وجهات نظر

كلوب هاوس.. قبل الحوار

انطلق التطبيق في شهر فبراير 2020، لكن شهرته الواسعة حصَّلها بعد عام، في فبراير 2021، عندما غرَّد الملياردير الشهير إيلون ماسك بأنه سيحل ضيفا على إحدى غرف الدردشة للتطبيق الجديد، فكانت تغريدة مؤسس “تيسلا” بمثابة تدشين ثانٍ لـ”كلوب هاوس”.

بخلاف مواقع التواصل الأخرى، يعتمد التطبيق الجديد على التفاعل الحي، حيث تشهد غرف دردشاته نقاشات وحوارت فيما اتفق من موضوعات، ورغم أن “كلوب هاوس” يقتصر حاليا على  مستخدمي جهاز الآيفون، لكن بحسب تصريحات القائمين عليه سيصبح متاحا في القريب لجميع أنظمة التشغيل.

ردود الفعل الإيجابية وإقبال مشاهير كُثر في مصر والعالم العربي لم تمنع البعض من تصويره كـ”مَكْلمة” لا ضابط لها، وبالملاحظة نرصد أن غالبية الحوارات، التي تلقّت ثناءً، كان بها متحدث رئيسي، بينما بقية المشاركين يكتفون إما بطرح الأسئلة أو التعليق على هامش حديث الضيف الأساسي، في حين يغلب على معظم النقاشات بالفعل صورة “المَكْلمة”، بمعنى أن الكل يريد أن يتحدث ولا أحد يرغب في الاستماع.

الثابت أن هذه السمة تصاحب كثيرا من حواراتنا قبل “كلوب هاوس”، والتفسير بسيط، أننا لا نستهدف الوصول إلى الحقيقة عبر الحوار، فهي دائما سابقة عليه، ليحاول كل طرف جذب الآخر ناحيتها، فالحوار لا يُنتج لدينا الحقيقة، والعلاقة التي تنشأ بين طرفيه يحكمها صيغة أوجزها مارتن بوبر في أنا ـ هو “”I- It، وهي علاقة تنشأ بين الفرد والأشياء، أو بينه وبين الآخر، لتقف عند عتبة الاستعمال، وبذلك فالأنا في الحوار “المَكلمة” لا تدرك الآخر كإنسان كامل، الآخر محجوب عن الأنا، أو بتعبير ثانٍ جرى “إفراغه من وجوده”.

هذه العلاقة “أنا ـ هو” تحكم أيضا الحوار القائم بين متحدث رئيسي وبقية الحضور، سواء داخل العالم الافتراضي أو في نظيره الواقعي، فالعلاقة السائدة هي علاقة تلقين، حيث لا يرى الملقن الآخر إنسانا كاملا، الآخر سواء في الصورة الأولى “المَكلمة” أو الثانية، التي يتصدرها متحدث رئيسي والبقية مستمعون.. هو إنسان غير كامل أو مستقل في تفكيره، وإن كان هيدجر يرى في ذلك نزوعا طبيعيا، على اعتبار أننا “ننتمي إلى الغير ونعمل على تقوية سيادته”، وهذا يتجلى عند استعمال موقع مثل “كلوب هاوس” أو مواقع التواصل الاجتماعي بصفة عامة، فكل واحد منا يرى في الآخر شبيها له ليتقارب معه، وهذا الوجود المشترك في الواقع يطمس الوجود الخاص.

وفي مقابل علاقة أنا ـ هو هناك علاقة حوارية أخرى تضبطها معاملة أنا ـ أنت

“I- thou”، فكلا طرفيها يعد إنسانا كاملا، مستقلا في تفكيره، ولا يحجب المحاوران أحدهما الآخر، علاوة على ذلك تستتبع تلك العلاقة تجلي الأنا ومنحها الفرصة للتشكل والنمو بعد إعلانها عن حقيقتها.

وتفسيرا لرفض الإنصات للآخر، الذي يحمله معنى “المكلمة”، يشير كلود ليفي شتراوس إلى أن ثمة وضعية قديمة جدا تعتمد على أسس سيكولوجية متينة ما دامت تعاود الظهور دائما لدى كل منا، وتقوم على رفض تام لكل الأشكال غير المتماهية مع ما ألفناه في حواضننا، سواء كانت هذه الأشكال دينية أم اجتماعية أم جمالية أم أخلاقية.

حينها نرفع يافطات من قبيل “هذا ليس من تقاليدنا” أو “هذا من عادات الغرب” أو “لا يجب أن نسمح بذلك”، وذلك يعني أن المقبول والصحيح يقف عند عتبة الموطن أو الطبقة الاجتماعية أو الجماعة الدينية أو المدينة أو حتى القرية الصغيرة.

بهذا، فوعي الفرد بالغير يتخذ شكل “الابتناء الاجتماعي”، بحسب مفهوم إيمانويل مونيه، حيث يتغذَّى المرء من الحاضنة، التي يعيش بها، مستسلما للغفوة الناجمة عن عملية الهضم، وتتخذ الشخصية هنا صورة طيعة، فاقدة الاستقلالية لحساب الضيف الرئيسي في حجرة الدردشة مثلا، لكن هذ الفرد في الوقت ذاته مدافع شرس عما ألفه وغذته به حاضنته، ويربط “مونيه” هذا بـ”الطّفْلية” في مقابل “الرُّشد”.

الطفلية أيضا هي ما تجعل المرء يرفض سماع أي فكرة أو رأي يخالف ما لقمه أول مرة، فهو بالنسبة إليه الحقيقة، وبما أنه سابق على الحوار يصبح أي حوار بلا معنى، سواء أكان على “كلوب هاوس” أو في العالم الواقعي.

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى