محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

بحسب الكاتب المسرحي الفرنسي “جان كوكتو” فإن “مأساة عصرنا تتمثل في كون البلاهة تفكر”، وهو أمر انتبه له قبل “كوكتو” “نيتشه”، فحصر مهمة الفكر الرئيسية في “إزعاج البلاهة ومضايقتها”، ويتبدى معنى هذه السمة المأساة في مفردات، مثل: الجهل، والغفلة، والعشوائية، وضعف العقل، والحمق.. إلخ.

مظاهر امتدت من العوالم الفكرية والثقافية لتضم الحياة العملية واليومية في مختلف تجلياتها، حيث تسود السطحية والعشوائية، والقبول بالأمر الواقع، والاعتيادية، وضعف القدرات، والاستسهال..، وتحت هذا الوابل تأسس بواقعنا البائس “نظام للتفاهة”.

نظام تسلل الفيلسوف الكَنَدي “آلان دونو” إلى أروقته ودهاليزه بغرض الكشف، فكان أول إشارة رصدها تُلمح إلى تغول التفاهة، ارتقاء الفرد المتوسط إلى السلطة.

هذه الإشارة هي مبتدأ التفاهة لإقامة نظام يشترك الناس -على سبيل المثال- عبره في تصنيع منتجات لا يكترثون لها، ويبيعون كتبًا هم أنفسهم لا يقرءونها، ويروجون لمنتجات لا يعرفون عن طبيعتها شيئًا، وينشرون رؤى أو نظريات لا يدركون أبعادها ولا مدى تأثيرها.

حاز التافهون السلطة، أما سيطرتهم التي تحققت على مدى زمني طويل فجاءت نتيجة إلى أن المهنة استحالت إلى وظيفة تستهدف فقط حفظ البقاء. صار العمل مجرد نمط، والثقافة “أفكارًا جاهزة” ومواد للتسلية والترفيه، وفي السياسة استبدل السياسيون بالتكنوقراط والإرادة الشعبية بـ”المقبولية الاجتماعية”، وأمست المصلحة العامة مجرد مفهوم مضلل يعبر عن مصالح جماعات بعينها.

في هذا العالم يوجه “آلان دونو” نصيحة للجميع “لا لزوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن روحانيًّا ولا فخورًا، فهذا يظهرك متكبرًا. لا تقدم فكرة جيدة، فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة. وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة –أي مرونة وقابلية للتشكل- وكن كذلك. عليك أن تكون قابلًا للتعليب. لقد تغير الزمن، فالتافهون أمسكوا بالسلطة”.

قبل وقوع الانقلاب وإحكام التافهين سيطرتهم كان ذوو المعايير العالية والقدرات الفريدة هم أصحاب الأمر والنهي، وبعد تغيير القواعد أمسى ذوو المعايير المتدنية هم سادة “اللعبة”، حيث القبول بالحد الأدنى والالتزام بالتبسيط أو التسطيح، ومسايرة كل ما يتماشى مع طبيعة الحياة اليومية.

في ظل هذه السلطة أصبحت المعايير الرفيعة سببًا في الإقصاء إذا لم يتواضع أصحابها ملتزمين بضوابط ذوي المعايير المتدنية، لكن هذا لا يعني أن الأخيرين متقاعسون في أعمالهم، على العكس فهم منشغلون دائمًا ومجدون، كما يظهر أمام الناس.

يمسي العمل ادعاءً، ونتاجه وهمًا، لاحتجاب الإتقان وغياب الإبداع وانقطاع الأصالة، وغالبًا ما يحتفي التافهون بالتقنية فهي ضرورية لإخفاء الكسل العقلي والإفلاس الفكري، مراهنين على ما لبهرجة التقنية من قدرة نفسية في التأثير على العقول.

ورغم اصطباغ هذه العملية بالزيف، لكن التقييم يتغافل عن فضح زيفها، حيث يقع التقدير على عاتق أناس تتفق مصالحهم واستمرار تلك العملية، كأن يُقدم أحدهم مثلًا عملًا سينمائيًّا لا يحمل رؤية مبدعة أو أصيلة ولا نصًّا ذا عمق، معتمدًا على التقنية واختيار موضوع يبتز عواطف الناس أو يغازل السلطة إضفاءً للقيمة، لكن مع ذلك قد تُفاجَأ بحصد هذا العمل السينمائي الجوائز، فالمصلحة تقضي تكريس تلك النوعية من الأعمال.

ما يقوم به التافهون خلال كدهم في أعمال تفتقد أي قيمة، معتمدة فقط على البهرجة؛ يجعلهم قريبي الشبه بأولئك الذين وصفهم “نيتشه” بأنهم “يكدرون مياههم كي تبدو عميقة”.

وفي سبيل الاقتراب أكثر، كشفًا لخبايا “نظام التفاهة”، استخدم “آلان دونو” مفهوم “اللعبة”، في إشارة إلى استبعاد القيم والاكتفاء بمعيار المكسب والخسارة، ليوصف سير الأمور في ظل حكم التفاهة.

استقر “دونو” على أنه حكم هزلي غير ديمقراطي، تصمه العشوائية، ويسوده جو من الاعتباطية واللا توقع، وفي حالة وضع لوائح أو بروتوكولات ما فإن مشرفي “اللعبة” يستعملونها أداة ضد الآخرين أكثر منها لضبط الأداء، وليس من حق اللاعبين مناقشة القواعد الموضوعة أو الاعتراض عليها أو حتى تبرير مواقفهم.

ولـ”نظام التفاهة” نزعة توسعية تتمثل في قدرته على استقطاب أتباع جدد، وفي تمكنه من بسط نفوذه على ممارسات جديدة كل يوم، لتدار “اللعبة” وفق معايير أبعد ما تكون عن الحيادية والموضوعية. منها -على سبيل المثال- المحاباة، فالتافهون يوالون بعضهم بعضًا، ولهم لغتهم الخاصة، الفارغة من المعنى والمكرورة، والتي تنزع إلى التسطيح، وتجزع من كل ما هو مجرد أو جديد أو غير مألوف.

ويدعم اللغة ثقافة تقيم جدارًا عازلًا يحول دون اختراق وعي التافهين، منعًا لتطلعهم إلى مساحات من التفكير لا تتطلبها طبيعة أعمالهم الروتينية، وتسهيلًا عليهم كذلك في التعامل مع ما هو غير جائز وكأنه ضرورة لا غنى عنه، وما هو مرفوض ومستهجن وكأنه حتمي لا سبيل لتجاوزه، تمسي الثقافة أداة لتوطين التفاهة وبسط نفوذها.

ويلتزم تقييم منتجات الثقافة المزعومة بمعيار وحيد هو “الأكثر مبيعًا” و”الأوسع رواجًا”، وفي هذه المنظومة يُستبدل المثقف بـ”الخبير” الملتزم دومًا بمتطلبات السوق وأهدافه، وهذا الخبير أقرب في طبيعته إلى “التقني”، لهذا السبب لا فرصة معه لإحداث أي تغيير، بخلاف المثقف بما يملكه من استقلالية ومعارف أكثر عمقًا تتيح له القيام بهذا الدور.

رغم كل ما ذُكر فإن النتيجة الأكثر خطورة لاستقرار “نظام التفاهة” التي ربما لم يقف عندها “دونو”؛ هي فقدان المرء القدرة على التمييز، لتتشابه لديه الأمور، فيعجز عن التفرقة بين الجيد والردئ، الحسن والقبيح، الصدق والكذب، الحق والباطل، السطحي والعميق، الواقع والوهم، وينجم عن ذلك فوضى معرفية تتأسس على نفي المرجعيات والمعايير والضوابط، فتنتفي بنفيها الإنسانية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search