ثقافة

كافكا مرحًا.. الحياة الأخرى لأيقونة السوداوية

مدخل

أعتقد أننا لن نختلف على تحوّل فرانز كافكا، بجانب كّتاب آخرين، ليس إلى رمز بل إلى سلعة. كان كافكا عدة رموز مجتمعة تعطي تلك الهالة التي تحيط بالقارئ قبل أن يشتري حتى كتابًا واحدًا يحمل اسمه،..تلك الرموز هي كافكا الابن، الواقع تحت سلطة الأب في نَصه “رسالة إلى الوالد”، وكافكا الحبيب المعذَب والمعذِّب أيضًا في “رسائل إلى ميلينا”، وكافكا الضعيف والخائف والشاعر بالذنب في “المسخ” و”المحاكمة” و”أمريكا”، وأخيرًا كافكا المستسلِم في “فنان الجوع”، آخر قصصه التي كتبها على سرير المرض.

اجتماع تلك الرموز معًا جعلت من كافكا “سلعة تبيع بسهولة”، فعلى الأرصفة ومع باعة الكتب هناك دائمًا كتاب لكافكا ينتظرك، وعلى أكونتات الإنستجرام ثمة صورة لكتاب يحمل اسم كافكا وبجواره فنجان قهوة بين صور المطاعم والرحلات.

أتذكر أنني قررت ألا أقرأ لكافكا مرة أخرى بعد أن أنهيت “فنان الجوع”، شعرت أنني شبعت، نعم وصلتني الفكرة، وتشبعت بالكامل من ذلك الكافكا، لكن مرة أخرى وجدتني أعيد قراءة قصصه القصيرة، وأبحث، دون إدراك ربما، عن معانٍ جديدة غابت عني وعن ملايين الأوراق البحثية، ريفيوهات الجودريدز، حوارات Reddit، ورأس فلاديمير نابوكوف.

أتذكر أنني حين رشحت رواية “المدمن” لويليام بوروز لأحد الأصدقاء قال لي بعد قراءتها: “ما أهمية كل تلك الحكايات التي لا تحمل قصة واضحة؟”.. أخبرته ببساطة أنها رواية سيرة ذاتية عن فترة إدمان الكاتب والمغامرات التي مر بها أثناء البحث عن المخدرات والمشاكل التي وقع بها ثم دخوله المصحة وشفاؤه في النهاية من الإدمان.

عاد ليقرأ الرواية مرة أخرى، لكن بانطباع جديد، إنها أحداث حقيقية وليست مجرد تخاريف، وتغيرت وجهة نظر الصديق بعد أن أعاد قراءتها.. جعلني ذلك الموقف أفكر أننا محكومون بالانطباع الذي نأخذه، عن قصد أو غير قصد، عن عمل فني معين.

إذا قررنا التخلي عن أي انطباع مسبق، وهذا صعب، ربما رأينا بوضوح ما يحاول الكاتب أن يقوله، لكن ماذا لو قررنا أن نقرأ عملا فنيا بانطباع مختلف، عن قصد، كأن نقرأ “مغامرات هكلبري فن” باعتبارها مأساة، أو أن نقرأ مسرحية “أوديب” باعتبارها قصة بوليسية.. هنا فقط وجدتُ كافكا، الذي لا أعرفه، بعد أن نزعت عنه رداء السوداوية.

كان يا ما كان

الأمر الملفت في كتابات كافكا أنها تبدأ بنبأ، وما يلي ذلك هو تحليل لذلك النبأ، ففي المحاكمة: “لا بد أن أحدهم افترى الأكاذيب على ك.. لأنه دون أن يرتكب أي خطأ قُبض عليه في صبيحة يوم مشمس”.. في المسخ: “استيقظ جريجور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة، ليجد نفسه قد تحوّل في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم”.. في “أمريكا”: “عندما توقف كارل روسمان –وهو صبي بائس في السادسة عشرة- حمله أبواه على الرحيل إلى أمريكا، لأنه استجاب لإغراء خادمة، فأنجبت منه طفلًا، على ظهر الباخرة…”.

هذه الافتتاحيات المكثفة أشبه بمقدمات قصص الأطفال “كان يا ما كان، كان هناك ولد صغير إلخ..”.. افتتاحيات بسيطة مباشرة “تقول” لا “تحكي”، لكن ما يلي تلك الافتتاحيات يأخذ منحى مختلفا تمامًا وبعيدا كل البعد عن مباشرة أو بساطة قصص الأطفال.

لكن تلك المصارحة المختزلة في البداية، والتي يتبعها تحليل مفصل لكل كبيرة وصغيرة تحدث في القصة أو الرواية، لهو نوع من أنواع المشاكسة من كافكا لقارئه، كمن يجذبك أو يغريك لأن تقرأ ثم يبدأ بتقديم حبكته على مهل.

جعلتني تلك الفكرة أبحث عن نقاط مشتركة بين كتابات كافكا وبين حكايات الأطفال القديمة، وأول مثال جاء في ذهني هو –بما أن كافكا كان يكتب بالألمانية- “حكايات الأخوين غريم”، التي تعتبر مصدرا أساسيا للكثير من أفلام ديزني وقصص الأطفال في مختلف الثقافات، فالتشابه الذي رأيته كان بين قصتي “المسخ” و”هاينرش الفولاذي” Iron Heinrich. ففي المسخ يستيقظ جريجور سامسا ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة، هنا تلفظه العائلة وترفض مساعدته حتى أن أخته التي تساعده في البداية تتركه في النهاية ويموت.

أما في الثانية فإننا نجد أميرة تقابل ضفدعًا وتلعب معه، وحين تقرر أن تتركه يطاردها إلى قصرها، وبعد أن تضيق ذرعًا به تضربه في الحائط فيتحول إلى أمير، ويتزوجان في النهاية.

تلعب القصتان على فكرتي التحول والقبول/الرفض، لكن قصة كافكا تتخذ اتجاهًا معاكسًا لحكاية الأخوين غريم بعد أن بدأت بداية فانتازية.

السخرية المستترة في “المسخ”

في مقابلة معه عام 1968، قال ماكس برود، صديق كافكا ومُنفِّذ وصيته والذي حافظ على كتاباته ونشرها بعد وفاته وكان السبب الرئيسي في معرفة العالم به الآن، إن كافكا في الحقيقة لم يكن بتلك الصورة السوداوية التي نعرفها جميعًا من كتاباته ونحتفظ بها في أذهاننا، ونشعر بالتلامس معها حين نضع صورة كافكا كـCover على فيسبوك: “لم يكن كافكا بتلك الصورة المبالغ فيها المنتشرة له الآن، لم يكن مكتئبًا دائمًا كما يتصور البعض، حين كان بين أصدقائه كان يتحدث ويعبر عن آرائه بحدة ويمزح معنا، لكن وسط مجموعة أكبر أو وسط العامة كان صامتًا..”.

فرانتس كافكا يضحك مع صديقه ماكس برود

بعد مشاهدة هذه المقابلة بدأتُ أفكر، ربما ظهرت هذه الروح المرحة بشكل ما في كتابات كافكا دون أن نلاحظ مدفوعين بالصورة المتعارف عليها عنه والمتنقلة من جيل إلى جيل.

دعنا ننظر لقصة “المسخ” بنظرة تبسيطية شديدة لعلنا ندرك السخرية المستترة داخلها.. تبدأ القصة من نقطة الذروة، حيث يستيقظ جريجور سامسا ليجد أنه قد تحول إلى حشرة عملاقة، يصف لنا شكله ويحاول أن يهبط من سريره.. ما يثير السخرية هو أن سامسا لا يهلع من مظهره الجديد، بل يهتم بالوصول إلى عمله وأن يستمر اليوم كأن شيئًا لم يكن.

قد نغفل عن بساطة التغيّر الذي يحدث في تلك القصة، هناك تغيّر واضح، وهو تحوّل سامسا إلى حشرة كبيرة، لكن التغيّر الرئيسي هو تبدل الأدوار بين سامسا وعائلته، هنا تكمن السخرية.. في البداية نعرف أن سامسا هو الذي يعول عائلته المكونة من أم وأب وابنة، وأن العائلة بالكامل تعتمد على عمله.

بعد تحوّل سامسا يصير من المستحيل عليه أن يذهب إلى العمل، بالتالي لم يعد هو راعي العائلة، بل وجب على العائلة أن ترعاه وتهتم به في تلك الأزمة التي استيقظ ووجد نفسه فيها، هذا الوضع الذي يبدو شاذًا وصعبًا في القصة من وجهة نظر العائلة، ومن وجهة نظر سامسا أيضًا، هو الوضع الطبيعي، لكن كافكا يضع شخصياته كلها في أزمة، لمجرد أن وضعهم المختلف قد عاد إلى طبيعته.

تستمر السخرية العبثية حتى نهاية القصة، فحين يموت سامسا تشعر العائلة بالراحة، كأنها أخيرًا قد تخلصت منه، ويصبح موت سامسا كأنه موت حشرة حقيقية.

تنتهي القصة بسعادة مغايرة تمامًا لما سبقها، فاهتمام العائلة قد انتقل إلى الابنة، ووجدت فيها “سامسا جديد”.

تحوُّل سامسا إلى حشرة، أي تغيّر هيئته يعيده إلى مركزه الأصلي: الابن.. الأمر أشبه بإدراك سامسا حقيقته، لكن هذا الإدراك لا يسبب له السعادة التي يظن البعض أنه سيجدها حين يدرك حقيقته.

“أمريكا” والبحث عن المعنى

حقيقة أن كافكا قد كتب رواية تدور في بلد لم يزرها قط، تجعلني أتامل افتتاحيتها أكثر.. “عندما توقف كارل روسمان –وهو صبي بائس في السادسة عشرة- حمله أبواه على الرحيل إلى أمريكا، لأنه استجاب لإغراء خادمة، فأنجبت منه طفلًا على ظهر الباخرة…”..

هكذا تبدأ الرواية.. خطيئة تتسبب بنفي كارل روسمان إلى أرض جديدة لم يذهب إليها من قبل، هكذا بدأت البشرية بأكملها، خطيئة أنزلتنا إلى الأرض.

اختار كافكا صبيا في السادسة عشرة من عمره ليمثل “الإنسان”، وإذا كانت “المسخ” تدور حول الهوية واكتشافها، فإن أمريكا تدور حول معنى الهوية والحياة بأكملها، إذ إن الرواية تدور ببساطة حول تجوال كارل/الإنسان في أمريكا/العالم.

“الوظيفة” عنصر مشترك بين “المسخ” و”أمريكا”.. فسامسا، الذي يكون همه الأكبر هو الذهاب إلى العمل نرى صورة مشابهة له داخل كارل روسمان والعطشجي –الشخصية التي يقابلها روسمان في بداية الرواية-. يمثل الاثنان صورة “العامل” في مخيلة كافكا، أو لنقل الصورة التي يرفضها كافكا، لكنه في الحقيقة كان على شاكلتها –إذ كان كافكا يعمل في شركة تأمين حتى تقاعده المبكر عام 1918 بسبب المرض- بينما يحاول أن يهرب منها عن طريق كتابة القصص والروايات.

العطشجي، الذي يعمل على سفينة ولا يكفيه مرتبه، كارل الذي يعمل في فندق كعامل مصعد، هذه هي الصورة التي يقدمها لنا كافكا، ونلاحظ في تلك الصورة أنهما يعملان في الحقيقة من أجل أفراد آخرين، لا فائدة حقيقية تعود من عملهما على حياتهما.

بعد ذلك يتجه كارل روسمان إلى الفن، فنفهم أنه بشكل ما صورة لكافكا نفسه وهروبه من العمل إلى الأدب.. يبحث روسمان عن معنى لحياته بطريقة عملية، الأمر أشبه بمسألة حسابية، إيجاد عمل معناه الوجود في الحياة، حتى لو كان العمل مجرد وظيفة مملة.. ربما لهذا يمكننا أن نفهم لماذا اختار كافكا دولة رأسمالية لتدور فيها أحداث روايته.

“فنان الجوع” الأقرب إلى كافكا

عام 1922 كتب كافكا قصته الشهيرة “فنان الجوع”، ومع ثلاث قصص أخرى نشرت كمجموعة قصصية عام 1924 بعد وفاته.. تتلامس هذه القصة مع الفترة التي كتبها فيها كافكا للدرجة التي تحوّلها إلى سيرة ذاتية قصصية.

في تلك الفترة ساءت صحة كافكا أكثر وجعله مرض السل غير قادر على تناول الطعام وأصبح حبيس فراش المرض، لكنه استمر في الكتابة.

في قصة “فنان الجوع” نقابل ذلك الفنان حبيس القفص فيما يشبه السيرك، موهبته هي الصيام عن الطعام، وفي مرحلة ما لا تصبح تلك الموهبة ذات أهمية للجمهور، لكن الفنان يستمر في صيامه حتى يموت في النهاية.

يصوّر كافكا الفنان في تلك القصة كشخص “مغرم” بتلك الظروف التي تجبره في النهاية على احتراف الفن، ففنان الجوع يحب الصيام عن الطعام ويبرر ذلك ببساطة شديدة بقوله إنه لا يحب أي نوع من أنواع الطعام، بجانب ذلك نراه يحب قفصه ويراه كأنه أرض واسعة.

هذه صورة مغايرة لواقع كافكا، فقد عاش في بيت لم يجد فيه الراحة، وكان مجبرًا على العمل من أجل مساعدة عائلته ماديًا، صورة ساخرة، ليس من نفسه لأنه ببساطة كان يرفض تلك الأشياء، لكن ساخرة من فنان الجوع نفسه الذي يتقبل تلك الظروف.

فنان الجوع أشبه بهدهدة كتبها كافكا من أجل نفسه، ليقنع نفسه أنه بشكل ما قد قام بالشيء الصحيح، وأنه مجبر الآن، بسبب المرض، على عدم تناول الطعام، على عكس فنان الجوع الذي يحب ألا يتناول الطعام من أجل “الفن”.

هذه الصورة، صورة الفنان الذي يضحي بكل شيء من أجل الفن، لكن الجمهور يتخلى عنه في النهاية، يتخلى عنها كافكا نفسه ويتركها تموت في النهاية، حتى أن نهاية القصة مشابهة لنهاية قصة “المسخ”، إذ تنقلب إلى مشهد سعيد مغاير تمامًا لما سبق، فنرى نمرا قد جاء مكان “فنان الجوع” وعاد الجمهور ليستمتع بمشاهدته.

لا يمكن القول إن كافكا في نهاية حياته تخلى عن “الفن”، أو على الأقل “الفن الذي صنعه” حين طلب من صديقه ماكس برود أن يحرق كتاباته، بل أجد في ذلك الطلب رؤية كافكا لحياته بأنها ملك له وحده، وأن كل تلك الكتابات، التي نُشرت والتي لم تكن قد نشرت بعد، هي جزء من حياته، وأنه يريد لها أن تنتهي هنا، في تلك المرحلة التي شعر فيها كافكا بالرضا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى