زواياقصص مصورة

قلب الزبالة.. “نبطل نقول يع”

 

الجمال الذي أهدتنا إيَّاه الزبالة في صور عكْس واقعها، أعادتني لجملة: “نبطل نقول على الزبالة يع”، بعد تغييرنا زاوية الالتقاط/ الرؤية. في الزبالة ثروات جاهزة لإعادة التدوير والنظر، مثلما فعلت الكاميرا.

قبل خمس سنوات، سكنت في عمارة تقع بنهاية ممر صغير متفرع من شارع ترام “كليوبترا الصغرى”، أحد أرقى أحياء الإسكندرية. 

في الممر حديقة على هيئة مستطيل ناقص ضلع، اتخذَتْها حضانة بالدور الأرضي كفُسحة لأطفالها، الذين ارتفعت صيحاتهم لتصلني في الدور الخامس، مصحوبة برائحة “زبالة” نفاذة.

عدد صناديق القمامة لا يناسب كثافة سكان الحي، وإنْ وُجدت فهي مدفونة وسط أكوام زبالة ضخمة، اخترع السكان لها نقاطًا ضمنية على طول خط الترام. مع الوقت حفظتْ سيارات جمع القمامة تلك النقاط كمحطات لهم. ولأنها بلا صناديق، استغرق جمعها مجهودًا أكبر وتقليب روائح أكثر تنوعًا وتوغلًا في الأنوف. 

تأخرت عربات الجمع ذات يوم، فاختنقتُ وتساءلتُ عن حال الأحياء الشعبية والممرات الأضيق التي لا يصلها جامع زبالة: كيف يعيش أهلها مع هذه الروائح والمناظر؟ وتذكرت دعوة صديقتي مريم القويسني: “يا رب نبطل نقول ع الزبالة يَعْ..”. 

فكّرتُ في استثمار كنز الزبالة المقيم في شوارعنا ما دام وجوده مفروضٌ علينا، وبدلًا من كونها أزمة ثقافة وإهمال، نستفيد كشعب. 

قررتُ النزول فجرًا إلى كوم الزبالة المقابل للممر، بعد شراء عدسات “ماكرو” للتصوير عن قرب، والتقطتُ مجموعة صور تجريدية من عمق زبالة، رأى أصدقاء إحداها “أكلة سوشي”، بينما لم تكن في الحقيقة إلا ثمرة يوسفي متعفنة.

الجمال الذي أهدتنا إيَّاه الزبالة في صور عكْس واقعها، أعادتني لجملة: “نبطل نقول على الزبالة يع”، بعد تغييرنا زاوية الالتقاط/ الرؤية. في الزبالة ثروات جاهزة لإعادة التدوير والنظر، مثلما فعلت الكاميرا.

استمر مشروع تصوير الزبالة خمس سنوات بين الإسكندرية والقاهرة، واخترتُ الشروق توقيتًا لأيام التصوير خشية مضايقات الناس. ومع الوقت اكتشفت بقائي لساعات وسط الزبالة بالكمامة دون أي دهشة من أحد؛ ربما اعتادت أعينُهم مشهد النبَّاشين أو المشرَّدين ممَّن تسدُّ الزبالة جوعهم. 

 

تابعت مبادرات المجتمع المدني لتوعية البشر بأهمية فصل القمامة وإعادة تدويرها، وأخرى لتجميل الشوارع، لكن كم من الوقت سنحتاج لنغير ثقافة شارع رُسّخت لسنواتٍ؟ 

كيف أقنعت الحكومة الألمانية مثلًا مواطنها الشاب، زوج أختي، أن يرجع بكيس القمامة إلى البيت لأنه وجد الصندوق المخصص له ممتلئا، ليؤجل رميه لثاني يوم، وسط ذهول أسرتي لأنه “ماعرفش يتصرف”. 

قال ألكساندر، ردًّا على تساؤل أبي: “لماذا لم تترك الكيس بجانب الصندوق؟”: “ده شكل قبيح للشارع ومدخل بيتي، ثم أن موظف جمع القمامة لا يستخدم يده في الجمع، ميكانيزم السيارة يقلب صندوق الشارع في حاوية السيارة ويعيده. كيف سيرفع الكيس الوحيد إذن؟! وكيف سيكون الحال إذا نبش كلب هذا الكيس؟”.

 

من تونس، عاد صحفي الفن، “م.ح”، بعد تغطيته فاعليات مهرجان قرطاچ، مزكومًا من تغيير الجو، ومبهورًا بمستوى النظافة والنظام بشوارع المدينة هناك. حكى كثيرًا عن إعجابه، وهو يخرج مخاطه في منديل كل دقيقتين، مُلقيًا به من شباك سيارته بعصبية تصحبها لعنات وحسرة على مستوى نظافة شوارعنا.

 

يبدو أننا مضطرون، بشكل عملي وواقعي، على احتضان هذا القبح/ زبالتنا، واحتوائه بجمال ولو مصطنع، كتلك الصور التي تأخذنا الآن في رحلة وهمية ملونة إلى قلب الزبالة.

 

ندى ثاقب

مصورة مصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى