سياسةمختارات

كازينوهات في خدمة الإرهاب: الاقتصاد الأسود لـ”داعش” وأخواتها

 

13 عامًا مضت على بزوغ تنظيم “القاعدة” في بلاد المغرب العربي، تطورت خلالها الأساليب القتالية للتنظيم، وتوسعت فيها نشاطاته وتفجيراته الانتحارية بدعم شبكة واسعة من الجماعات الجهادية، استطاعت بتكتيكاتها وعملياتها زعزعة السلم والاستقرار في القارة السمراء، وخلق تحديات أمنية لا يُستهان بها بالنسبة إلى دول الإقليم، بل والمجتمع الدولي بأسره.

وللتعرف على موقع القاعدة في بلاد المغرب العربي بين الجماعات الجهادية الكبرى في إفريقيا، وقدر التهديد الذي يشكله في الوقت الراهن، خاصة بعد تعيين “أبو عبيدة العنابي” على رأس التنظيم، سيكون من المفيد مراجعة دراسة “الزحف نحو الصحراء وتراجع الفتك: محاولة لفهم التطور في التفجيرات الانتحارية للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي“.

وهي دراسة صادرة عن مركز مكافحة الإرهاب من إعداد الباحثين “جايسون وارنر” و”إلين شابين” و”كاليب فايس”، وهي تُفصّل مجمل الأعمال التفجيرية التي نفذها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، منذ مارس/ آذار 2007 حتى سبتمبر/ أيلول 2020.

موقع “القاعدة” في المغرب بين الجماعات الجهادية الإفريقية

لفهم موقع القاعدة في بلاد المغرب العربي بين كبرى الجماعات الجهادية في إفريقيا، يمكن مقارنته بجماعة بوكو حرام وحركة الشباب الجهادية، من حيث أوجه عدة:

1- الأقل قوة في برنامج التفجيرات الانتحارية:

خلال الفترة بين مارس/ آذار 2007 وسبتمبر/ أيلول 2020، نفذ القاعدة في المغرب نحو 101 عملية انتحارية بواسطة 154 مهاجمًا، قُتل من جرّائها نحو 730 شخصًا وأُصيب نحو 1575.

وفي ذات الفترة، بلغ عدد القتلى في العمليات الانتحارية التي تبنّتها حركة الشباب نحو 3072 شخصًا، بما يعادل 14 قتيلاً لكل هجوم، كما تمكن انتحاريون تابعون لجماعة بوكو حرام من قتل 3055 فردًا، بمعدل فتك قدره 8.4 حالة لكل هجوم.

من ثَمَّ، يبدو أن التفجيرات الانتحارية التي نفذها تنظيم القاعدة في المغرب أقل بكثير من حيث العدد الإجمالي للهجمات الانتحارية المنفذة، ومعدل الفتك لكل منها، وذلك عند مقارنتها بالتفجيرات التي نفذتها جماعة بوكو حرام، وأخرى نفذتها حركة الشباب الجهادية.

2- الأقل استخدامًا للنساء:

بحسب البيانات، لم يُكشَف عن حالات نشر فيها تنظيم القاعدة في المغرب سيدة انتحارية واحدة، ما يجعل التنظيم فريدًا من نوعه بين الجماعات الجهادية الأخرى، من حيث قلة استخدامه للعنصر النسائي.

في المقابل، استخدمت جماعة بوكو حرام وحركة الشباب انتحاريات في عدد من العمليات، وتشير الأرقام إلى أن نحو 4.7% من انتحاريي حركة الشباب كانوا نساء، وتُمثل الانتحاريات في جماعة بوكو حرام نحو 54% من إجمالي المفجرين الانتحاريين.

3- الأقل استخدامًا للقُصَّر:

تُظهر البيانات استخدام القاعدة في المغرب لمفجر واحد دون السن القانونية، وهو أبو مصعب الأنصاري، ولعل ذلك المثال الوحيد الذي لجأت فيه القاعدة لمفجرين انتحاريين تحت سن 18عامًا، وهي بذلك متفردة أيضًا عند مقارنتها بأعمار الانتحاريين في “بوكو حرام” و”حركة الشباب”.

فبينما لم تنشر حركة الشباب سوى 3 قُصَّر، أظهرت البيانات ارتفاعًا في أعداد القُصَّر التي لجأت جماعة بوكو حرام إلى توظيفهم، ليصل إلى 72 مُفجرًا قاصرًا تقل سن العديد منهم عن 7 سنوات.

صورة من إصدار إعلامي للقاعدة في المغرب

4- تفضيل المركبات التفجيرية على الأحزمة الانتحارية:

تُظهر البيانات تفضيل تنظيم القاعدة في المغرب، للهجمات الانتحارية التي تُنفَّذ باستخدام مركبات مفخخة مزودة بأجهزة تفجير عن بعد، على الأحزمة الانتحارية.

فبينما استخدمت القاعدة المركبات في نحو 67.5% من عملياتها، لجأت إلى توظيف الأحزمة الانتحارية في 24.5% من إجمالي هجماتها، وهو ما يتماشى بقدر كبير مع توجهات حركة الشباب في نوعية وطبيعة التفجير، وتستخدم جماعة بوكو حرام كلتا الطريقتين على نحو واسع.

5- نطاق جغرافي أوسع بين الجماعات الجهادية الإفريقية الكبرى:

منذ بداية عام 2007، وسّعت القاعدة في بلاد المغرب العربي تمردها إلى ما وراء الحدود الجزائرية، وشنت هجومًا متعدد الجبهات امتد على نطاق أوسع عبر شمال وغرب إفريقيا، وتبنى القاعدة في المغرب وشبكته هجمات انتحارية عدة في 8 دول، ما يجعلها أكبر جماعة جهادية تنفذ أوسع تفجيرات انتحارية في إفريقيا.

ولكن من المُلاحظ أن 75% من عمليات القاعدة قد تركّز في دولتين فقط، هما الجزائر ومالي، بنحو 35 عملية في الجزائر و41 عملية في مالي، وبلغ عدد عملياته في ليبيا نحو 12، والمغرب 4 عمليات، وموريتانيا وتونس 3 هجمات لكل منهما على حدة، والنيجر عمليتان، وبوركينا فاسو عملية واحدة.

خريطة تظهر حجم الهجمات الانتحارية للقاعدة في 8 دول

تحول “القاعدة” من شمال إفريقيا إلى الساحل

باستقراء التحولات التي مرت بها عمليات تنظيم القاعدة في المغرب، سواء أكان على مستوى النطاق الجغرافي أم توقيتات الهجمات، فقد انقسمت التفجيرات الانتحارية التي تبناها التنظيم إلى مرحلتين:

  1. المرحلة الأولى: حملة شمال إفريقيا من مارس/ آذار 2007 إلى ديسمبر/ كانون الأول 2012

خلال تلك المرحلة، كان تنظيم القاعدة في المغرب هو المسؤول الأول عن الهجمات الانتحارية، ما ساعد على انضمام “حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا” للتنظيم عام 2011، بعد انفصال الأولى عن إمارة الصحراء، وذلك كأولى الحركات التي تنضوي تحت لواء القاعدة في المغرب.

في الوقت نفسه تقريبًا، بدأ تنظيم القاعدة في المغرب الاعتماد على تنظيم “أنصار الدين”، الذي ظهر للمرة الأولى أواخر عام 2011، وهو منْ ساعد القاعدة لاحقًا في عملياته في مالي.

جدير بالذكر، أنه خلال العامين الأولين لتأسيس القاعدة في المغرب، تركزت جهود التفجير الانتحاري للتنظيم مباشرة على البلدين اللذين نشأ فيهما أعضاؤه، وهما: الجزائر والمغرب، غير أنه ابتداءً من عام 2009 حتى 2012، تطلع جنوبًا، حيث موريتانيا، بعدما تراجع الدعم الشعبي للتنظيم في الجزائر، علاوة على انخفاض عائدات النفط الحكومية الجزائرية، وتركيز الجهود الأمنية على مكافحة الإرهاب، وبالمثل في المغرب، لكن غالبية العمليات ظلت متركزة في المغرب العربي.

  1. المرحلة الثانية: حملة الساحل

كانت الفترة بين يوليو/ تموز 2012 ويناير/ كانون الثاني 2013، بمثابة هدنة طويلة توقفت خلالها التفجيرات الانتحارية للقاعدة في المغرب، إلى أن عاودت نشاطاتها من جديد في فبراير/ شباط 2013، ومثّلت بذلك البداية لحملة الساحل، إذ تحولت العمليات الانتحارية جنوبًا، فركزت جهودها على مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مع الإبقاء على بعض الأنشطة في شمال إفريقيا، بما في ذلك ليبيا وتونس والجزائر.

ورغم التوسع الجغرافي في العمليات وزيادة أعداد الفرق، فإن إجمالي عدد التفجيرات الانتحارية على أساس سنوي، علاوة على عدد القتلى، شهدا تراجعًا ملحوظًا وبنحو متزايد عمّا كان في حملة شمال إفريقيا.

وتمكن المقارنة بين أداء القاعدة في بلاد المغرب العربي في حملة شمال إفريقيا وحملة الساحل من خلال محاور عدة:

  • معدل الفتك:

أظهرت حملة الساحل انتشارًا أكبر 50% مقارنةً بـحملة شمال إفريقيا، فخلال حملة شمال إفريقيا، نفذ القاعدة في بلاد المغرب العربي نحو 41 هجومًا بواسطة 60 عنصرًا، وبرزت جهوده في حملة الساحل بنحو ملحوظة، فقد نفذ “القاعدة”، بدعم جماعاته التابعة، نحو 60 هجومًا عبر 94 عنصرًا.

أعداد قتلى العمليات الانتحارية التي تبناها القاعدة

وعلى الرغم من ذلك، كانت حملة شمال إفريقيا أكثر فتكًا من حملة الساحل الأخيرة، فخلال المرحلة الأولى منها تمكن انتحاريون من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي من قتل نحو 393 شخصًا بمتوسط 9.6 حالة وفاة لكل هجوم، و6.6 وفاة لكل مهاجم انتحاري، وتمكن المهاجمون الانتحاريون للقاعدة خلال حملة الساحل من قتل نحو 337 شخصًا، بمتوسط 5.6 وفاة لكل هجوم و3.6 وفاة لكل مهاجم.

ومنذ مارس/ آذار 2017، لم تنفذ أي جماعة تابعة للقاعدة في المغرب -بخلاف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين- أي هجمات انتحارية.

  • تحولات في الجهات المستهدفة:

شهدت الهجمات الانتحارية للقاعدة في المغرب تحولاً كبيرًا في جهات الاستهداف، فبينما تركزت الهجمات في حملة شمال إفريقيا بقدر كبير على الشرطة والمؤسسات الحكومية، تركزت العمليات الانتحارية خلال حملة الساحل على المنشآت العسكرية، خاصة في مالي، وكذلك الأمم المتحدة وغيرها من المنشآت الدولية غير المحلية.

وعمومًا، كان تنظيم القاعدة في المغرب يتجنب ضرب الأهداف السهلة، كالأماكن المدنية أو المؤسسات الدينية، ولا يُذكر أن عمِد التنظيم إلى شن أي هجمات انتحارية على أهداف مدنية، وقد يكون ذلك التزامًا بالتوجيه الصادر عن القاعدة، والذي يحظُر استهداف المدنيين وأماكنهم.

  • فشل الهجمات الانتحارية

تعرّضت هجمات تفجيرية للقاعدة في المغرب للإخفاق عند التفجير بنحو متكرر خلال حملتي شمال إفريقيا والساحل، كأنْ يبدأ الانتحاري التفجير لكنه لا يحدث على الإطلاق، أو ينفجر دون أن يقتل أحدًا غير منفذه.

وقد بلغت نسبة التفجيرات الفاشلة هذه نحو 9.5% من إجمالي الهجمات الانتحارية في الحملة الأولى، وبلغت التفجيرات الفاشلة في حملة الساحل نحو 25% من مجمل عملياتها التفجيرية.

  • تفضيل الهجمات المتزامنة

يميل تنظيم القاعدة إلى الهجمات المتزامنة، وهي تلك التي تحدث عندما ينفجر انتحاريان في وقت واحد، وكذلك هجمات الموجة المتتالية -حين ينفجر مهاجم واحد قرب مفجِّر سابق، بفاصل زمني قليل، كذلك يميل التنظيم إلى الهجمات المختلطة، التي يشترك فيها انتحاري مع آخر غير انتحاري.

ويمكن القول بأن نحو 35.7% من إجمالي عمليات القاعدة في بلاد المغرب العربي نفذها أكثر من مهاجم، فبينما شارك أكثر من واحد في 36.6% من إجمالي هجمات القاعدة في حملة شمال إفريقيا، نفذت الفرق في حملة الساحل نحو 38.3% من التفجيرات.

وقد برز ذلك النوع بوضوح في السنوات الأخيرة، وبالتحديد في 2018 و2019، بنسبة 66.7% من عمليات التنظيم وفي 2020 بنحو 100%.

  • نمو طفيف في حجم الفرق الانتحارية

بمرور الوقت، نما حجم الفرق الانتحارية التابعة لتنظيم القاعدة في المغرب بقدر طفيف، فخلال حملة شمال إفريقيا تكونت فرق التنظيم من 12 فريقًا، بكل واحد منها مهاجمان انتحاريان، فضلاً عن فريقين يضم كل منهما 3 انتحاريين، وفريق واحد به 4 انتحاريين.

أما حملة الساحل، فتضمنت 8 فرق، بكل واحد منها انتحاريان، علاوة على العديد من الفرق الكبيرة، وفريق واحد به 3 مهاجمين، و4 فرق من 4 مهاجمين، وفريق واحد يضم 10 انتحاريين.

وبلغة الأرقام، يبدو أن أداء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي هو الأضعف بين الجماعات الجهادية الكبرى في إفريقيا، كما أن حملة الساحل الحالية أضعف في أدائها من حملة شمال إفريقيا، رغم توسعها الجغرافي والعددي، الأمر الذي يجعل هجمات وتهديدات القاعدة في المغرب العربي لا ترقى إلى مستوى تهديد الجماعات الجهادية الأخرى، فهل يتغير هذا الوضع في ظل القيادة الجديدة لـ”أبو عبيدة العنابي”؟

 

 

سهير الشربيني

باحثة مصرية في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى