر يبدو سهلاً فقد ثَبُتَت صعوبته، فالفرق كافحت لأداء مهمتها نظرًا لأن الجنوب الغربي كان يغلي بالصراعات. وتم رسم خط الحدود، إلَّا أن الحدود كانت أبعد ما تكون عن التسوية.

اضطر مسَّاحو الأراضي أن يعبروا جبال “هواتشوكا” بالقرب من مدينة “هيرفورد” الحالية للقيام بعملهم

تاريخ من الحدود الصعبة المُتحرِّكة

طُمِست التفاصيل في زوايا التاريخ، إلَّا أن الحكاية ظلَّت تتشبث بنزاعات السكارى، والكلمات الغضبى، والشجار الممزوج بطلقات الرصاص! ففي أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1849م، أُرسِل المُفوَّض جون ب. ويللر ومسَّاح الأراضي أندرو جراي لحدود الولايات المتحدة والمكسيك لتحديد وتعيين خطٍ حدودي كان يوجد فقط في الخرائط. ولم يمضِ العمل جيدًا، فقال البعض إن “ويللر” لطم جراي في فكه، وقال آخرون إنه حاول أن يخنق جراي. في كلتا الروايتيْن على أية حال، أطلق جراي النار على ويللر فأصابه في فخذه. كان مسح الحدود الذي مضى عليه أقل من عام، فوضى عارمة.

كان النزاع الحدودي أحد المشكلات العديدة التي ظهرت فجأة؛ في حين تكافح الولايات المتحدة لتحديد حدودها الجنوبية بعد نهاية الحرب المكسيكية الأمريكية. ولم تكُن تلك المرة الأولى التي تُواجه فيها الولايات المتحدة مشكلات حدودية، فقد بدأت تلك المشكلات بمجرد أن شرع المستوطنون بالتحرُّك تجاه الغرب.

ففي العام 1801م، على سبيل المثال، كانت الحدود سائلة، ومُتغيِّرة، وفي طور التشكُّل. ولم تكُن هناك حدودٌ رسمية، بل فقط نهرٌ موحِلٌ كبير على حافة ولاية لويزيانا، وقد كتب ستيفن إ. أمبروز في كتابه “شجاعة لا تلين”: “هذا الجزء من أمريكا الشمالية يقع بين نهر المسيسيبي وجبال روكي، وكل هذا الجزء مُتاحٌ لمن أراد!”.

لثلاثة قرون، ادَّعت إنجلترا وفرنسا وإسبانيا ملكية أجزاءٍ عديدة من أمريكا الشمالية عن طريق إرسال الجنود، والمستوطنين، وصيَّادي الفراء، والتُجَّار؛ وذلك كي يقوموا بنصب الأعلام، والمتاجرة بالبضائع، وبناء الحصون والقلاع. رسمت تلك الدول الخرائط، ووقعت الاتفاقيات، ووضعت الخطط، إلَّا أن قبضتهم على هذه الأراضي كانت ضعيفة. فقد تدَّفق الأمريكيون بالفعل من فوق جبال الأبالاش (2) واستقروا في وادي أوهايو. بل إن قلة منهم عبروا نهر المسيسيبي، كما كتب أمبروز: “معظمهم عبر بطريقة غير قانونية”. أمَّا الذي يُمكِن أن يحدث بعد ذلك فلم يكُن واضحًا.

كانت الولايات المتحدة غير مستقرة، فواحدٌ من كل 5 أمريكيين كان عبدًا، وكانت قبائل السكان الأصليين الغربية ما زالت تُسيطر على أراضيهم، ولم يكُن هناك شيءٌ بإمكانه التنقُّل “بسرعة أكبر من سرعة حصان” كما كتب أمبروز، الذي قال أيضًا: “لم يكُن من المُرجَّح أن تستطيع أمة واحدة حُكْم قارةٍ بأسرها!”.

كانت للرئيس الأمريكي توماس جيفرسون رؤية وهي توسيع الولايات المتحدة

بدأ الرئيس توماس جيفرسون اختبار تلك الفكرة (3) بشرائه ولاية لويزيانا في العام 1803م. كان الغرب الأمريكي أحد المناطق الكبرى غير المُكتَشَفة في العالم، وكان الرئيس يمتلك كُتُبًا تتكَّهن بأن “الماموث، وحيوان الكسلان الأرضي العملاق، ومخلوقات ما قبل التاريخ الأخرى” تجوب الجزء العلوي من نهر المسيسيبي. واعتقد الرئيس أيضًا وجود نهرٍ ما ربما يُؤدِّي إلى المحيط الهادي.

كان جيفرسون مُخطئًا، وكذلك كانت الكُتُب مُخطئة. لكن جيفرسون اعتقد أن أمريكا قد تكون يومًا ما “أمة تمتد من البحر إلى البحر”. وأكثر من أي أمريكيٍ آخر، فقد جعل جيفرسون ذلك الأمر يحدث كما كتب أمبروز.

في العام 1821م، عندما نالت المكسيك استقلالها عن إسبانيا، أصبحت الولايات المتحدة ذات حدودٍ مشتركة مع المكسيك للمرة الأولى، ورغم أن الأمر لم يصل لأبعد من كونه مجرد “فعل من التوهُّم الجمعي”، كما كتبت راشيل سانت جون في كتابها “خط على الرمال”. كانت المكسيك لا تزال تُسيطر على ما سيكون يومًا ولايات أريزونا، وكاليفورنيا، ونيفادا، ونيومكسيكو، ويوتاه، وتكساس، وأجزاء من كولورادو، وكانساس، ووايومنج، وجزءًا صغيرًا من أوكلاهوما.

كتبت سانت جون: “قبل أن توجد الحدود كحقيقة مادية أو قانونية بزمنٍ طويل، بدأت تتخذ لها هيئةً وشكلاً في عقول المكسيكيين والأمريكيين الذين نظروا في خرائط أمريكا الشمالية وفكَّروا كيف كانت جمهورياتهم وكيف يُمكِن أن تصبح يومًا ما”.

نقلت الحرب المكسيكية الأمريكية الحدود من عالم الخيال إلى أرض الواقع.. على الأقل على الورق!

المكسيك وأزمة الشمال

لم يترك المكسيكيون إقليمهم الشمالي متاحًا لأي أحد، كما فعلت إسبانيا به، إلَّا أن الحدود كانت تغلي بالصراع. فقد كانت قبائل الأباتشي (4) تُغير على مزارع الماشية، وأمراء الحرب الذين سمَّاهم المُؤَّرِخون بـ”المُماطِلين”(5) استولوا على أراضٍ مكسيكية، واشتعلت التمردات المحلية بين وقتٍ وآخر. أخمدت المكسيك هذه الصراعات بأفضل ما أَمْكَنها، كما شجَّعت مواطنيها على التحرُّك شمالاً، إلَّا أن العديد من أهل المكسيك كانت لهم روابط عميقة بالأرض ولم تكُن لهم رغبة في ترك ديارهم، والمجازفة بالتعرُّض للصعاب وهجمات قبائل الأباتشي. كل ذلك من أجل تأمين الحدود لحكومة لم تكُن تستجيب لاحتياجاتهم.

عندما بدأ الأمريكيون في التقاطُر على تكساس كالسيل -جاء العديد منهم بأسلوب غير قانوني- تأمَّلت المكسيك أن يساعد هؤلاء المُستوطِنون في إقرار النظام لهذه المنطقة الشمالية، إلَّا أن المكسيك وجدت نفسها بعد برهةٍ من الزمن أمام مشكلة هجرة. كتب تيموثي ج. هندرسون في كتابه “هزيمة مجيدة”: “تمخَّضت الأحداث عن صراعٍ قصير الأجل، فقد انتصرت المكسيك في معركة ألامو (6) لكنها خسرت الحرب”.

أعلنت تكساس أن نهر ريو جراندي هو حدَّها الجنوبي، لكن المكسيك ردَّت بأن نهر نويْسيس إلى الشمال من المفترض أن يكون هو الحد الجنوبي. ظل النزاع ينضج على نارٍ هادئة حتى التاسع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول عام 1845م، عندما استولت الولايات المتحدة على ولاية النجم الوحيد (يقصد ولاية تكساس –م)، ثم أرسلت قواتها بعد شهرٍ من ذلك إلى ريو جراندي. هجمت المكسيك في إبريل/ نيسان من عام 1846م، وعندما انتهت الحرب المكسيكية الأمريكية في فبراير/ شباط من عام 1848م، كانت الحدود التي نراها اليوم قد بدأت في التشكُّل.

ففي الشرق، سيتبع خط الحدود نهر ريو جراندي. ومن هناك سيتجِّه غربًا في خطٍ مستقيم عبر الصحراء حتى يصل إلى نهر جيلا، ومن نهر جيلا سينطلق مباشرةً عبر الصحراء حتى ينتهي في المحيط الهادي. وهكذا، في 5 عقود، تغيَّرت الحدود من لا حدود على الإطلاق إلى حدود تخيُّليَّة إلى حدود مُتنازَع عليها إلى حدود يجري التفاوُض حولها إلى خطٍّ مرسوم على خريطة.

أرسلت كل دولة مُفوَّضًا ومسِّاح أراضٍ إلى الحدود. كان هذان المفوضان والمساحان مَدعوميْن بمُهندسِين، وعلماء، وجنود، وعُمَّال والذين كان من الصعب العثور عليهم بمجرد أن بدأت حُمَّى الذهب (7) في كاليفورنيا. وقد كانت وظيفة اللجنة الأمريكية المكسيكية المُشتركة للحدود هي تحديد وتعليم خط الحدود الجديد هذا على الأرض.

أنفق الفريق الأمريكي 50 ألف دولار في شهورٍ قليلة، فقد غاص المُفوَّضون المتعاقبون بسرعة في مستنقع الاقتتال السياسي الداخلي وسوء الإدارة المالية. وفي العام 1849م، غادر مسَّاح الأراضي جراي مدينة سان دييجو باتجاه نهر جيلا. وفي الطريق عثر على مجموعة من الأمريكيين قد ضلُّوا الطريق، وهكذا انعطف وقاد المجموعة إلى الساحل، ثم دخل في جدلٍ مع المُفوَّض ويللر عند عودته، وتمت تسوية الجدل بطلقٍ ناري كما ذكرنا آنفًا.

عانى فريقا مسح الأراضي الأمريكي والمكسيكي من حر الصحراء وبرد الشتاء، وكافحا للعثور على الضروريات الأساسية مثل الطعام أو الماء. كانت خرائطهم خاطئة، وتغيَّرت الأوامر وتم تحريك خطوط الحدود على الورق أحيانًا.

على الورق كذلك، كان النصف الغربي من خط الحدود مستقيمًا بما يكفي، إلَّا أن مسَّاحي الأراضي وجدوا أنفسهم على الأرض حيث الجبال، والجداول الجافة، والأخاديد، والأخاديد الجافة تتحرَّك بشكلٍ مُتعرِّج خلال البريَّة. وقد كافح المسَّاحون للعثور على المُؤَن فلم يكُن هناك لا مدن ولا قرى.

صورة شهيرة لمحادثات استسلام القائد جيرونيمو للأمريكيين

كيف تطوَّرت الحدود الأمريكية المكسيكية؟

في العام 1851م، انطلق فريقٌ مشترك من مسَّاحي الأراضي الأمريكيين والمكسيكيين للعثور على المؤن في شمالي قرية سونورا من إقليم سانتا كروز كما كتبت سانت جون، التي أردفت قائلة: “توقَّع المُفوَّضون أن تكون الرحلة قصيرة، لكنهم لاحقًا ضلُّوا الطريق. ونظرًا إلى أن الطعام معهم كان يكفي فقط أيامًا قليلة، فقد لجؤوا للصيد والتَّقمُّم من بساتين المستعمرات المهجورة المشؤومة التي مرُّوا بها”. هطلت الأمطار، وارتفعت المياه في الجداول، فارتحلوا عبر الطين، وهم يتلفتون يَمنةً ويسرة مخافةَ قبائل الأباتشي.

بعد أكثر من أسبوعيْن، وصلوا إلى سانتا كروز والعديد من الرجال مرضى، بمن فيهم المُفوَّضيْن بيدرو جارسيا كوندي وجون راسل بارتليت. وقد استغرق شفاء بارتليت شهريْن، أمَّا جارسيا كوندي فقد تعافى لفترةٍ وجيزة، ثم “سقط مريضًا مجددًا، ومات في ديسمبر/ كانون الأول في مدينة أريزبي وهي نفس المدينة التي وُلِد فيها” كما كتبت سانت جون.

ترك الرجال الذين انطلقوا لتعليم وتحديد الحدود المسح الأرضي في “حالة فوضى عارمة، ووجدوا أنفسهم يدفعون الهجمات السياسية عن ذواتهم، ويخشون هجمات الهنود الحُمْر، ويكافحون للبقاء أحياء. وذلك أكثر من كونهم يُؤسِّسون الحدود، التي بدا أنهم يبحثون عنها!” كذا كتبت سانت جون.

لم يستطع رجالات الكونجرس الأمريكي –القابعون في قاعاتهم تجاه الشرق– أن يتفَّهموا صعوبة ضياع الأموال في ذلك الأمر. وفيما كان المسَّاحون يتجوَّلون في الصحراء، كان بعض رجال الكونجرس يقولون إن الولايات المتحدة ينبغي أن تُرسل قوات إلى المكسيك، وتحتَّل المزيد من الأراضي، وتُسيطر على الموانئ، بل وتستولي على المكسيك بأسرها. إلَّا أن صوت العقل هو الذي ساد في نهاية الأمر، وبدلاً عن الحرب، دفعت الولايات المتحدة مبلغ 10 ملايين دولار، في ما أصبح يُعرَف بـ”صفقة جادسدِن”، لدفع خط الحدود جنوبًا.

استغرق الأمر ما يُقارب العقد من الزمن لتثبيت العلامات التي تُعيِّن الحدود.

وقبل أن ينتهي هذا التثبيت، كان نهر “ريو جراندي” قد فاض ماؤه وتجاوز ضفافه.

ولم تصنع الحدود شيئًا لتثبيط هجمات قبائل الأباتشي، والتي استمرت منذ حكم الأسبان. وهكذا فإن الخط سواء أكان موجودًا أم مُتخَيَّلاً أم مُتنازَعًا عليه، أم يجري التفاوُّض عليه، أم حتى مرسومًا ولا يُمكِن العثور عليه، فقد أصبح خطًا حدوديًّا دمويًّا.

يُفرِّق المُؤرِّخون أحيانًا بين الأنواع المختلفة للإغارات –فهناك الإغارات الهادئة بغرض سرقة الماشية، وهي عكس الإغارات الانتقامية بغرض نهب قرية– إلَّا أن أولئك الذين عاشوا على الحدود اعتبروا الأباتشي تهديدًا. وبمجرد أن علمت الأباتشي أن الجنود لن يعبروا الحدود، فإنهم أغاروا على مزارع الماشية في كلٍ من الولايات المتحدة والمكسيك متى ما أرادوا.

في نهاية المطاف، وقَّع البلدان اتفاقًا يسمح لجيوشهما بعبور الحدود لمطاردة الأباتشي، ما سمح للجنرال جورج كروك بمطاردة قبيلة الزعيم جيرونيمو(8) حتى سييرا مادري؛ ما أدَّى إلى إضعاف مقاومة الأباتشي. وعند الدفع بقبائل الأباتشي إلى داخل مناطق الاحتجاز، تغيَّر الخط الحدودي مجددًا.

انتصرت المكسيك في معركة ألامو، لكنها خسرت ثورة تكساس

مشكلات أكبر في الحدود

وحتى في أوقات السلم، أصبحت مشكلة تثبيت خط الحدود واضحة، خاصةً على طول نهر ريو جراندي، الذي اعتقد المستكشِفون الإسبان أنه جداول متعدِّدة. وقد كتب جوزيف ريتشارد ويرني في كتابه “الخط التخيُّلي” أن “مسح النهر لا يُمكِن أبدًا اعتباره قد انتهى، فريو جراندي يُغيِّر مساره بنحوٍ مزعج من حينٍ إلى آخر ناقلاً الأرض من دولةٍ إلى أخرى”.

شكَّلت الدولتان لجنة دولية للحدود في العام 1889م لحل هذه النزاعات، كتب جوزيف ويرني: “عانت مئات الهِكتارات من الأراضي لتغيُّر السيادة عليها بهذه الطريقة”.

وعبر السنوات، كانت هناك نزاعات شملت جوَّالة أريزونا، و”بانشو فيَّا”(9)، والمُهرِّبين غير الشرعيين الذين ينقلون الشراب لداخل الولايات المتحدة، كما شملت النزاعات كذلك انفجارًا عَرَضيًّا حدث في ناكو، والصراع المكسيكي الثوري الذي ينفجر من آنٍ لآخر عبر الخط الحدودي. إلَّا أن أيًّا من هذه النزاعات لم يكُن بحجم ومقدار حروب قبائل الأباتشي، وهكذا أصبح الخط هادئًا.

كان الخط الحدودي أيضًا مكانًا لبناء المدن، وتجارة البضائع، وأصبح الخط الهادئ خطًا مفيدًا. وبعد أن استخدمت الولايات المتحدة نهر كولورادو لزراعة المحاصيل، أصبحت في حاجة لعُمَّال. كانت المكسيك تمتلك كثيرًا من العُمَّال، وقد وضعت الولايات المتحدة برنامجًا لجعل وجودهم على أرضها وجودًا شرعيًا، لكن هذا الوضع لم يستمر. ما حدث بعد ذلك كان سلسلةً من الأحداث أدَّت إلى وجود الحدود التي نعرفها اليوم.

أدَّى ازدهار انتاج النفط المكسيكي في القرن العشرين إلى تراكُم ديونٍ تعجيزية وتحوَّلت الأمة إلى الماكيلادورا(10)؛ لتسحب نفسها من الأزمة، فجذبت المصانع المزيد من الناس نحو الخط الحدودي. ارتفعت الديون المكسيكية، وكتب تشارلز بودين أن اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة (11) “سحقت الزراعة، والتهمت الصين الماكيلادورا على الحدود”. ومع هروب المكسيكيين من بلادهم، تغيَّر الخط الحدودي مرةً أخرى.

تحرَّكت المخدرات مع الناس عبر هذا الخط الحدودي الجديد، وظهرت التقارير من أجزاء مختلفة في الحدود: عابرون للطريق السريع في كاليفورنيا، حوادث قتل في خواريز، وعظام في صحراء أريزونا. كتب “ويليام لانجويش” في مجلة “الأطلنطي” عام 1992م: “اجتاح الفلَّاحون المعوزون- الذين هزَّتهم القيم الأمريكية- الخط الحدودي.. الحدود انتقالية. الحدود خطيرة. الحدود قوية. فالطعام سيئ، والأسعار مرتفعة، ولاتوجد مكتبات جيدة! إنها ليست المكان الذي تزوره في إجازتك المقبلة”.

كان هذا الخط الحدودي قاسيًا، وصار انعكاسًا لما أصبحت عليه الدولتان. فكتب لانجويش: “كانت الولايات المتحدة تُفضِّل وجود كندا ثانية في جناحها الجنوبي. لم يعُد الخط الحدودي بعيدًا، ولم يعُد مصدًّا ضد جيراننا الجنوبيين الفوضويين. وعلى النقيض تمامًا: فإن النمو على جانبيْ الحدود ربط البلديْن ماديًا، فأصبحت مشكلات المكسيك هي مشكلاتنا نحن لا محالة”.

هذا هو تاريخ الحدود. الخط الذي لم يكُن موجودًا، ثم كان مُتخيَّلاً، فمُتنازَعًا عليه، فمُتفاوَضًا حوله، فمرسومًا لا يُمكِن إيجاده، ثم صار دمويًّا، فهادئًا، فمفيدًا، فقاسيًا.

كانت للولايات المتحدة دومًا مشكلات حدودية. ومنذ أن عبر المُستوطِنون جبال الأبالاش ونهر المسيسيبي، ومنذ أن اتخذ الأمريكيون من تكساس موطنًا لهم، ومنذ أن تعلَّمت قبائل الأباتشي سرقة الماشية من المزارع الإسبانية الهادئة، عبر الناس الخط الحدودي. وما زالوا يعبرونه؛ لأن الكثير جدًّا من الأمور بقي على حاله، رغم كل ما تغيَّر. فالولايات المتحدة تتوق للعمالة الرخيصة، والقبائل تتشبَّث بما تبقَّى لها من أراضٍ، وتكافح المكسيك ضد الفقر، والنزاعات تتفجَّر وتتحوَّل إلى إطلاق نارٍ مُتبادَل وتَغْنَم الصحراء من جثث المسافرين المُنهَكين.

ساعدت الطرق السريعة، والسكك الحديدية، والمدن على تقريب المسافات التي كانت يومًا تعمل كحاجز. هرع الناس إلى الخط الحدودي ثم عبروه، عندها فقط واجهتهم الصحراء الملتهبة، التي ظلَّت حاجزًا من نوعٍ ما.

تحركَّت الخُطَى عبر الأرض التي يتجذَّر فيها الماضي العنيف القاتم، تجاه مستقبلٍ غامض. اندمج التاريخ مع الحاضر بطُرُقٍ من الصعب تَتبُّعها، واختفى في ضجيج الحياة اليومية. انطمست الخطوط الحدودية بين الدول، وبين الماضي والحاضر حتى في ظل وجود سورٍ حديدي. ففي مكانٍ ما أسفل مجرى  ريو جراندي، يفيض النهر عن ضفافه، ويتغيَّر الخط الحدودي مُجدَّدًا.

* هذا المقال هو ترجمة مقال الكاتب الأمريكي رون دَنجان المنشور في “يو إس توداي”، الكاتب حاصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة ولاية أريزونا، واشترك في مشروع صحفي نال جائزة “بوليتزر” عام 2018م

هوامش المترجم :

 1- الحرب المكسيكية الأمريكية: وتُسمى أيضا الحرب المكسيكية. هي حرب اندلعت بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك نتيجة لخلافات تراكمت لمدة عقدين من الزمان واستمرت ما بين عامي (1846-1848). غزت الولايات المتحدة المكسيك، وفي أثناء الحرب، احتلت مكسيكو سيتي العاصمة. حصلت الولايات المتحدة من المكسيك بموجب معاهدة “جوادالوب هيدالجو” على ولايات كاليفورنيا، ونيفادا، ويوتاه، ومعظم أريزونا، ونيومكسيكو وأجزاء من كولورادو، ووايومينج. ولكن كثيرًا من المؤرخين يعتقد أن الحرب كانت هجومًا غير ضروري على دولة ضعيفة.

2- جبال الأبالاش: هو اسم عام يُطلَق على سلسلة جبلية واسعة تمتد في البقاع الشرقية من قارة أمريكا الشمالية على موازاة شواطئ المحيط الأطلسي، وهي من أقدم الجبال في القارة وأطولها، وسُميَّت بهذا الاسم نسبة إلى هنود الأبالاش، وتُؤلِّف حاجزًا طبيعيًّا بين الساحل الشرقي للولايات المتحدة، والسهول الواسعة في داخلها. ويبلغ طولها نحو 1900كم.

3- أي: فكرة أن تمتد أمريكا من المحيط إلى المحيط تحت قيادة أمة واحدة!

4- قبائل الأباتشي: هي مجموعة من قبائل الهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا الشمالية. لغتهم لغة أثاباسكان الجنوبية، هاجموا حضارتي المايا والتولتِك، وقاوموا الأسبان في مطلع القرن 16 عندما غزوا المكسيك. قاتلت قبائل الأباتشي الشعوب الإسبانية والمكسيكية الغازية لقرون. ويبدو أن أول غارات أباتشي على سونورا حدثت خلال أواخر القرن السابع عشر.

5- المُماطِلون: جماعة في مجلس الشيوخ الأمريكي كانت تستخدم ألاعيب قانونية وسياسية لمنع التصويت على قضيةٍ ما.

6- معركة ألامو: ‏(23 فبراير/ شباط – 6 مارس/ آذار 1836)، وهي أحد الأحداث المحورية خلال ثورة تكساس. بعد حصار دام 13 يومًا، شنت القوات المكسيكية هجومًا تحت قيادة الجنرال أنطونيو لوبيز دي سانتا آنا، على بعثة آلامو بالقرب من سان أنطونيو دي بيكسار (حاليًّا: سان أنطونيو، تكساس، الولايات المتحدة)، ما أسفر عن مقتل جميع المدافعين من أهل تكساس. وقد ألهمت قساوة سانتا آنا خلال هذه المعركة العديد من أهل تكساس -سواء المستوطنون والمغامرون من الولايات المتحدة- الانضمام إلى الجيش التكساسي. وبسبب رغبة الانتقام، هزم التكساسيون الجيش المكسيكي في معركة سان جاسينتو، وذلك في 21 إبريل/ نيسان 1836، ما أدَّى إلى إنهاء الثورة.

7- بدأت حُمَّى الذهب في كاليفورنيا في 24 يناير/ كانون الثاني 1848 مع اكتشاف جيمس مارشال الذهب في بعض مجاري الأنهار هناك. احتفظ جيمس بالأمر سرًّا حتى تواتيه الفرصة ويستثمر في مجال البحث عن الذهب، إلَّا أنه سرعان ما انتشر الخبر في الصحافة وأدَّى لحدوث فَوْرة هجرة إلى كاليفورنيا، حيث استقل الآلاف القطار والعربات والسفن بل حتى ساروا على الاقدام من أمريكا والعالم القديم طمعًا في الحصول على ثروة سريعة. في البداية اغتنى الكثير من المُنقِّبين، إلا أنه لم يلبث الأمر حتى سادت الصراعات وأعمال السطو وأصبح من الصعوبة الحصول على الذهب بسبب احتكار الشركات الكبيرة، فضلاً عن تضاؤل كميات الذهب.

8- جيرونيمو: (16 يونيو/ حزيران 1829 – 17 فبراير/ شباط 1909) كان قائدًا بارزًا من السكان الأصليين لأمريكا من قبيلة “شيراكاهوا أباتشي”، حارب ولفترة طويلة ضد استيلاء المستوطنين من أصول أوروبية على أراضي القبائل الهندية، يعني اسمه بلغة قومه “المُتثائِب”!

9- بانشو فيَّا: هو خوسيه دوروتيو أرانجو أرامبولا (5 يونيو/ حزيران 1878 ـ 20 يوليو/ تموز 1923) ويُشتَهر باسمه المستعار فرانشيسكو فيّا، وهو واحد من أبرز القادة الثوريين المكسيكيين. ولد سنة 1878 في سان خوان ديل ريو، وتوفي سنة 1923 في باريلو في محافظة شيواوا في المكسيك. لُقِّب بـ”روبين هود المكسيك”، حيث قاد ثوراتٍ عديدة خاصة ضد الإقطاعيين.

10- الماكيلادورا: هي شركة تُتيح للمصانع أن تكون معفاة من الرسوم الجمركية إلى حدٍّ كبير وخالية من الرسوم الجمركية. تأخذ هذه المصانع المواد الخام وتقوم بتجميعها أو تصنيعها أو معالجتها ثم تُصدِّر المنتج النهائي. توجد هذه المصانع والأنظمة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، بما في ذلك المكسيك وباراجواي ونيكاراجوا والسلفادور.

11- اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة: أو “نافتا”، هي معاهدة لإنشاء منطقة تجارية حرة ما بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وُقِّعَت اتفاقية التبادل الحر لأمريكا الشمالية في ديسمبر/ كانون الأول 1992 وأصبحت سارية المفعول في يناير/ كانون الثاني سنة 1994م.

المصدر
A moving border, and the history of a difficult boundaryJourney reveals reality of the border

أمير عثمان

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى