وجهات نظر

قنابل موقوتة: مخيمات التطرف.. مخازن عنف محتمل

علي بكر

رغم مرور قرابة عامين من القضاء على ما يسمى “دولة داعش” المزعومة في سوريا والعراق، بعد تحرير جميع المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم، فإن مخاطره لم تنته بعد، في ظل وجود مخيمات عدة تأوي الآلاف من أسر وعائلات مقاتلي التنظيم، الذين لقوا حتفهم خلال المعارك، إلى جانب القبض على أعداد كبيرة منهم داخل تلك المخيمات، ما يجعلها أشبه بـ”قنابل موقوتة” يمكن أن تنفجر بين لحظة وأخرى، فتهدد أمن واستقرار المنطقة كلها، خصوصًا في ظل سيطرة أفكار التنظيم على أجزاء واسعة منها.

بذا تصاعدت أعمال العنف ضد من يخالفون تعليمات التنظيم أو يمتنعون عن تنفيذها، على غرار ما أعلنت عنه الإدارة الذاتية لمخيم “الهول” بأنها تمكنت من اعتقال 3 عناصر موالين لتنظيم داعش في 17 يناير/ كانون الثاني 2021 بتهمة قتل أحد نزلاء المخيم، وفصل رأسه عن جسده بسبب رفضه الامتثال للقوانين المفروضة على النزلاء من قبل التنظيم، وهو ما يطرح تساؤلًا عن أهم التداعيات والمخاطر المحتملة لبقاء تلك المخيمات في المنطقة العربية، خصوصًا في ظل تخلي العديد من الدول الغربية عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها من الأطفال والنساء، نزلاء تلك المخيمات.

معاقل بديلة

لم تعد مخيمات التطرف الموجودة في سوريا والعراق مجرد مأوى لمن تبقى من عائلات مقاتلي تنظيم داعش، وإنما صارت بؤرة داعشية بمعنى الكلمة، في ظل سيطرة أفكار التنظيم ومعتقداته عليها، حتى إنه يصعب أن يوجد بين نزلائها من يستطيع أن يجاهر بمعادة التنظيم أو مخالفة أفكاره، لأن ذلك سيعرضه للإيذاء الجسدي أو ربما للقتل، فعلى سبيل المثال شهد مخيم الهول –الذى يضم العدد الأكبر من نساء وأطفال داعش- العديد من حالات إحراق الخيام لمن يخالفون أحكام التنظيم، من قبل من يطلق عليهم “لجان الحسبة أو عناصر التنظيم المنتشرين داخل المعسكر”، رجال ونساء على حد سواء، ما أدى إلى تعدد عمليات القتل داخل المخيم، حسبما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 25 ديسمبر/ كانون الأول 2020 بأن مسلحين موالين لـ”داعش” اغتالوا لاجئًا عراقيًّا أمام خيمته بالمخيم بسبب تعاونه مع العاملين في “قسد” والإدارة المدنية في مخيم الهول.

ومما زاد الأمر سوءًا، تردي الأوضاع الصحية والاجتماعية بالمخيم، الذى يؤوي قرابة 70 ألف شخص، في حين أن قدرته الاستيعابية لا تتعدى 50 ألفًا، ويشكل السوريون والعراقيون النسبة الكبرى من تعداد قاطنيه، كما يضم قسمًا خاصًا بالنساء الجنبيات المهاجرات وأطفالهن ويتحدرون من 50 دولة غربية وعربية، يبلغ عددهم نحو 11 ألف سيدة وطفل، بينهم 3177 امرأة، ما جعل السيطرة الأمنية عليه صعبة، خاصة بعد الغزو التركي لشمال غرب سوريا، الذى اضطر قوات سوريا الديمقراطية المسؤولة عن حماية المخيم إلى سحب أعداد من مقاتليها لمواجهة ذلك الغزو، ما جعل عناصر التنظيم، مديري الأمور داخل المخيم، يفرضون سيطرتهم بقدر كبير على جميع النزلاء، حتى صارت مناهج التنظيم الفكرية والعقائدية تدرس على الجميع إجباريًّا.

ورغم أن تلك المخيمات تؤوي خليط عائلات داعشية وأخرى لا علاقة لها بالتنظيم، فإن العناصر التابعة للتنظيم فرضت سيطرتها عليها، وصارت أجزاء كبيرة منها خاضعة لسيطرتهم وتفرض فيها القوانين والأحكام الداعشية، دون مقاومة من نزلاء المخيم، فقد قال مدير مخيم الحسكة في مارس/ آذار 2020، إن المخيم يبدو تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية من الخارج، في حين أن أجزاء كبيرة منه تحت قبضة تنظيم “داعش”، ما جعلها معسكرات لإعادة إنتاج نسخة داعشية جديدة.

مخاطر مستقبلية

يمكن القول بأن استمرار بقاء مخيمات التطرف في المنطقة العربية، يحمل مخاطر على أمن واستقرار المنطقة، خاصة بعد أن تخلت الدول الغربية عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها في تلك المخيمات، والاكتفاء بالفرجة عن بعد، في انتظار ما ستسفر عنه التطورات داخل المخيمات، ويمكن تحديد أبرز تلك المخاطر في النقاط التالية:

الحفاظ على أفكار داعش:

رغم أن مخيمات التطرف في المنطقة تضم خليط أسر مقاتلي داعش من جنسيات عدة، وأسرًا نازحة بسبب المعارك التي لا علاقة لها بالتنظيم، فإن من يدير تلك المخيمات هم بقايا قيادات تنظيم داعش، وهذا الأمر ليس مقصورًا على الرجال، وإنما يظهر بنحو أشد في الأجزاء التي يوجد فيها نساء التنظيم، لا سيما التي تنتشر فيها الداعشيات العراقيات والغربيات اللاتي يتصفن بالتطرف الشديد، والتمسك بأفكار التنظيم إلى أبعد حد.

خلق جيل داعشي جديد:

خلال الفترة التي أحكم فيها تنظيم داعش سيطرته على العديد من المناطق داخل سوريا والعراق، تحت شعار “دولة الخلافة” المزعومة، ولد الآلاف من الأطفال لأمهات داعشيات من جنسيات شتى، سرعان ما وجدوا أنفسهم في أتون معارك دامية بين التنظيم والقوى التي ترغب في القضاء عليه، قتل فيها آباؤهم وأقاربهم، ثم انتهى بهم المطاف داخل مخيمات تعاني من تدني الخدمات الصحية والاجتماعية، وفي حضانة أمهات يتصفن بالتطرف الشديد ويعتنقن الفكر الداعشى، في ظل سيطرة التنظيم على العديد من أجزاء تلك المخيمات، ما سيجعل هؤلاء الأطفال يمثلون جيلاً داعشيًّا جديد، غالبًا ما سيكون أكثر تطرفًا وعنفًا من الجيل الحالي، لأنهم تعودوا منذ نعومة أظفارهم على مشاهد القتل والدماء، إضافة إلى أنهم صاروا حاليًّا على أعتاب بداية مرحلة الشباب، فسنهم عندما دخلوا إلى تلك المخيمات كانت تتراوح بين 6 و10 أعوام، وهو ما سيجعلهم يمثلون موردًا بشريًّا مؤهلاً للانخراط في صفوف التنظيم، أو غيره من التنظيمات التي يمكن أن تظهر لاحقًا.

إعادة ترميم الهيكل التنظيمي:

تعاني مخيمات التطرف من تردي الأوضاع الإنسانية لتكدس الأعداد من النساء والأطفال، وعدم وجود دعم دولي يلبي احتياجاتهم، وهو ما ألقى عبئًا كبيرًا على قوات سوريا الديمقراطية التي تتولى الإشراف على معظم تلك المخيمات، ما دفعها للإعلان في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2020 عن وجود توجه لديها لإفراغ مخيم الهول من السوريين والإبقاء على الأجانب فقط، لأنها لم تعد قادرة على تحمل المبالغ الباهظة لتأمين الخبز والمياه، ما يعنى سيطرة تنظيم داعش بالكامل على المخيم، لأن العناصر الأجنبية تعد القوام الرئيس للتنظيم داخل تلك المخيمات، على خلاف السوريين الذين لا ينتمي معظمهم إلى التنظيم، وهو ما سيساعد التنظيم على إكمال مشروعه الخاص بإعادة بناء وترميم هيكله التنظيمي الذى تآكل بسبب تعدد الضربات المتتالية طيلة الأعوام الماضية، والذى بدأه مطلع 2019ـ

وكشف المتحدث باسم الاستخبارات العراقية في 14 إبريل/ نيسان 2019 أن عناصر وقيادات داعش جعلوا من مخيم الهول مقرًا لتنسيق تحركاتهم لإعادة بناء قدراتهم التنظيمية، ما يعنى أن تلك المخيمات بمثابة محطات لإعادة ترميم التنظيم.

تفجر موجة من العنف الداعشي:

تضم مخيمات التطرف أعدادًا ضخمة من عناصر تنظيم داعش قادرين على حمل السلاح وممارسة العنف، فصارت تمثل “خزانًا بشريًّا” من المقاتلين يمكن أن ينفجر في أي وقت، خاصة مع تنامي النفوذ والسيطرة الداعشية، وبالتالي فإنه حال فقدان السيطرة الأمنية على تلك المخيمات لسبب أو آخر، فإن ذلك سيكون أشبه بحالة من التشظي الداعشي، الذي يحمل في طياته موجة عنف غير متوقعة، خاصة أن العديد من نزلاء تلك المخيمات صاروا يفضلون الموت على البقاء فيها، لكن ما يمنعهم من ذلك هو الاعتقاد بحرمة قتل النفس، لذا يتحينون الفرصة الملائمة للموت في اشتباكات مسلحة.

على ضوء ما سبق، يمكن القول بأن استمرار بقاء مخيمات التطرف في سوريا والعراق خطر كبير على أمن واستقرار المنطقة، في ظل ضخامة الأعداد داخلها من أطفال ونساء ورجال موالين لتنظيم داعش، وعدم وجود رؤية واضحة، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي للتعامل مع تلك المخيمات، ما يعنى أننا أمام بؤرة داعشية ملتهبة لن يدرك العالم مدى خطورتها إلا بعد أن تطاله نيرانها.

 

علي بكر

باحث في شؤون الحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى