كرسي الإعدام..

الحملان يمكنها أن تقتل أيضًا

تتكرر معارضته الشديدة لعقوبة الإعدام والقتل عمومًا، الناتجة عن استغلال الحكومات لبشر أبرياء، وذلك من خلال 4 قصص لا تربطها أي علاقة سوى خط سردي واحد يدور حول إمكانية، وربما ضرورة، معارضة النظام الاستبدادي – الأوتوقراطي الإيراني، ليس فقط كدور سياسي واجتماعي، وإنما أيضًا كرسالة فنية بحكم مهنته بالضرورة، على الرغم من القسوة والعنف اللذين يمارسهما هذا النظام على حياة الإيرانيين. 

وعلى الرغم من أن الرسالة تأتي بصوت عالٍ وواضح، تبدو الحكايات الأربع كأنها غير متكافئة من الناحية السردية، تكاد تشبه 4 أفلام قصيرة ذات بدايات وحبكة ونهايات مختلفة، ما يجعل مدة عرض الفيلم، التي تبلغ ساعتين ونصف الساعة -رغم جماليات السرد- تبدو أطول من وقتها الأصلي، وقد يكون هذا الإحساس بامتداد الزمن شكلاً من أشكال جماليات الفيلم.

لقد مُنِع كاتب السيناريو والمخرج محمد رسولوف من صناعة الأفلام في إيران، لكنه لا يزال نشيطًا يملؤه الإصرار في مواجهة النظام الإيراني، فيعود دومًا إلى الصور الإنسانية التي تكمن وراء جميع أعماله، مثلما في فيلم There Is No Evil (Sheytan vojud nadarad)، وهو فيلم ألماني/ تشيكي/ إيراني مشترك حصل على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي 2020، ولم يستطع رسولوف الحضور للمهرجان من أجل تسلم جائزته المستحقة عن الفيلم، نظرًا إلى منعه من السفر ومصادرة جواز سفره، وذلك على طريقة تعامل الاتحاد السوفييتي السابق مع الفنانين والمثقفين الذين كانوا يعارضونه. 

بوستر الفيلم

تتميز الحكاية الأولى، التي لم تحمل عنوانًا، بروعة الأداء المميز لغالب ممثلي الفيلم، وتدور حول حشمت/إحسان مير حسيني، الرجل العادي الذي يعمل ليلاً ويخصص نهاره لخدمه أسرته: توصيل ابنته وزوجته، والالتزام بالسفر لحضور حفلات زواج الأقارب، وشراء مستلزمات المنزل لأسرته ووالدته التي يتولى هو وزوجته رعايتها وتنظيف منزلها والاهتمام بها لسوء وضعها الصحي. ينتهي يوم حشمت الطويل لتجده يساعد زوجته في صبغ شعرها بلون جديد قد اختاره معها من الكتالوج، ثم يستيقظ فجرًا ليذهب إلى عمله، الذي لن نتعرف عليه إلا بعد أن يضغط حشمت زرًّا على جدار ما ليرفع الحائط الذي يحمل أشخاصًا تتدلى أرجلهم مرتعشة وتبول مثاناتهم رعبًا.

استطاع رسولوف من خلال السرد السلس والكاميرا الناطقة أن يقول ما لم يقله الحوار.. لقد تخطت حكاية حشمت الأولى حد الجماليات السينمائية، من الصورة إلى الحوار إلى الأداء، لدرجة تدفع المشاهد إلى توقع المزيد من الجماليات والانفعالات في الحكايات التي ستليها. 

جاءت الحكاية الثانية بعنوان روائي بليغ “قالت: يمكنك فعلها”، عن الشاب المجند بويا/ كاوه اهنجر الذي تهاجمه حالات من الذعر الليلي بعد أن أخبره رؤساؤه بأن عليه سحب الكرسي من تحت أرجل سجين محكوم عليه بالإعدام.. أي أن بويا الشاب اليافع الحالم الذي يخطط للسفر إلى النمسا لدراسة الموسيقى باستطاعته القتل! 

يحاول بويا التواصل مع حبيبته التي أعدت نفسها للهرب معه خارج إيران، ليناقش معها العثور على حلول تعفيه من شنق المحكوم عليهم بالإعدام. ويقوم بعرض مسرحي في غاية التعقيد، صعب تصديقه، من أجل الهروب من داخل أسوار السجن، مرورًا بالقيادات والزملاء. وبالفعل يتغلب عليهم جميعًا ويتمكن من تمييز الأبواب الصالحة للهرب عن تلك التي لا تؤدي إلى طريق الخروج، وذلك عن طريق خريطة صغيرة رسمت على ورقة بحجم كف اليد. 

مشهد من فيلم لا يوجد شر

بعد الهروب يلتقي العاشقان وينطلقان بالسيارة تصاحبهما أغنية “بيلا تشاو” -“مرحبا بالجميلة”- بدلاً من “الوداع أيتها الجميلة”، وهو اختيار موفق للأغنية ذات الكلمات الثورية المطالبة بالتغيير ومقاومة النازية في ستينات القرن الماضي.

في حكاية جواد/محمد فاليز اديجان، ذلك الشاب الذي يشبه بويا في الحكاية السابقة، لكونهما مجندين متمردين على القوانين الظالمة، أو على اللا قانون كما أشار أبطال الفيلم في الحكاية الثالثة التي تحمل اسم “عيد الميلاد”، والتي هرب فيها جواد من التجنيد ليصل إلي بيت حبيبته نانا/ ماهيتاب سيرفاتي، التي ينوي الزواج بها، ليكتشف أن تجهيزات الاحتفال الجارية أمامه لا تخص عيد ميلاد حبيبته، وإنما كانت لعزاء الرجل المحكوم عليه بالإعدام، والذي منذ أن أُعدِم يواصل الجميع رثاءه وافتقاده والحزن عليه. وبالطبع يشعر جواد هنا باضطراب وبأحاسيس سودادية، لأنه هو نفسه ذاك المجند الذي أعدم كيفان، السياسي المناضل الذي أحبته عائلة خطيبته نانا وأبناء قريتها واجتمعوا لرثائه.. كل ذلك يأتي على مسار مناقض لمسار بويا الذي رفض منذ البداية الانغماس في لعبة القتل. 

بدأ جواد إيذاء نفسه والتنكيل بها من جهة، ومن جهة أخرى التبرير بأنه لم يكن يعرفه، ولم يكن يستطيع أصلاً أن يقول أي شيء أو يعترض على أي شيء، أو حتى يفكر في أي مظهر من مظاهر مواجهة النظام الحاكم وقسوة السلطة وعشوائيتها من جهة، ومنهجيتها في القتل والتنكيل من جهة أخرى. 

بوستر فيلم لا يوجد للشر

تتفق حكاية “عيد الميلاد” أو الحكاية الثالثة مع الحكاية الرابعة، التي حملت عنوان “قبّلني” في عرض ساحر لطبيعة البلاد من تضاريس وأنهار ومساحات خضراء واسعة، وآفاق رحيبة لها دلالاتها الفنية والفكرية التي تخدم الفكرة الأساسية للمتتالية الرباعية ذات النزوع نحو الحرية والبراح، وعرض تفاصيل إنسانية في ظل ظروف قاهرة وظالمة وفي غاية القسوة. 

تأتي الحكاية الأخيرة عن المراهقة “داريا” التي تدرس الطب مرغمة لأن والدها طبيب، وعليها أن تواصل السير حسب تقاليد العائلة، فترضخ لتجربة دراسة غير مقنعة لها، نزولاً على رغبة المجتمع الأبويّ.

تذهب داريا في زيارة عمها بهرام، الذي يمتهن الطب أيضًا.. يتجول معها بهرام في أنحاء المدينة، خاصة في الجزء الجاف منها والذي يعيد إلى الذاكرة تفاصيل بعض مشاهد فيلم “طعم الكرز” لعباس كيروستامي، حيث الصحراء والجبال والصخور، التي تجول فيها بحثًا عن مدفن مناسب، حتى إنه يجتاز بصحبتها الدروب الوعرة كأنه بديعي يصطحب أحد المختارين لإتمام عملية دفنه، بالإضافة إلى هذا التشابه الفلسفي في طرح الأسئلة الوجودية والإجابات التائهة من الطرف الآخر الذي يريد معرفة المزيد من معاشرة الفتاة لأسرة عمها.. تراكم التساؤلات الوجودية عن ماهية حياتها والفائدة من دراسة شيء ما غير مقنع لها، لكن الفتاة تتأقلم مع العم وزوجته وتبدأ في الاستفسار عن الدجاج التي سمعت من والدها أن عمها يربيه لتتفاجأ بأن ثعلبًا قويًّا قضى على الدجاج ولم تستطع أسرة عمها التصدي له، فتقترح عليهم -في إسقاط واضح- أن يبنوا سياجًا ضخمًا يحمي دجاجهم أو أن يقتنوا كلبًا، ليجيبها العم بأنه تحدث مع الثعلب ليتعرف على أسباب اقتناصه لدجاجه فقط، لتقول الفتاة “لأنه ثعلب مسكين لا يدرك الفرق”.

طاقم الفيلم

كانت مباراة غير مكتملة في كشف المسكوت عنه في الحكم الإيراني، لذا تطرق الحديث إلى حق الثعلب، الذي يبحث عن رزقه، في حياة آمنة، فلا يحق للعم أن يتربص به لإعدامه، فتكتشف الفتاة أن العم هارب من تنفيذ حكم بالإعدام، وقد اعترف لها أنه لو عادت به الأيام وأُجبر على قتل شخص لَسَحَب سلاح أحد الحرس وهرب.

في الطريق الوعر، حيث يتجدد المطر، يسعل العم وينزف من رئتيه مع ظهور الثعلب، في تواطؤ خاص مفاده أنك لن تُعدم.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

نرمين يسر‎

كاتبة مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram