زوايامختارات

كابتن إدوارد سميث: أين كنت عندما غرقت”تايتنك”؟!

 

لا أحد يعلم على وجه اليقين أين كان الكابتن “إدوارد جون سميث” في تمام الساعة 11:40 من مساء يوم الأحد 14 إبريل/ نيسان 1912. لكن شهودًا قالوا إنهم رأوه في قمرة قيادة “السفينة تايتنك” بعد ذلك بثوانٍ معدودات يتساءل عما اصطدمت به سفينته متعددة الطوابق التي كانت تمخر عباب المحيط في رحلتها الأولى عبر الأطلسي.

“جبل جليدي يا سيدي”، كما أجابه الضابط الأول على السفينة، ويليام مردوخ.

كابتن إدوارد سميث

بهذا بدأت أسوأ ليلة في حياة سميث، التي كانت ستمسي ساحرة لولا هذا الحادث المأساوي. فعلى مدى ما يزيد على 40 عامًا قضاها القبطان في عرض البحر، لم يكابد سميث حوادث بحرية إلا في ما ندر، ولم يعد يومًا مسؤولاً عن أي منها. والآن، هو على وشك تحمل مسؤولية واحدة من أسوأ الكوارث البحرية على مر العصور. فخلال سويعات قلائل، سيموت أكثر من 1500 من ركاب السفينة وأفراد طاقمها، بمن فيهم سميث نفسه.

لم يُعثر على جثمان سميث على الإطلاق، وبقيت اللحظات الأخيرة من حياته تهيم في بحر من الغموض، وتكتنفها سحائب التناقض بين الروايات، بما في ذلك رواية قفزه من السفينة حاملاً رضيعًا بين يديه. وكما كتب المؤلف وين كريج ويد في كتابه The Titanic: End of a Dream (تيتانك: نهاية حلم): “توجد 5 روايات على الأقل عن وفاة كابتن سميث، تتراوح بين مدارج البطولة ودركات العار”. إضافة إلى ذلك، لم تعدم “قصة” الكابتن سميث شائعات حول نجاته من الغرق، وبقائه على قيد الحياة لفترة من الزمن.

غلاف كتاب The Titanic: End of a Dream (1979)

تقارير متضاربة حول الأضرار

في البداية، بدا الأمر كأن حظ سميث سيصمد أمام الكارثة. فقد أجرى الضابط الرابع على السفينة، جوزيف بوكسهول، معاينة سريعة، وعاد إلى قمرة القيادة ليفيد بأن السفينة لم تُصب بأية أضرار. لكن إحساس الراحة الذي تنسمه سميث في هذه اللحظات لم يلبث أن تبدد. فقد أفاد توماس أندروز، كبير مصممي السفينة، بأن معاينته كشفت عن انهمار المياه في 5 مقصورات على الأقل من مقصورات تايتنك المقاومة للمياه، والبالغ عددها 16 مقصورة. وبينما كان من الممكن أن تظل السفينة طافية في حال انهمار المياه في 4 مقصورات فقط، بحسب مواقعها، فإن غرق الخامسة يُدخِل السفينة في مرحلة كارثية. وتفيد تقارير بأنه في منتصف الليل تقريبًا أخبر أندروز قائد السفينة بأن “تايتنك” يمكن أن تقاوم لمدة 60 إلى 90 دقيقة أخرى.

عندئذ، أدرك سميث أن سفينته محكوم عليها بالغرق. كما أدرك أيضًا أن قوارب النجاة البالغ عددها 20 قاربًا، وتحمل حتى 1178 راكبًا، لن يسعها إنقاذ أكثر من 2200 من الركاب وأفراد الطاقم.


بطاقة بريدية يعود تاريخها إلى مايو/ أيار 1912، تظهر السفينة “تايتنك” التي غرقت بعد اصطدامها بجبل جليدي، في رحلتها الأولى من ساوثهامبتون إلى نيويورك في 14 إبريل/ نيسان 1912، وتحيي ذكرى قبطانها إدوارد جون سميث.​

سفينة الإنقاذ الوهمية

كان الأمل لا يزال يداعب قبطان السفينة بتجنب الكارثة، ولو بقدر. وبعد الاصطدام بوقت قصير رأى سميث وضباط آخرون ما اعتقدوا أنه أنوار سفينة قريبة. وقدر بعضهم المسافة بما لا يزيد على 5 أميال.

وفي الساعة 12:05 صباحًا، أصدر سميث أوامره برفع الغطاء عن قوارب النجاة وتحذير الركاب، كما أصدر تعليماته إلى عاملَي اللاسلكي على متن السفينة بالاستعداد لإطلاق إشارات الاستغاثة. وبعد 10 دقائق –وفقا لتقديرات عامل اللاسلكي الذي بقي على قيد الحياة– عاد سميث وأصدر إليهما تعليمات جديدة بإرسال إشارة الاستغاثة CQD (تعالوا سريعًا، محنة) وهو نداء الاستغاثة المتعارف عليه عالميًّا آنذاك، والذي استبدل بعد ذلك بـ SOS (أنقذوا أرواحنا).

لم تستجب السفينة المرصودة للنداء، لكن سفنًا أخرى عديدة بادرت بالرد، فأجابتهم السفينة “آر إم إس كارباثيا”، الأقرب إليهم، بأنها ستغير مسارها وتسرع إلى موقع السفينة “تايتنك”. لكن “كارباثيا” كانت على مسافة 58 ميلاً (أي نحو 4 ساعات) وكانت الساعة آنذاك قد تجاوزت 12:30 صباحًا بقليل.

وعلى أمل لفت انتباه السفينة الغامضة المجاورة، أمر القبطان بإطلاق صواريخ الاستغاثة في الساعة 12:45 صباحًا. وفي الوقت نفسه، حاول بوكسهول التواصل معها عن طريق الإشارات الضوئية عبر إطلاق وميض طلب المساعدة بشفرة “مورِس”. لكن، لم تسفر كلتا المحاولتين عن أي رد.

صورة لبعض ألعاب الأطفال قبل وقت قصير من غرق السفينة

حالة صدمة؟!

كانت الساعة أيضًا نحو 12:45 صباحًا عندما أنزل أفراد طاقم “تايتنك” أول قارب نجاة إلى سطح المحيط. ورغم أن تعليمات سميث برفع الغطاء عن القوارب كانت قد صدرت قبل ذلك بنحو 45 دقيقة، لم تصدر أوامر ببدء تحميلها وإنزالها حتى ذكّره بذلك الضابط الثاني، تشارلز لايتولر، عندما سأله: “أليس من الأفضل أن نحمل النساء والأطفال في القوارب يا سيدي؟”.

كانت هذه واحدة من حوادث عديدة دفعت بعض المؤرخين للتساؤل عما إذا كان سميث قد غيبته حالة الصدمة.

وفي حادثة أخرى، أمر سميث بإنزال قارب نجاة من منصة القوارب بسطح السفينة إلى سطح الممشى، حتى يستطيع الركاب الوصول إليه أسهل. “ألم تنس يا سيدي أن جميع النوافذ الزجاجية مغلقة؟”، كما ذكّره أحد الركاب بلطف. فأجابه سميث: “نعم، أقسم بالله إنك محق”. وتشير هذه الحادثة إلى أن سميث، في ما يبدو، قد خلط بين سطح ممشى “تايتنك” المغلق جزئيًّا، وسطح الممشى المفتوح تمامًا في السفينة “أوليمبيك” التي كان يقودها في السابق.

وبدءًا من هذه اللحظة، اتسمت تصرفات سميث بمزيد من الغموض. فقد صار أكثر إصرارًا على الاستعانة بالسفينة الغامضة، حتى إنه أمر أحد أفراد الطاقم بالإبحار بقارب نجاة واحد على الأقل في اتجاه الضوء، وإنزال الركاب بتلك السفينة، والعودة إلى “تايتنك” مرة أخرى لاصطحاب المزيد.

تابع سميث أيضًا وصول أي ردود مع عاملَي اللاسلكي دوريًّا حتى الساعة الثانية صباحًا، عندما أصدر إليهما تعليماته بترك العمل ومحاولة إنقاذ نفسيهما.

على المستوى الظاهري، يبدو لكثير من المراقبين أن سميث تمسك برباطة جأشه، وأدى دوره كقبطان للسفينة حتى آخر لحظة. “كان كابتن سميث متحمسًا للغاية، لم يلاحظ الركاب ذلك، لكنني لاحظته”، كما كتبت ماي سلوان، إحدى مضيفات “تايتنك” التي نجت من الغرق، في رسالة بعد الكارثة بوقت قصير. وأضافت: “تيقنت حينئذ بأننا سنجتاز الأزمة في الحال”.

صورة للقبطان إدوارد جون سميث مع أحد مساعديه

روايات موت متعددة

في الساعة 2:20 صباحًا، اختفى آخر جزء من “تايتنك” بين الأموج. لا أحد يعرف على وجه التحديد كيف قضى سميث اللحظات الأخيرة على متن السفينة، فقد تضاربت التقارير حد التناقض.

فقد أفادت تقارير صحفية مبكرة زعمت أنها تستند إلى شهادات شهود عيان أنه أطلق النار على نفسه من مسدس. إلا أن هذه الرواية لم تحظ بمصداقية لدى كثير من المؤرخين. من جانبه، قال مشغل اللاسلكي الذي نجا من الكارثة، هارولد برايد- وهو شاهد أكثر موثوقية– إنه رأى سميث “يقفز من قمرة القيادة إلى البحر”. وقال آخرون إن موجة جرفته، أو بعد أن جرفته سبح عائدًا إلى “تايتنك” ليلقى حتفه على متنها.

وزعم شهود كثر أنهم رأوه في المياه. ووفقًا لرواية منسوبة إلى رجل إطفاء “تايتنك” هاري سينيور، فقد ألقى سميث بنفسه من السفينة “حاملاً طفلاً رضيعًا بحنان بين ذراعيه”، وسبح به إلى قارب نجاة مجاور، حيث أودع الطفل ركابه، ثم سبح عائدًا إلى “تايتنك” قائلاً: “سوف أتبع السفينة”.

واعتقد آخرون أنه شق طريقه إلى قارب نجاة مقلوب، لكنه أفلته ربما عندما سقطت إحدى مداخن “تايتنك” الهائلة في المياه على مقربة منه.

جبل الجليد المسؤول عن غرق السفينة “تايتنك” في عام 1912

هل مات حقًّا؟

لكن تبقى التقارير المنتشرة على نطاق واسع، والتي تؤكد عدم موته، هي الأغرب على الإطلاق. على سبيل المثال، في يوليو/ تموز 1912، أي بعد 3 أشهر من وقوع فاجعة “تايتنك”، أفاد رجل من بالتيمور يُدعى “بيتر بريال” بأنه رأى سميث في شوارع المدينة. لم يكن بريال مجرد مهووس، وإنما رجل أعمال محلي يحظى بتقدير كبير، ادّعى يومًا أنه كان ضابطًا على متن السفينة “وايت ستار لاين ماجستيك” قبل نحو 30 عامًا عندما كان سميث قبطانًا عليها. إضافة إلى ذلك، قدم طبيب بريال إفادة بأنه “عاقل تمامًا، وغير مصاب بالهلوسة”.

في الواقع، أكد بريال أنه رأى سميث مرتين؛ الأولى في يوم أربعاء ثم في السبت التالي، عندما عاد إلى نفس المكان للبحث عنه. وبعد ساعة من الانتظار، قال بريال إنه رأي سميث قادمًا، فدنا منه وسأله عن حاله، فأجابه: “بخير يا بريال، لكن من فضلك لا تعطلني فإني في عمل”.

وأضاف بريال أنه تبع سميث إلى إحدى محطات القطار. وقبيل أن يستقل القطار المتجه إلى واشنطن مباشرة ابتسم سميث لبريال، وقال له: “دمت بخير يا رفيق السفينة.. حتى نلتقي مجددًا”.

“ليس ثمة احتمال أن أكون مخطئًا؛ كنت سأعرفه حتى من دون لحيته”، كما أخبر بريال أحد المراسلين.

عاد سميث إلى الأخبار مجددًا في عام 1940، عندما نشرت مجلة “لايف” رسالة أكدت أن كابتن “تايتنك” قضى أيامه الأخيرة كمسن منبوذ في ليما، أوهايو، حتى إنه عُرف باسم “سميث الصامت”. وكان من بين الأدلة التي أيدت هذا الادعاء أن الرجل وصل إلى المدينة بعد 3 سنوات من فاجعة “تايتنك”، ولم يذكر من اسمه سوى “سميث”، وكان تقريبًا في سن سميث وحجمه، ويرسم على جسده نوع الوشم الذي كان شائعًا بين البحارة. ويبدو أن مجلة “لايف” لم تدرِ أنه بعد موت “سميث الصامت” مباشرة في عام 1915، حددت صحيفة “ليما نيوز” هوية الرجل على أنه مايكل ماكينا.

آخر قوارب النجاة التي أبحرت من السفينة “تايتنك”، وسقوط حطام السفينة أمام أعين ركابه

الحكم القانوني على “كابتن سميث”

في أعقاب الكارثة مباشرة، صورت الصحف سميث كبطل، وبأنه الكابتن الشجاع الذي غرق مع سفينته. أما بالنسبة إلى دور الشرير، فكان هناك بروس إسماي، رئيس مجلس إدارة شركة “وايت ستار”، الذي نزل في قارب نجاة واتُّهِم بالضغط على سميث للإبحار بسرعة متهورة.

في التحقيقات البريطانية والأمريكية التي أعقبت الكارثة، برزت صورة أكثر تعقيدًا. فقد اتُّهِم سميث بتجاهل تحذيرات الجليد التي أرسلتها السفن الأخرى، وبالفشل في خفض سرعة السفينة بما يناسب مقتضيات الوضع الراهن. لكن التحقيقات البريطانية برأته تمامًا بعد أن خلصت إلى أنه لم يفعل شيئًا ما كان ليفعله القادة الآخرون. أما التحقيق الأمريكي فكان أكثر قسوة في حكمه على سميث. فقد أكد وليام ألدن سميث، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان ورئيس لجنة التحقيق المشكَلة بالمجلس، أنه “كانت لا مبالاة سميث بالخطر أحد الأسباب المباشرة والفاعلة في وقوع هذه المأساة التي كان يمكن تجنبها”، لكن السيناتور سميث نسب الفضل إلى قائد السفينة في “تحمله الشجاع للمسؤولية وحرصه الرقيق على سلامة النساء والأطفال”، إلى جانب “عدم مهابته الموت”.

صورة لإحدى الأسر الناجية من كارثة غرق “تايتنك”

 

 

المصدر
What Was the Titanic’s Captain Doing While the Ship Sank?

أحمد بركات

باحث ومترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى