كانوا هنودًا حمرًا!

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

كانت مهمته الرسمية تتلخص في رسم مرور كوكب الزهرة بين الأرض والشمس، وأُسندت إليه مهمة أخرى سرية: البحث عن أرض “تيرا أوستراليس” الأسطورية التي ذاع أنها تقع أقصى جنوب الكرة الأرضية. وامتثالًا لما كُلّف به انطلق المستكشف ورسام الخرائط البريطاني “جيمس كوك” في رحلة على رأس سفينتين سنة 1768 نحو القارة المتجمدة.

وبعيدًا عما كُلف به، تطلب الأمر ثلاث رحلات حتى يُهدي “كوك” أبرز اكتشافاته: جزر هاواي. الرحلة الأولى بلغت “سوسايتي” وسواحل نيوزيلندا ليواصل “كوك” إلى أستراليا، ويستولي على ساحلها الشرقي.

في الرحلة الثانية رسا القبطان الإنجليزي على جزيرة “إيستر” ومنها إلى “نورفوك” و”باينز”، وجميعها جزر صغيرة محدودة الأهمية، أما في الثالثة فوقع لا على “تيرا أوستراليس” كما كان يأمل بل على جزر هاواي، الاكتشاف الأهم لرحلاته الثلاث.

عندما هبط “كوك” ورجاله على شاطئ هاواي وجدوا في استقبالهم عددًا من أبناء الجزيرة، فتقدم أفراد الحملة في حذر شاهرين أسلحتهم، لكن سرعان ما تخلوا عن حذرهم حينما فوجئوا بالأهالي يلتفون حولهم وهم يرقصون فرحين.

لحسن الحظ كان بصحبة “كوك” مترجم التحق به من إحدى الجزر المجاورة لتاهيتي خلال رحلته الأولى، وبفضله عرف المستكشف البريطاني سر احتفاء الهاواويين به، ظنّوه إلهًا أنبأتهم أسطورة متوارثة يحفظها سحرة الجزيرة لأجيال عن هبوط أرضهم يومًا ما إله على هيئة رجل طويل أبيض يعبر البحر في جزيرة عائمة.

تماهى “كوك” مع الأسطورة فأمر بإطلاق بضع طلقات من البنادق والمدافع على أهداف عشوائية لإبهار أهل الجزيرة، وكان يدخن السيجار أمامهم فيندهشون لمرآه، كيف لا تحترق بطنه من نار تنفث هذا الدخان، وبتلك الألاعيب وغيرها أيقنوا أنه إلههم المنتظر، فسمعوا له وأطاعوا، لكن ذلك لم يمنع بعضهم من أن ينهال عليه وعلى عدد من رجاله ضربًا حتى الموت عندما حاولوا منع أبناء الجزيرة من سرقة قارب من قوارب إحدى السفينتين.

القصة وكثير من تفاصيلها تكررت مع القبطان الإسباني “إرنان كوريتز”، كانت أول مرة تسند له قيادة فرقة مكونة من 600 جندي معظمهم لم يسبق له القتال، مزودين ببنادق وعدد من المدافع و16 حصانًا تحملهم 11 سفينة توجهت إلى المكسيك لاحتلالها عام 1519.

بمجرد أن حطّ الإسبان على شاطئ المكسيك اندفعوا في شوق للبحث عن المدن المتوارية بين غابات وجبال البلد البكر بحثًا عن كنوزه التي لم تمس، ولما علم إمبراطور الهنود الحمر “الأزتيك” بمقدم أجانب إلى مملكته أرسل لهم الهدايا مسالمًا، فأطمع هذا “كوريتز” أكثر وقرر مهاجمة “الأزتيك”، غير أن الإمبراطور “منتيزوما الثاني” الذي أخضع قبائل المكسيك كلها لحكمه لم يتصدّ للقوات الإسبانية ظنًّا منه أن قائدهم “كوريتز” هو تجسيد لـ”كويتز الكوتل” إله الأزتيك للتشابه بين الاسمين، ولأن السحرة رددوا على مسامع الإمبراطور الأسطورة القائلة بأن الإله سافر عبر البحر وسوف يعود يومًا ما، هذا إلى جانب -بالطبع- ما أحدثته البنادق والمدافع من أثر في النفوس فاق أثرها المادي.

احتفظ القائد الإسباني بالإمبراطور الأزتيكي رهينة بالقصر الملكي بعدما سلم له الأخير مفاتيحه ومفاتيح المملكة بأكملها، مرت عدة شهور في سلام واستقرار، لكن “كوريتز” اضطر للغياب عن المكسيك مفوضًا أحد ضباطه نائبًا عنه، عندها وقعت قلاقل دفعت النائب إلى إصدار أمر بإطلاق النار فقتل عددًا كبيرًا من الأزتكيين، ولما عاد “كوريتز” وجد الأوضاع انقلبت ضده خاصة إثر مقتل الإمبراطور أثناء محاولة هربه. تراجع “كوريتز” مع رجاله محاولًا مغادرة المدينة، لكن المكسيكيين لحقوا بهم، وقتلوا وجرحوا عددًا كبيرًا منهم.

 بفارق أربعة عقود على احتلال الإنجليز هاواي وما يزيد على قرنين على ضم المكسيك للتاج الإسباني، أتت الحملة الفرنسية إلى مصر محملة بذات الغرض الاستعماري، وبعد معركة خاطفة دامت ثلاث ساعات حلت الهزيمة بقوات خاضت حربها على طريقة القرون الوسطى، فبدأ القتال بمشهد لأحد المماليك يتقدم نحو جيش العدو مناديًا: هل من مبارز؟! وانتهى بحصد البنادق والمدافع الحديثة لآلاف الفرسان المندفعين على خيولهم شاهرين سيوفهم.

دخل نابليون القاهرة دون مقاومة، واستدعى النخبة ممثلة في كبار علماء الأزهر، وفي أول حوار بين الطرفين تحدث الغازي الأوروبي عن تفوق العرب قديمًا في العلوم والفنون، في حين لم يبقَ من هذا التفوق شيء بعصرهم، هنا عاجله الشيخ “السادات” قائلًا: لقد بقي لهم القرآن الكريم، وهو يجمع بين دفتيه كل المعارف، فسأله الجنرال ساخرًا: وهل يعلمكم القرآن طرق صناعة المدافع؟! أجاب الجميع في ثقة وحزم: نعم! عندها ابتسم المستعمر الأوروبي بعدما أدرك أي ألاعيب سيمارسها لإخضاع هؤلاء.

كان لبونابرت مطالعاته عن الإسلام وتاريخه، وظن أنه إذا اجتذب كبار مشايخه فقد ضمن استقراره بمصر، وفي سبيل احتوائهم أسكنهم في الديوان الشهير، ليضمن كذلك مساعدتهم على إدارة البلاد، وكثيرًا ما جلس إليهم واصطحبهم في جولات بين علماء حملته بهدف إبهارهم، مستعرضًا فيما استعرض معدات وآلات فلكية وهم ينظرون في تحير ودهشة، وفي مختبر الكيمياء أجرى أحد العلماء تجارب بسيطة أصابتهم بالهلع واعتقدوا ممارسته السحر.

في تلك الأثناء حاول “نابليون” إيهامهم بأنه “المهدي المنتظر”، مدعيًا علم الغيب وأن مجيئه إلى مصر منصوص عليه في القرآن، وفي بيان مكتوب وجهه للمشايخ والقضاة بعد ثورة القاهرة الأولى: “.. وأعلِموا أمتكم أن الله قدر في الأزل هلاك أعداء الإسلام وتكسير الصلبان على يدي، وقدر في الأزل أني أجيء من المغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها.. ولا يشك العاقل أن هذا كله بتقدير الله وإرادته وفضله”، ونافس بيان كبار المشايخ في الحماسة منشور “بونابرت” فتبرءوا من “الساعين في الأرض بالفساد”، ووصفوا الثوار بأشرار الناس، المفسدين، محذرين الجميع من اتباع هؤلاء “الخاسرين سفهاء العقول”.

لم يتوقف “نابليون” عن التلاعب بالمشايخ وخداعهم طوال فترة تواجده القصيرة بمصر، وفي إحدى المرات طلب من شيخ الأزهر “الشرقاوي” فتوى تلزم بطاعة الساري عسكر، فناشده الشيخ إعلان إسلامه وعندها سيتبعه 100 ألف مسلم يستطيع فتح الشرق بهم واسترداد وطن الرسول الكريم، وكان جواب “بونابرت” أنه بحاجة إلى مهلة عامين لمنح فرق الجيش فرصة التعرف على الإسلام وممارساته، مع وجود مانع آخر، الختان، وشرب الخمر، وهي عادة لا يستغني عنها الفرنسيون، فأعفاه المشايخ من الختان باعتباره نافلة، ثم تداولوا طويلًا بشأن شرب الخمر واستقروا على جوازه، شريطة التصدق بخُمس الدخل.

خضوع كبار المشايخ وإعلانهم الولاء والطاعة لبونابرت، وتماهيهم مع ألاعيبه (وهو ما أثبته نابليون في مذكراته فقال: إن المشايخ المصريين أدوا بتعاونهم خدمات إيجابية للجيش، وكان المقابل بسيطًا.. بغالًا يركبونها، وعطايا يقبلونها صاغرين، ولقاء يوميًّا يشربون فيه القهوة والشربات معي..). لم يتبعه إطاعة “المجاورين” والعامة، خاصة بعد تضررهم من ضرائب باهظة فرضها الاحتلال وتسببت في اندلاع الثورة الأولى مفضية لمقتل أحد قادة نابليون الكبار الجنرال “ديبوي” حاكم القاهرة، ثم نشوب الثورة الثانية ومقتل القائد العام الجنرال “كليبر”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram