دراسات وتحليلاتمختارات

قصعة النفط الليبي صراع الآبار العابر للقارات

قوةٌ قاهرة فُرضت على حقول النفط الليبية على مدار 8 أشهر، ووضعٌ جبري علّق العمل وعطّل الإنتاج النفطي وتسبب في خسائر فادحة قُدرت بنحو 8.7 مليار دولار،

قوةٌ قاهرة فُرضت على حقول النفط الليبية على مدار 8 أشهر، ووضعٌ جبري علّق العمل وعطّل الإنتاج النفطي وتسبب في خسائر فادحة قُدرت بنحو 8.7 مليار دولار، فمنذ مطلع عام 2019، أُغلق معظم حقول النفط الخاضعة لسيطرة المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، وكذلك أبرز الموانئ النفطية الواقعة في شرق ليبيا والمتمثلة في “البريقة ورأس لانوف والحريقة والزويتينة والسدرة”.

وضعٌ لم يكن بأي حال من السهل السكوت عليه والاستسلام له ولخسائره التي نالت بكل تأكيد من الوضع الاقتصادي للدولة الليبية والمعيشي لمواطنيها، لذا ففي 19 سبتمبر/ أيلول 2020، خرجت المؤسسة الليبية للنفط بالإعلان عن رفع حالة “القوة القاهرة” عن المنشآت النفطية الآمنة، وذلك في اليوم التالي لإعلان “حفتر” إعادة فتح المنشآت النفطية المحاصرة.

الحرب في ليبيا

أولاً: الوضع الجيوسياسي للنفط الليبي

ارتفع حجم الإنتاج الليبي للنفط بقدر كبير منذ بداية الرفع التدريجي للقوة القاهرة على المنشآت النفطية المغلقة، والذي انتهى بفتح آخر حقل نفطي في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. فقد بلغ الإنتاج النفطي في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي نحو مليون و215 ألف برميل يوميًّا. ذلك الارتفاع كان أسرع من كل توقعات المحللين، فقد عاد إنتاج النفط الليبي إلى سابق عهده في وقت قياسي.

أمّا عن الإيرادات، فقد تخطت خلال عام 2019 حاجز 22 مليار دولار، وعلى الرغم من سيطرة خليفة حفتر على معظم الحقول والمنشآت النفطية في ليبيا، فإن المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس هي المنوط بها بيع النفط، وذلك وفقًا لعدد من التشريعات المحلية والقرارات الدولية، فالمؤسسة الوطنية تتولى عملية تسويق النفط ومن ثَمَّ تتدفق العائدات عبر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس.

وهنا يأتي دور حكومة الوفاق التي تتحكم في تلك العائدات، فتدعم وتموّل الجماعات الموالية لها من ناحية، ومن ناحية أخرى ترسل جزءًا من العائدات إلى تركيا في مقابل خدماتها التي تقدمها لصالح وزارتي الدفاع والداخلية الليبيتين، وما يتبقى توزعه على الميزانية العامة للدولة، وتحديدًا على أجور الموظفين، والتي تمثل أكثر من نصف الإنفاق العام في جميع أنحاء ليبيا.

ويمكن النظر إلى خريطة النفط الليبي في إطار الأطراف المسيطرة على الحقول والموانئ النفطية في الداخل، وذلك من خلال الآتي:

1- خليفة حفتر:

تستحوذ القوات الموالية لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، على منطقة الهلال النفطي الممتدة على طول 250 كم إلى شرق ليبيا بين سرت وبنغازي، وتعتبر تلك المنطقة هي أكبر المناطق إنتاجًا للنفط في ليبيا، فهي تضم حقول نفطية تشكل نحو 60% من صادرات ليبيا النفطية، و80% من احتياطي النفط في ليبيا، كما تضم 4 موانئ نفطية وهي “السدرة ورأس لانوف والبريقة والزويتينة”، فضلاً عن ميناء الحريقة بمدينة طبرق أقصى شرق البلاد.

ويسيطر “حفتر” على حقل الشرارة النفطي، الذي ينتج وحده نحو 300 ألف برميل يوميًّا، بما يعادل نحو ربع الإنتاج الوطني تقريبًا، وحقل الفيل الذي يغطي مساحة واسعة في الجنوب الغربي لليبيا، ويحتوي على أكثر من 1.2 مليار برميل من احتياطي النفط الليبي، كما أنه أكبر حقل نفط في حوض مرزق.

خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي

2- حكومة الوفاق:

يسيطر فايز السراج رئيس حكومة الوفاق على ميناءين نفطيين هما الزاوية ومجمع مليتة، وثالث عائم وهو ميناء غزة، إضافة إلى حقل الحمادة الحمراء النفطية الواقع في جنوب طرابلس، والذي تسيطر عليه ميليشيات تابعة لحكومة الوفاق بمدينة الزنتان، وينتج نحو 8 آلاف برميل يوميًّا.

ثانيًا: أبرز الشركات العاملة في مجال النفط في ليبيا

يخضع النفط الليبي في استخراجه لشركات نفط محلية وأخرى أجنبية، تمكنت من الحصول على عقود امتياز، يعمل بعضها في الإنتاج والتصنيع والتكرير والبعض الآخر في الاستكشاف والتنقيب والصيانة والخدمات:

1- شركات النفط المحلية

يمكن حصر شركات النفط المحلية العاملة في مجال التشغيل والمملوكة كليًّا أو جزئيًّا لليبيا، في شركات “سرت” و”الواحة” و”مليتة” و”الخليج العربي” و”أكاكوس” و”الهروج” و”المبروك للعمليات النفطية”.

ومن أبرز الحقول التي تسيطر على إدارتها تلك الشركات، حقل آمال النفطي الواقع بالقرب من واحة أوجلة شمال شرقي ليبيا، الذي يضخ نحو 400 ألف برميل يوميًّا، بما يمثل ثلث كمية الإنتاج النفطي في ليبيا تقريبًا، وتتولى إدارته شركة الهروج للعمليات النفطية.

كذلك حقل زلطن، الذي يعد أكبر حقل نفطي في خليج سرت، وينتج يوميًا نحو 30 ألف برميل من نحو 120 بئرًا، وتتولى إدارته شركة سرت للنفط.

2- شركات النفط الأجنبية

تدير شركات النفط الأجنبية مع نظيرتها المحلية في ليبيا بعض الحقول، ومن بين أهم تلك الشركات “إيني” الإيطالية التي تعد أكبر الشركات النفطية في ليبيا، و”توتال” و”شلمبرجير” و”إكسون موبيل” و”هاليبرتون الأمريكية”، فضلاً عن العديد من الشركات الأخرى المتخصصة في مجال الحفر، من بينها شركات تركية وصينية ومصرية.

ومن أبرز تلك الحقول التي تخضع لإدارة مشتركة، حقل الفيل الذي يشترك في إدارته كل من المؤسسة الوطنية للنفط، وشركة إيني الإيطالية، وشركة غاز بروم الروسية التي سيطرت على ثلث حصة إيني من ذلك الحقل وفقًا لاتفاق مُوقع بينهما، إضافة إلى حقل البوري البحري، الواقع على بعد 130 كيلومترًا شمالي طرابلس، والذي يعد أكبر منتج للنفط في البحر المتوسط، وينتح نحو 40 ألف برميل يوميًّا، ويشترك في إدارته المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني الإيطالية، كذلك حقل الظهرة، الذي يعد أقدم الحقول النفطية المكتشفة، وهو مشروع مشترك بين المؤسسة الوطنية للنفط و3 شركات أمريكية، هي “هيس” و”ماراثون” و”كونوكوفيليبس”.

خريطة لحقول النفط في ليبيا

لقد لعب النفط دورًا كبيرًا في تشكيل خريطة الاصطفاف الإقليمي والدولي في ليبيا، فهي منْ تستحوذ على أكبر احتياطات نفطية في القارة السمراء، وتحتل المرتبة الخامسة عربيًّا باحتياطي نفطي يبلغ نحو 48.36 مليار برميل.

فمن ناحية يُشكِّل تأمين المصالح الاقتصادية في ملف النفط أحد الدوافع الأساسية لنشاط بعض الأطراف الإقليمية في ليبيا، ولكنه على المستوى الدولي يكاد يكون العامل الرئيس في تشكيل خريطة الاصطفافات، فالعديد من المحللين يرى أن الدعم الفرنسي لحفتر كان قائمًا على اعتقادهم بقدرته على تأمين مصالحهم الاقتصادية هناك، ومنحهم امتيازات في ما يتعلق باستخراج النفط وعقود الاستثمار، أمّا إيطاليا فتَعتبِر أن ليبيا منطقة نفوذ تاريخية، لذا تتخذ مواقفها في ذلك الملف بناءً على مصالحها الخاصة، ما يجعلها لا تريد أن تخسر أيًّا من الطرفين، فهي رغم اعترافها بحكومة الوفاق كحكومة شرعية، تسعى للحفاظ على توازن علاقاتها بمختلف الأطراف في ليبيا كي لا تتأثر إمدادات النفط وعمل شركاتها في ليبيا سلبًا من جرّاء مواقفها.

وبخصوص ألمانيا، نجد أن شركاتها تتولى عمليات التنقيب وتكرير النفط منذ عام 1958، وتمتلك استثمارات في قطاع النفط في ليبيا تبلغ ملياري دولار، لذا فإن من مصلحة ألمانيا أن تستقر الأوضاع السياسية للحفاظ على عمل شركاتها بانتظام ودون أي تهديد، ما يجعل برلين تميل لخفض حدة الصراع في ليبيا عبر التوصل إلى حل سياسي يوقف التدخلات الخارجية.

يرى المحللون عدة مسارات محتملة لحل معضلة النفط الليبي، بعضها نُفِّذ فعليًّا والبعض الآخر ينتظر:

1- اتفاق استئناف إنتاج النفط

في 19 سبتمبر/ أيلول 2020، وقّع الجيش الوطني الليبي اتفاقًا مع أحمد معيتيق، نائب رئيس مجلس الوزراء بحكومة الوفاق، في سبيل استئناف إنتاج النفط من الحقول الليبية بعد شهور من الإغلاق، وكذلك لتشكيل لجنة فنية مشتركة من جانب الطرفين تشرف بدورها على الإيرادات وتضمن بذلك التوزيع العادل للموارد وتقاسم العائدات.

ذلك الاتفاق خلق حالة من الجدل والانقسام بداخل حكومة طرابلس، فبينما رأى البعض أن الاتفاق حيلة لوقف المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، الأمر الذي من شأنه إبقاء الوضع كما هو عليه، دون خطوة حقيقية تجاه الحل، نظر إليه البعض الآخر كخطوة أولية للاتفاق بين القوى المتحاربة في الداخل الليبي، وأنه قد يكون البداية لحل الأزمة السياسية في ليبيا، كما أنه يعد مؤشرًا إيجابيًّا على إمكانية الحل.

2- تجميد عائدات النفط

في مطلع شهر ديسمبر/ كانون الأول 2020، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا دعمها لقرار المؤسسة الوطنية للنفط بتجميد عائدات النفط، استجابة منها لدعوات الشعب الليبي لحماية الثروة النفطية في ليبيا، وذلك كإجراء مؤقت واستثنائي إلى حين التفاوض على ترتيب اقتصادي أكثر “ديمومة” بين الأطراف السياسية في ليبيا.

وحتى يتحقق ذلك الترتيب، فإن الاحتياطات الأجنبية الليبية ستظل كافية لتغطية النفقات الحرجة لميزانية العام المقبل، بما يشمل الأجور والإعانات والخدمات العامة التي يحتاج إليها الليبيون جميعًا.

3- توحيد حرس المنشآت النفطية

أطلقت البعثة الأممية للدعم في ليبيا عملية توحيد لحرس المنشآت النفطية، وأعدت مخططًا لمشروع نموذج التأمين لحقل نفطي في “آران”، الذي من المتوقع أن يبدأ الإنتاج فيه عام 2021، وذلك تحت مظلة مؤتمر برلين بخصوص ليبيا الذي انعقد في يناير/ كانون الثاني 2020.

وأعلن مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، إنشاء قوة جديدة لحماية المنشآت النفطية، والتي يشترك فيها عناصر مدنية وعسكرية، وتتكون قوة الحماية هذه من 3 أركان، الأول يتمثل في الأمن الصناعي التابع للمؤسسة الوطنية، والثاني يتمثل في قوة حماية جديدة تستخدم التقنيات الحديثة، والركن الثالث هو قوة عسكرية قتالية تتكون من كتائب لحماية المنشآت النفطية.

ذلك الجهاز الخاص بحراسة المنشآت النفطية يتبع في عمله وزارة الدفاع، ويحمل على عاتقه مهمة حماية وتأمين الأماكن والمرافق التابعة لقطاع النفط من حقول وآبار ومحطات، بما فيها محطات الضخ والاتصالات وكذلك الموانئ والمستودعات والمخازن.

ورغم بداية انتعاش القطاع النفطي في ليبيا بعد رفع الحصار على منشآته، فإن وضع النفط في ليبيا لا يزال ضمن دائرة الحل والصراع، وذلك باعتبار النفط في ليبيا جزءًا لا يتجزأ من المعادلة السياسية، ومن ثَمَّ لا يمكن الجزم بانتهاء أزمة النفط الليبي ما دام الصراع مستمرًا.

 

سهير الشربيني

باحثة مصرية في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى