دراسات وتحليلات

قصة صراع شرق المتوسط: من تصعيد تركيا إلى تكتيكات التهدئة

“معاهدة لوزان للسلام ليست نصًا مقدسًا، لقد ولّت الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة. وسُحِقت ترتيبات القوة التي تم بناؤها بعد الحرب الباردة.. ومع ذلك ما زالوا يحاولون سجننا بموجب لوزان”.

بهذه الكلمات تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عام 2016، مُطالبًا بتجاوز معاهدة “لوزان” لعام 1923، والتي يتبقى عامان فقط على انتهائها، لتبدأ بعدها أنقرة مسارًا جديدًا، تتخلص خلاله من القيود على تطلعاتها الدولية والإقليمية، خاصةً في منطقة شرق البحر المتوسط، حيث يحتدم الصراع بينها من جهة وبين اليونان وقبرص من جهة أخرى، منذ 100 عام.

ورغم مرور 5 سنوات على هذا التصريح، لكن الصراع في شرق المتوسط لم ينته، بل ازداد حدة، فما كان في السابق نزاعًا طويل الأمد حول الحدود البحرية بين تركيا واليونان، ومعه نزاع مُجمَّد حول قبرص، بات الآن جزءا من صراع إقليمي يتخلله عديد من الأطراف الأوروبية والشرق أوسطية.

في ظل هذه الأوضاع المعقدة، يأخذنا الباحث في الشأن الأوروبي “توني ألارانتا” عبر ورقته التحليلية: “صراع شرق المتوسط: من المواجهة التركية اليونانية إلى صراعات القوى الإقليمية”، المنشورة في “المعهد الفنلندي للشؤون الدولية”، ليُطلعنا على مسار الصراع منذ بدايته، والفواعل المعنية به، والمحددات الرئيسية له، وكذلك آفاقه المستقبلية.

قرن من صراع شرق المتوسط

تعود جذور الصراع في شرق البحر المتوسط إلى ما يُقارب 100 عام، وتحديدًا عام 1923، حيث معاهدة “لوزان” التي رسمت حدود تركيا الحديثة -وريثة الدولة العثمانية – وأفقدتها السيادة على العديد من أراضيها، ومن بينها الجزر في بحر إيجة، التي تحوّلت لصالح اليونان.

منذ ذلك الحين، تنازعت تركيا واليونان حول المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الجزر اليونانية والسواحل التركية، إذ طالبت اليونان بمنطقة اقتصادية خالصة لجزرها الصغيرة التي تقع على مرمى حجر من سواحل أنقرة، وفي مقدمتها جزيرة “كاستيلوريزو”.

استندت أثينا في ذلك إلى اتفاقية “الأمم المتحدة لقانون البحار” عام 1982، والتي أعطت الجزر اليونانية الحق في امتلاك جرف قاري ومنطقة اقتصادية خالصة (مساحة بحرية) تمتد إلى 200 ميل بحري في كل اتجاه.

في المقابل، اعترضت أنقرة على إعطاء حقوق بحرية للجزيرة الصغيرة (كاستيلوريزو) التي تقترب كثيرًا من سواحل تركيا، حتى أنها تبعد أكثر من 500 كم عن أثينا.

استندت في هذا إلى اتفاقية “الأمم المتحدة لقانون البحار” عام 1958، والتي لم تعط الجزر حقوقًا بحرية، وخصّصت الجروف القارية إلى البر الرئيسي المتاخم لها، ما يمنح المساحة البحرية حول الجزر إلى أقرب دولة قارية.. وطبقًا لهذا، فالمساحة البحرية حول جزيرة “كاستيلوريزو” اليونانية، تعود إلى تركيا.

تركيا وقبرص في شرق المتوسط

على جانب آخر، هناك صراع مُجمَّد بين تركيا وقبرص تعود بدايته إلى 1974، حيث التوغل التركي في الجزء الشمالي لقبرص، الذي أدى إلى تقسيم قبرص عمليًا إلى دولتين: الجمهورية التركية لشمال قبرص، التي تعترف بها تركيا فقط، وهي “قبرص التركية”، وجمهورية قبرص اليونانية التي أصبحت فيما بعد (2004) دولة عضوا بالاتحاد الأوروبي، وتمتعت بحقوق بحرية ومنطقة اقتصادية خالصة، تاركة الأقلية التركية في عزلة دولية كاملة.

على هذا النحو، تحوّل الصراع في شرق البحر المتوسط إلى صراع ثلاثي بين اليونان وجمهورية قبرص من ناحية، وتركيا من ناحية أخرى.

وقد ازدادت حدة الأمر، مع اكتشافات الغاز الطبيعي، التي جذبت بدورها شركات الطاقة التابعة للعديد من الدول وفي مقدمتها إيطاليا وفرنسا.

خريطة الصراع في شرق المتوسط

نحو سياسة أكثر حزمًا في شرق المتوسط

في مقابل هذه التطورات، تبنّت تركيا في السنوات الأخيرة سياسة خارجية أكثر حزمًا وعدوانية، تحوّلت خلالها من الجهود الدبلوماسية التي تهدف لحماية مصالحها الوطنية إلى استعراض القوة واستخدام الوسائل العسكرية.

في هذا السياق، أرسلت أنقرة سفنها البحثية الخاصة للتنقيب عن الغاز الطبيعي، بمرافقة سفن عسكرية، إلى المناطق الاقتصادية لجمهورية قبرص واليونان.

وقد أشارت التحليلات إلى أن الموقف التركي التصعيدي يرجع إلى وضعها السيئ والصعب في ظل التطورات الأخيرة بالمنطقة، والتي يأتي في مقدمتها استبعاد أنقرة من “منتدى غاز شرق البحر المتوسط”​​، الذي أنشئ في يناير 2020، وضم مصر واليونان وإيطاليا وقبرص والأردن وإسرائيل.

فمن شأن هذا المنتدى ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة في الشرق الأوسط، الأمر الذي يُزعِج أنقرة كثيرًا، في ظل العداء والمواجهة المتزايدة بينها وبين القاهرة منذ عام 2013.

في السياق ذاته، وقّعت تركيا اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع حكومة الوفاق الوطني بليبيا في 27 نوفمبر 2019، وهي الاتفاقية التي لم يتم الاعتراف بها دوليًا، وبالطبع لم تعترف بها اليونان، ورأت أنها تتجاهل وجود جزر “كريت” و”كوس” و”كارباثوس” و”كاستيلوريزو” و”رودس” بين السواحل التركية الليبية.

استدعت الاتفاقية أيضًا أطرافًا عدة للصراع، من بينها مصر والإمارات، في إطار المواجهة بينهما وبين أنقرة، وكذلك فرنسا التي وقفت بجانب اليونان وجمهورية قبرص ضد تركيا، حيث أدى نشاط الأخيرة ودعمها القوي لحكومة الوفاق الوطني إلى عرقلة التطلعات الفرنسية في ليبيا.

السفينة التركية Oruc Reis المخصصة لأبحاث المعادن والاستكشاف، والتي رست في ميناء حيدر باشا، في 23 أغسطس 2019.

اتساع دائرة الصراع

على هذا النحو، بات الصراع الحالي في شرق المتوسط ​​جزءًا من صراع إقليمي أوسع، يمتد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (اليونان وجمهورية قبرص) إلى تركيا والعديد من دول الشرق الأوسط.

فقد نظر الاتحاد الأوروبي للصراع الحالي على أنه شأن داخليّ، نظرًا لأن اليونان وجمهورية قبرص دولتان عضوان به، لكنه بدلاً من المساعدة في حل النزاع، سعى لكسب الوقت، وأرجأ مختلف القرارات الحاسمة أو التي يمكنها المساعدة في حل الأزمة.

يرجع ذلك -إلى حد كبير- إلى سياسة الاتحاد المنقسمة تجاه أنقرة، حيث توجد دول مناهضة لسياسات تركيا، وتدعو لسياسات حاسمة ضدها، في مقدمتها اليونان وقبرص وفرنسا، ودول أخرى مترددة في اتخاذ قرار يزيد استعداء تركيا، مثل إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، والتي ترى أن إجراءات تصعيدية ستؤدي إلى أزمة اقتصادية تركية تضر بالقطاع المصرفي الأوروبي.

هذا بالطبع إلى جانب مكانة تركيا لدى الاتحاد بصفة عامة، فهي عضو في حلف “الناتو” ومرشحة للانضمام إلى الاتحاد، ولا يُنظر إليها بعداء كبير مقارنة بدولة مثل روسيا.

في ظل هذه الأوضاع، تجنّب الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف حازم في مواجهة أنقرة، لكن: هل يمكن أن يتغير هذا الموقف في المستقبل؟

سيعتمد الأمر -جزئيًا على الأقل- على السياسات المُعتمدة تجاه تركيا من قبل إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، وكذلك مدى تمكن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من العمل معًا لصياغة سياسة مشتركة يمكنها ردع أنقرة.

وتشير التوقعات في هذا الصدد إلى أن واشنطن وبروكسل ستتفقان من حيث المبدأ على كيفية الرد على أنقرة، ما يوفر فرصًا للتعاون ورسم خطوط حمراء لا يمكن لتركيا تخطيها.

أمّا في الوقت الحالي، فمن المتوقع أن يوسّع الاتحاد الأوروبي قائمة الأفراد الأتراك الذين فُرضت عليهم العقوبات في اجتماع المجلس في مارس 2021.

انفتاح تركي تكتيكي

سيتوقف الأمر أيضًا على التحالف الذي تتشكل بنيته اليوم بين مصر والإمارات وفرنسا والذي يدعم موقف اليونان، وفي مواجهة هذه الكتلة الثلاثية، تتميز أنقرة بنفوذها المتزايد في ليبيا، خاصةً بعد اتفاقها الأمني ​​مع حكومة الوفاق، وبتحالفها مع قطر في مواجهة السعودية والإمارات ومصر.

لكن الواقع يُشير إلى أن هذه العلاقات غير كافية ولا يمكن الاعتماد عليها في مواجهة الدول الثلاث، ويزداد الأمر سوءًا لأنقرة عند النظر إلى إدارة “بايدن”، التي ستتخذ مواقف أقل ودية تجاه تركيا، خاصةً فيما يتعلق بشرق البحر المتوسط.

في ظل هذه الأوضاع الحرجة، يبدو أن تركيا تحاول إعاقة تشكيل التحالف بين الإمارات ومصر وفرنسا عبر إرسال إشارات تعاونية لمصر، وكذلك محاولات أخرى لتحسين العلاقات مع فرنسا، ما تجلى في تصريحات القيادة التركية مؤخرًا وكلماتها التصالحية تجاه الاتحاد الأوروبي.

الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان، والرئيس الأمريكي “جو بايدن”.

في السياق ذاته، توجد مؤشرات على استعداد تركيا حاليًا لاتخاذ خطوات أخرى لتنشيط المفاوضات الدبلوماسية لتعزيز أجندتها في شرق المتوسط.

ظهر ذلك في قرار إعادة فتح “المحادثات الاستكشافية” مع اليونان، التي توقفت منذ 2016، وكذلك رغبة أنقرة في مؤتمر واسع لشرق المتوسط، يتم فيه تمثيل جميع الأطراف لمناقشة المشكلات الحالية بالمنطقة.

تكتيك تركي جديد في شرق المتوسط

ويجب الإشارة إلى أن انفتاح أنقرة الدبلوماسي وتخفيف حدة خطابها، أشبه بتكتيك قصير المدى، تحسبًا للتغيرات المتوقعة في العلاقات التركية الأمريكية في ظل إدارة “بايدن”، حيث ترغب بهذا النهج الجديد في تجنب أي عقوبات صارمة من قبل الاتحاد الأوروبي، وتمهيد الطريق لبداية جديدة مع الولايات المتحدة.

أمّا على الجانب اليوناني، وفي إطار محاولاتها المتزايدة لتشكيل سلسلة شراكات استراتيجية في شرق المتوسط​​، يمكن القول إن توقيع المذكرة الليبية-التركية بترسيم الحدود البحرية كان الحافز الحقيقي لتنفيذ سياسة أكثر استباقية.. وفقًا لهذه السياسة، اتجهت اليونان لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة مع إيطاليا ومصر.

وبينما تدعو تركيا إلى مؤتمر متعدد الأطراف لشرق المتوسط، ترغب اليونان في أن تُوقِّع تركيا على اتفاقية “الأمم المتحدة لقانون البحار” (1985)، والتي ستتم بها تسوية الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة في سياق القانون الدولي الحالي للبحار، لكن تركيا بالطبع لن تفعل ذلك.

وكما هو الحال مع اليونان، وقّعت جمهورية قبرص مؤخرًا مجموعة اتفاقيات دفاعية وأمنية مع جهات فاعلة إقليمية مختلفة، مثل الإمارات والأردن وإسرائيل ومصر.

ختامًا، يمكن القول إنه في ظل هذه الأوضاع، من المُرجَّح أن تُعمِّق اليونان وقبرص ترتيباتهما الأمنية مع دول المنطقة، مُستخدمين حجة التضامن، في محاولة لحمل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا على تشديد إجراءاتهم ضد تركيا.

أمّا أنقرة، فتهدف إلى عرقلة جميع الإجراءات في شرق البحر المتوسط، والتي تنظر إليها على أنها نوع من أنواع الحصار البحري، وأنها كذلك عائق أمام تحقيق أهدافها طويلة المدى، والتي تدور حول تعزيز مكانتها الإقليمية.

هكذا، سيستمر التوتر في شرق البحر المتوسط ​​في المستقبل المنظور، لكن ذلك لا يعني الانزلاق نحو مواجهة عسكرية كاملة، في ظل وجود حلف “الناتو”، الذي يمكنه التدخل لوقف التصعيد بين اليونان وتركيا، لكن ذلك لن يكون كافيًا لتقديم أي حل حقيقي طويل الأمد للصراع الإقليمي المتزايد في شرق المتوسط.

المصدر:

دينا حلمي

باحثة سياسية متخصصة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى