"كدمات ملوّنة"

بيوتٌ للعنف ضد النساء: الأرقام موجعة

قبل عدة أعوام، كانت “ريم” (اسم مستعار) تحاول إخفاء خليط البقع الزرقاء والأرجوانية والحمراء من الكدمات الملونة المتفرقة على جسدها بسبب ضربها من أهلها، بتغطيتها بملابس ذات أكمام طويلة.

والدها يضربها إذا ما أمسكت هاتفها طويلاً، وإذا ما خرجت من البيت، وإذا ما تأخرت عن موعد العودة من المدرسة.

اشتكت ريم كثيرًا لرفيقاتها في المرحلة الثانوية، وبكت كلما سردت تفاصيل تعنيف والدها لها في ظل صمت أمها على هذا الوضع.

ساعدتها رفيقاتها في الدراسة للتوجه إلى طبيب نفسي، تابعت معه حينًا، وتعذر الذهاب إلى عيادته أحيانًا، إلى أن أنهت مرحلة التعليم الثانوي والتحقت بالجامعة، لتواجه خوفها من كل شيء.. خافت الارتباط بأي شاب قد يكون مثل والدها.. “ريم لا تثق بالرجال”.

قضية العنف الأسري لا تكاد تختفي، فالواقعة المعروفة إعلاميًّا بـ”فتاة الإسكندرية المعنّفة”، التي هربت من منزل أهلها بعد تعرضها للضرب المبرح من والديها، توصل ما ينقطع من حديث مؤلم عن هذه القضية الدموية.

تقرير لمركز بصيرة عن العنف ضد المرأة

الدارج في قضايا العنف ضد المرأة هو تعنيف الزوج لزوجته، لكن عنف الآباء تجاه أبنائهم ظل مسكوتًا عنه سنوات طويلة، وكلما أثير الأمر، انطلقت اتهامات من كل صوب: “أنتم تحرضون الفتيات الصغيرات.. أنتم تشجعونهن على التمرد والهرب”، وما إلى ذلك من قائمة الاتهامات، والحديث هنا على لسان ياسمين أحمد عزت، إحدى مؤسسات مبادرة “صوتِك” لمواجهة العنف ضد النساء.

ياسمين، التي تدرس الاقتصاد والعلوم السياسية، ودشنت مبادرة “صوتك قوتك” بالتعاون مع أختها وصديقتها، كانت تشغلها قضية العنف ضد النساء منذ فترة طويلة.. تقول ياسمين لـ”ذات مصر”: “سافرت عام 2013 لحضور مؤتمر عن العنف المنزلي في أمريكا.. استمر المؤتمر عشرة أيام وتخللته ندوات ومحاضرات وورش عمل عن (كيف تحبين نفسك وتحمينها من العنف) وفي ختام المؤتمر قدمت المشاركات دراسة مصغرة عن قضية العنف المنزلي، وكانت تلك الدراسة هي نواة مبادرة صوتِك”.

بعد عودتها من أمريكا، قررت ياسمين اتخاذ خطوات عملية في المبادرة، وتواصلت مع الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني المعنية بقضايا النساء في مصر، وبدأت تنظيم حملات دعم للضحايا والناجيات من العنف المنزلي.

تقول: “الإشكالية التي واجهتنا هي أن الفتيات والسيدات يخجلن من الحديث عن تفاصيل تعرضهن للعنف من الأب أو الزوج أو الأخ.. مع أن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى لحلها”، لكنها تغلبت على هذه الإشكالية بالانخراط في مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي تهتم بقضايا العنف المنزلي، وحاولت الوصول إلى معنَّفات وتقديم المساعدة لهن، كما طرحت عبر صفحة المبادرة على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” استبيانًا تعرفت فيه إلى أبرز أنواع العنف التي تتعرض لها النساء وأكثرها شيوعًا، وطريقة التعامل في العلاقات الأسرية مع العنف، وموقف بقية أفراد الأسرة من هذا التصرف.

كانت النتيجة الصادمة لياسمين أن “أكثر أنواع العنف انتشارًا، بحسب الاستبيان، من الآباء وليس الأزواج”.

شعار مبادرة صوتك قوتك

عندما نشرت ياسمين المبادرة عبر حسابها على “فيس بوك” لعرض تعريفات للعنف المادي والمعنوي، هالتها التعليقات بتعرض فتيات ونساء لهذه الأنواع من العنف دون أن يدروا أنها مصنفة عنفا طبقًا لتعريفات الأمم المتحدة.

بحسب إعلان القضاء على العنف ضد المرأة، 1993، فإن العنف هو أي فعل عنيف مدفوع بعصبية الجنس، ويترتب عنه أو يرجح أن يترتب عليه أذى أو معاناة للمرأة من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء أحَدَث ذلك في الحياة العامة أم الخاصة، ويشمل العنف: الضرب والإساءة النفسية والاغتصاب الزوجي وقتل النساء، إضافة إلى المضايقات الجنسية والاغتصاب والتحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال والزواج القسري والتحرش في الشوارع والملاحقة الإلكترونية، ويضاف إليه الاتجار بالبشر والعبودية والاستغلال الجنسي، إضافة إلى تشويه الأعضاء التناسلية للإناث وزواج الأطفال.

أرقام صادمة واجهتها ياسمين أيضًا في عملها في إطار المبادرة: “أقل من 10% من الضحايا يطلبن المساعدة، وواحدة من كل 3 سيدات على مستوى العالم تتعرض لنوع من أنواع العنف المنزلي، وأشهرها وأكثرها انتشارًا في مصر، بحسب استبيان مبادرة صوتك، هو الابتزاز العاطفي”.

إعلان القضاء على العنف ضد المرأة

من ضمن الأرقام التي اعتمدت عليها المبادرة أيضًا في بحثها، تلك الصادرة عن الأمم المتحدة، بأن واﺣﺪة ﻣﻦ 3 ﻧﺴﺎء وﻓﺘﻴﺎت ﺗﺘﻌﺮض  ﻟﻠﻌﻨﻒ اﻟﺠﺴﺪي أو اﻟﺠﻨﺴﻲ خلال ﺣﻴﺎﺗﻬا، ويكون أﺣﻴﺎنًا من طرف عشير -في المنزل- و52% فقط من المتزوجات أو مرتبطات يتخذن بحرية قراراتهن بشأن العلاقات الجنسية واستخدام وسائل منع الحمل والرعاية الصحية. وتُزَوَّج ما يقرب من 750 مليون امرأة وفتاة على قيد الحياة اليوم في جميع أنحاء العالم قبل بلوغهن سن الثامنة عشرة، في حين خضعت 200 مليون امرأة وفتاة لتشويه الأعضاء التناسلية للإناث (الختان) وواحدة من كل اثنتين من النساء اللاتي قُتلن في جميع أنحاء العالم قُتلت على أيدي عشيرهن أو أسرهن في عام 2017، في حين قُتِل واحد فقط من بين 20 رجلاً في ظروف مماثلة، و71% من جميع ضحايا الاتجار بالبشر في العالم من النساء والفتيات، و3 من أصل 4 من هؤلاء النساء والفتيات يتعرضن للاستغلال الجنسي، كما أن العنف ضد المرأة، مثل السرطان، سبب جوهري للوفاة والعجز لنساء في سن الإنجاب.

العالم برتقالي .. تضامنا مع المرأة
العالم افتراضي برتقالي

من هذا المنطلق، اختارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة يوم 25 من كل شهر كيوم برتقالي لحملتها تحت شعار “اتحدوا- قل لا”، التي أطلقت عام 2009 لتعبئة المجتمع المدني والناشطين والحكومات ومنظومة الأمم المتحدة من أجل تقوية تأثير حملة الأمين العام للأمم المتحدة “اتحدوا”، لإنهاء العنف ضد المرأة.

وكان موضوع الحملة لعام 2019 هو “العالم البرتقالي”، بإضافة لمسة برتقالية إلى المباني البارزة والمعالم الأثرية للتذكير بالحاجة الماسة إلى مستقبل خالٍ من العنف، إذ إنه في اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، اختارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة موضوع عام 2019 ليكون “لوِّن العالم برتقاليًّا: جيل المساواة ضد جرائم الاغتصاب”، ويرمز اللون البرتقالي لرؤية مستقبل مشرق يخلو من الاعتداءات الجسدية والجنسية والعنف ضد المرأة.

هذا العالم الافتراضي البرتقالي تواجهه على أرض الواقع في مصر أرقام وإحصاءات تبتعد كثيرًا عن فضاءاته، فتشير الأرقام الصادرة عن مرصد جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات، التابع لمؤسسة “إدراك” للتنمية والمساواة، إلى أن الربع الثالث من العام الحالي، يوليو/تموز وأغسطس/آب وسبتمبر/أيلول، شهد 153 حالة عنف ضد النساء، بزيادة 25 حالة على التقرير ربع السنوي الذي سبقه في منتصف العام.

ورصد التقرير 41 حالة قتل لنساء وفتيات نتيجة عنف منزل على يد أحد أفراد الأسرة أو الشريك الحالي، فضلاً عن 13 حالة ضرب مبرح لفتيات ونساء خلال نفس الفترة، منها 11 حالة على يد أحد أفراد الأسرة أو شريك حالي.

زيادة في معدلات العنف ضد النساء

زاد انتشار فيروس كورونا المستجد، كوفيد-19، من العنف ضد النساء في العالم، ما دفع منظمة الصحة العالمية للإجابة عن بعض الأسئلة الشائعة في مواجهة هذا العنف المتزايد، ومنها “لا أشعر بالأمان في المنزل.. فماذا يمكنني أن أفعل؟ أحتاجُ إلى عناية طبية بسبب التعرُّض للعنف.. مَن يمكنه مساعدتي وأين أذهب؟ أريد الإبلاغ عن حادث عنف في أثناء جائحة كوفيد-19، فماذا ينبغي أن أفعل؟”.

ورجحت المنظمة تفاقم خطر تعرُّض النساء للعنف بسبب الإجهاد والتوتر، وتفكُّك الشبكات الاجتماعية وشبكات الحماية، وفقدان مصدر الدخل، وانخفاض إمكانية الحصول على الخدمات، كما رجحت تزايد خطر التعرُّض لعنف الشريك في العديد من البلدان التي تحُث الناس على المكوث في بيوتهم أو تُلزمهم بذلك.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ندى الخولي

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram