قطوف من “كناشات” عبد السلام هارون

عوض الغباري

أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب- جامعة القاهرة

“الكُنّاشات” بالضم والشد: الأصول التى تتشعب منها الفروع، والأوراق تُجعل كالدفتر تقيَّد فيها الفوائد والشوارد للضبط، وتعنى، كذلك، المجموعة والتذكرة. وعبد السلام هارون، شيخ المحققين، قدّم خدمات جليلة للتراث العربى بتحقيقه لكنوزه، وقدَّم هذا الكتاب ليقيِّد فيه خبرته على مدى خمسين عاما فى نحو ثلاثة آلاف مذكرة هى رؤوس مسائل تتصل بالحضارة العربية الإسلامية، وكنوز التراث العربى من آداب وعلوم وفنون.

ومن نوادر هذه الكناشات أن العرب جرّبوا جراحة التجميل منذ زمن طويل، يقول هارون: “جاء فى ترجمة الصحابى الجليل المقداد بن الأسود الكندى أنه كان عظيم البطن، وكان له غلام رومى، فقال له: أشق بطنك، فأخرج شيئا من شحمه حتى تلطف- أى تصير رشيقا- فشق بطنه، ثم خاطه، فمات المقداد، وهرب الغلام” .

وأن العرب كانوا حريصين على محو الأمية، واستدراك مَن فاته التعليم، وحرص الولاة على ذلك.

وكذلك تنظيم خدمة العملاء بنظام الصف للحفاظ على دور العملاء، كما يحدث الآن عند الازدحام لقضاء مصالح فى أى مكان، وأورده “هارون” من آثار الجاحظ فى كتاب “الحيوان”.

مما يدل على سبق العرب للغرب فى شئون الحضارة. أما الأصل الأول للسينما المعاصرة، كما يرى هارون، فخيال الظل، يعنى تحرك الشخصيات خلف الستار. ومن أقدم النصوص التى سجلت هذه الظاهرة قول ابن الجوزى توفى سنة 597هـ أى منذ حوالى ثمانية قرون:

رأينا خيال الظل أعظم عبرة          لمن كان فى أوج الحقيقة راقى

شخوص وأشكال تمر وتنقضى               وتفنى جميعا والمحرك باقى

وكان للعرب رايات ترمز إليهم، مثل راية تميم على صورة العقاب، وبنى أسد على صورة الأسد.

وفى هذا الكتاب القيم تأصيل لبعض الكلمات مثل “البلاط”، وهى عربية أصيلة بمعنى قصر الملك، كما تعنى الأرض المستوية الملساء، وقد وردت فى تسمية بعض المواضع العربية مثل “بيت البلاط” من قرى دمشق بالغوطة.

و”البورى” ، وهو ضرب من السمك، اسم قديم ذكره ياقوت الحموى “توفى سنة 626هـ” فى معجم البلدان : “بورة مدينة على ساحل بحر مصر قرب دمياط، تنسب إليها العمائم البورية والسمك البورى”.

و”الشوربة” و”الشوربجى”: هى بالعربية الحساء أو المرق، ولا علاقة لها بمادة “شرب”… أما الشوربجى فهى نسبة مركبة إلى “شوربا” لصانعها أو القيم عليها . و “الفذلكة” مُجمل ما فُصِّل وخلاصته، وقد وجدها “هارون” فى الفهرست لابن النديم بمعنى نهاية التأليف وحصيلته، فالكلمة قديمة وليست محدثة . و”الصابون” معرَّبة تعريبا قديما أصيلا.

والتعبير عن هوان الرجل الكريم فى وطنه بالقول الحكيم: “ليس لنبى كرامة فى وطنه” ليس حديثا، ولكنه قديم . و”حمّود” و”عبُّود” تسميتان عربيتان فصيحتان . وعرض “هارون” للظواهر الحضارية العربية الأصيلة، ومنها تشجيع طلبة العلم، والإرشاد الصحى كالتحذير من أضرار التدخين من نص للإسحاقى المتوفى سنة 1063 هـ فى كتابه “أخبار الأّوَل فيمن تصرف فى مصر من أرباب الدول” يقول عن على باشا الوالى التركى سنة 1010هـ: “وفى زمنه ظهر الدخان، المضر بالأبدان، اليابس الطباع، الذى لا شئ فيه من الانتفاع، المبطل لحركة الجماع، المسوِّد للأسنان، المهرِّب ملائكة الرحمن، بل ذكر أكثر مَن أكثر منه أن عاقبته وخيمة، ومداومة شربه ذميمة، يورث النتن فى الفم والمعدة، ويُظلم البصر، ويطلع بخاره على الأفئدة”. ويروى الجاحظ قصة جراحة دقيقة فى عصره، كما يذكر تجربة فى جراحة العظام.

أما نجاسة “الخنزير” فتمتد جذورها إلى عقيدة قدماء المصريين، ويستند “هارون” فى ذلك إلى “هيرودتس” . وأما أهمية الإحصاء المدنى لتنظيم شئون الدولة، فقد ذكره الجاحظ أيضا، كما ذكر صورة من طرق الإحصاء الدقيق . وأورد هارون أن الأكل بالشوكة والسكين قديم جدا . ويورد قصصا لترويض الحيوان، وتعليمه.

ولفظ “المولى” من أضداد اللغة، إذ يعنى السيد والعبد، ومن أجل عدم الالتباس بينهما أُطلق على السيد المولى من فوق، وعلى العبد المولى من تحت . ومن كنوز اللغة كساء “موجَّه” أى ذو وجهين . و”الجُمَّة” فى الفصحى للشعر المستعار، وهو ما يطلق عليه الآن “الباروكة” .

ومن تواريخ الألفاظ، نجد أنَّ لفظ “العاصمة” كان يطلق عليه قديما “القصبة، والقاعدة، والمدينة” . وأنَّ قاضى القضاة قديما، كان يعنى وزير العدل الآن  و”الزِّير” كلمة عربية معناها الدَّن، أى الوعاء، والدن إناء الخمر، وزير نساء أى يحب زيارة النساء والزير الأولى مادتها الياء، والثانية الواو . ولفظ “المقندل” يستخدم الآن للسخرية من الشخص الجالب للنحس، وقديما تعنى الذى يتعهد قناديل الزيت، مشتقة من القنديل .

و”الشطرنج” كلمة معرّبة تعريبا قديما بعد اختلاط العرب بالأعاجم. ومن أسماء قِطَعِه “الرُّخ” وأصله اسم لطائر خرافى، ثم أُطلق على القطعة التى تُسَّمى الآن الطابية، كما يقول هارون . وقد تطور لفظ “الإمعة” وهو “الرجل الضعيف الرأى المتهافت الذى يقول لكل أحد: أنا معك”، وكان العرب يعرِّفونه بأنه الرجل الذى يتبع الناس إلى موائد الطعام من غير أن يُدعى ، ومَنْ يُسَمّى “الطفيلى” أيضا، نسبة إلى رجل كان يُدعى “طفيل الأعراس” يأتى الولائم دون أن يُدعى إليها .

و”نائب الفاعل” فى التراث النحوى أصله: “المفعول الذى لم يُسَمَّ صاحبه”. والتعبير بالنائب أحسن .

و”سيبويه” عالم النحو العربى وصاحب “الكتاب” المشهور والذى لم يُعرف له غيره، وجد له عالمنا عبد السلام هارون كتابا آخر عنوانه : “كتاب القوافى” . ويؤصِّل “هارون” لكلمة “أيوه” فى العامية المصرية، فأصلها فى الفصحى “إى” وهى حرف جواب بمعنى نعم، لابد أن يكون بعدها قَسَم، إذ يقول العرب: “إى وربى”. وعوام مصر [يحذفون المُقسَم به، ويقتصرون على “الواو” – أى يقولون : إى وَ – وربما ألحقوها هاء السّكْت: إيوه، أو فتحوا الهمزة: أيوه” . ويرجع “هارون” بنا إلى كتاب عربى فى تفسير ظاهرة المد والجَزْر .

وكلمة “الأوباش” قال الأصمعى فيها: يقال بها أوباش من الناس، وأوشاب من الناس، وهم الضروب المتفرقون . و”المراكبى”، الذى يعمل بالمركب، من اللغة الأصيلة التى لها مدلول حضارى عربى قديم، يتأبَّى عليها لفظ “الملاح”، لأن المركَب لفظ يشمل كل ما يُركب من فرس أو سفينة أو غير ذلك . وقد عرف العرب مرض “البلهارسيا” قبل اكتشاف الطبيب الألمانى “بلهارس” لها فى العصر الحديث سنة 1851م  وقد استخدم العرب الحيل الحربية مثل تغطية الجيش بالشجر للتمويه .

كما أنَّ تسمية “الدبابات” قديمة جدا، والمضمون مختلف ، “فالدبابة” آلة تتخذ من جلود وخشب لاقتحام الحصن، والوقاية مما يصيب المحارب.

ولم يكن لفظ “الوزير” مستخدما حتى العصر العباسى . ومن الألفاظ العربية النادرة “تجوهرت” وتجوهرت الأمور أى وضحت وتكشفت.

وكلمة “الطُّرطور” من صميم اللغة العربية، وأخذها الفرس والترك من العرب، و”الطرطور” الوغد الضعيف من الرجال، والجمع “الطراطير”. والطرطور قلنسوة للأعراب طويلة الرأس. “وقد جرت هذه الكلمة فى لغتنا المعاصرة، لكن بفتح الطاء الأولى، بمعنى الرجل الذى ليس له حل ولا عقد، والذى لا يُعبأ به ولا بمكانه بين القوم”.

ويشير اللفظ العربى الأصيل لكلمة “الجرثومة” إلى معان جميلة خلافا لما هى عليه من معنى قبيح الآن.

يقول جرير فى المدح:

يا آل مروان إن الله فضلكم           فضلا قديما وفى المسعاة تقديم

قوم أبوهم أبو العاصى وأُمُّهُمُ          جرثومةٌ لا تساويـهـا الجراثيم

يعنى الأصل السامى، والعِرْق الكريم.

والجرثومة فى فجرها اللغوى تعبير جميل عن أصل كل شئ ومجتمعه، كما يقول هارون.

والمثل القائل “إذا عُرِف السبب بطل العجب” قديم، وليس وليد اليوم.

وتاريخ يوم عاشوراء قديم فى تاريخ العرب قبل الإسلام، كانت قريش تصومه فى الجاهلية، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى أن فُرِض صيام شهر رمضان.

ومن الطريف أنَّ ابن سينا ألف كتابا بعنوان “لسان العرب” فى عشرة أجزاء ، إذ لم يستقل ابن منظور بهذا العنوان لمعجمه اللغوى المشهور. وكلمة “الحلزون” عربية أصيلة، وهى دابة من جنس الأصداف.

وقد ذكروا أن الأحاديث القدسية التى يضيف فيها رسول الله –ص- قولا إلى الله عز وجل، تزيد على مائة حديث، ولفظ الحديث القدسى من عند الرسول.

وقد عاش أبو حيان الأندلسى المتوفى بالقاهرة سنة 745هـ خمسة وأربعين سنة فى المقطم، وقال إن الناس زعموا أنَّ به كنوزا لكنه لم ير أثرا لذلك.

“والدُّقة” ليست عامية، بل هى عربية فصيحة بمعنى الملح المدقوق، أو ما خُلِط من التوابل . ويمضى هذا الكتاب لعبد السلام هارون على هذا النحو الرائع بين معلومات طريفة تجذب القارئ وتعلمه وتمتعه، وإثارة لما فيها من سرد قصصى، وتشويق، وكذلك ما يشتمل عليه هذا الكتاب من استقصاء لمصادر التراث العربى المتنوعة، وتتبع تاريخى ثقافى حضارى للمواد التى أوردها.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram