ثقافة وفن

كل البشر منهم.. كيف رأى ابن عربي “آل البيت”؟

لا شك أن جدلاً لم ينته قد أثير حول المقصود تحديدًا بتعبير “أهل البيت” في الآية 33 من سورة الأحزاب “إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”.

بالوقوف عند المفسرين السنة، نذكر أنه بالنسبة للبعض، ولا سيما الإمام الطبري الشهير، يجب أن يُفهم مصطلح أهل البيت هنا على أنه لا يشير فقط إلى النبي نفسه، ولكن أيضاً إلى ابنته فاطمة، ابن عمه وزوج ابنته علي، وحفيديه الحسن والحسين، وفي قول آخر أولئك الذين يشار إليهم بـ”أصحاب العباءة” في إشارة إلى واقعة “المباهلة“.

ومع ذلك ، يرى مفسرون آخرون مثل ابن كثير، أن سياق الكلام الذي وردت فيه هذه الآية، يلزمنا بضم زوجات الرسول أيضاً، إذ أنهم في الحقيقة هم الذين تمت الإشارة إليهم مباشرة في الآيات السابقة والآيات التالية.

في الواقع ، لا يمكن تأكيد معنى حديث “أهل بيتي أمان لأمتي”، أو لنا أن نصفه بالـ “التوقع”، إلا من خلال المعنى الذي نصبغ به تعبير “أهل البيت” ، “أهل منزلي”. فبالنسبة للترمذي فإن مصطلح أهل البيت يشير بالتأكيد إلى سلالة النبي، ولكن بشكل أكثر تحديداً إلى نسله الروحي، سلالة الأولياء والعارفين الذين بلغوا أعلى درجات الإدراك الروحي، سواء كانوا منحدرين من سلالة دم النبي أم لا. هؤلاء “رجال الله”، بأقوى معاني هذا المصطلح، هم حُماة الأمة، أمة الرسول ، وعلاوة على ذلك فالفضل يعود إليهم في بقاء الجنس البشري.

آل البيت - الترمذي
الترمذي

بسهولة يمكننا أن نفهم كيف أن الطرح الذي قدمه الترمذي هنا، والذي يخالف الرأي الشائع القائل بأن تعبير “أهل البيت” يشير إلى عائلة النبي بالمعنى الحرفي، قد أثار القلق، حتى بين المعجبين به. نلاحظ أن الأمر تكرر أيضاً مع النبهاني، الذي تحداه شريف من مكة في اليوم التالي لنشر كتاب “نوادر الأصول”، مطالباً إياه بالتنصل فوراً من تصريحات الترمذي حول الموضوع والرد عليه كتابة.

في البداية راوغ النبهاني. لم يسبق له أن كتب من قبل ولم يشعر أنه يستحق مثل هذه المهمة. علاوة على ذلك ، واجه معضلة خطيرة. لم يكن لديه أدنى شك في أن الترمذي كان مخطئاً بالتأكيد في هذه النقطة، لكنه كان مقتنعاً تماماً أيضاً بأنه كان واحداً من أشرف الأولياء، علاوة على ذلك ، فقد كان رأيه من رأي معلم يكن له النبهاني أعلى درجات التبجيل حتى لقَّبه دون تردد بـ “الشيخ الأكبر” و”المعلم الأعظم” – ابن العربي.

توسيع نطاق الأمر القرآني

أولى ابن عربي، التأويل، كما نعلم، أهمية كبرى، وذلك عبر فحص المفردات الدينية لكل من القرآن والحديث. في هذه الحالة، يحرص على التمييز بين مصطلحي “أهل” و “آل” ، وهما مرادفان إلى حد ما في الاستخدام الحالي.

قد يتذكر المرء أن كلمة “آل” هي الكلمة المستخدمة في “الصلاة على النبي”، على الأقل في أولى صورها، وأنه من المتفق عليه عموماً أن نعطيها معنى “الأسرة” في هذه الحالة مثل “أهل”.

إلا أن ابن عربي يعتبر هذا خطأ. يقول: “لا تتخيلوا أن تعبير آل محمد يشير إلى أهل بيته، فليس هذا دارجاً بين العرب”، وفي موضع آخر يقول: “في اللغة العربية آل الرجل المقصود بهم أقربهم مودة إلى الإنسان نفسه”، وهنا ينطلق مؤلف كتاب “الفتوحات المكية” من الاستخدام القرآني لمصطلح “آل”، وبشكل أدق في سورة البقرة آية 49، “وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب”.

من الواضح تمامًا أن “آل” هنا لا تشير إلى أقارب فرعون بل إلى مستشاريه المقربين الذين دعموه في ممارسة السلطة وبالتالي كانوا متواطئين في أخطائه.

وعلى نفس المنوال يمد الخط إلى الأنبياء، فمصطلح “آل” يجب أن يُفهم على أنه يشير إلى أقربهم في الإيمان، (الصالحون العارفون المؤمنون). لذلك فإن “رجال الله” هم من تتنزل عليهم صلوات الله عندما يصلي المؤمن الصادق على محمد وآل محمد وليس على ذوي القربى من النبي وحسب.

والصلاة على النبي ممارسة أُسِّس لها بعد نزول الآية 56 من سورة الأحزاب: “إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا”

وعندما سأله أصحابه كيف يؤدون هذا الواجب، أجاب النبي: قولوا: “اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد”

وبهذا يلاحظ ابن عربي أن الرسول قد وسع نطاق الأمر القرآني، وأمر المؤمنين أن يصلوا على “المقربين منه” بنفس الطريقة التي صُلّيَ بها على الـ”المقربين من إبراهيم”، وقد منح الله كثير من هؤلاء النبوة، وبقدر ما يشير ذلك إلى مهمة قانونية (نبوة التشريع)، إلا أن النبوة لم تعد ممكنة منذ وفاة الرسول، الذي كان، كما يصفه القرآن، خاتم النبيين.

ومع ذلك، وهذا يشكل نقطة أساسية في فقه النبوة عند ابن عربي، فإن النبوة لا تقف عند حدود السلطة التشريعية، بل تنطوي أيضاً على درجة عالية من الكمال الروحي.

بالنظر إلى هذا الجانب تحديداً،  فإن مفهوم النبوة يشير إلى “المقام الروحي”، والذي يسميه ابن عربي أحياناً “مركز النبوة العامة” وهو يختلف عن “نبوة التشريع” وأحياناً “مركز التقارب” (مقام القربة)، والذي يظل متاحاً لأكمل الأولياء.

وهذا يعني ، كما يخلص ابن عربي، أن الرسول، حين نقل صيغة الصلاة هذه إلى قومه، تمنى بها لـ “المقربين منه” من “العارفين”و”السالكين” أن يتمكنوا من بلوغ أعلى درجات القداسة، حتى لو لم يكن بوسعهم رغم ذلك ممارسة نبوة التشريع.

غنى عن القول أن تفسير ابن عربي لتعبير “آل محمد” هنا أبعد ما يكون عن التفسير الذي اعتمده العلماء، علاوة على أنه ليس التفسير الوحيد الذي يخطه قلم الشيخ الأكبر، لأن اللغة العربية حمّالة أوجه بامتياز، ولأن تأويله يعتمد على كافة المصادر الدلالية، فإن نصاً آخر في الفتوحات المكية يرى معنى مختلفاً تماماً لكنه لا يقل دقة.

“قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي آلٍ وعدة وآلي وعدتي المؤمن) ومن أسمائه تعالى المؤمن، وهو العدة لكل شدة، والآل يعظم الأشخاص فعظم الشخص في السراب يسمى الآل فآل محمد هم العظماء بمحمد ومحمد صلى الله عليه وسلم مثل السراب يعظم من يكون فيه وأنت تحسبه محمداً العظيم الشأن كما تحسب السراب ماء وهو ماء في رأى العين فإذا جئت محمداً صلى الله عليه وسلم لم تجد محمداً ووجدت الله في صورة محمدية ورأيته برؤية محمدية كما أنك إذا جئت إلى السراب لتجده كما أعطاك النظر فلم تجده في شيئيته ما أعطاك النظر ووجدت الله عنده أي عرفت أن معرفتك بالله مثل معرفتك بالسراب أنه ماء فإذا به ليس ماء وتراه العين ماء فكذلك إذا قلت عرفت الله وتحققت بالمعرفة عرفت أنك ما عرفت الله فالعجز عن معرفته هي المعرفة به فما حصل بيدك إلا أنه لا يتحصل لأحد من خلقه وكل من استند إلى الله عظم في القلوب وعند العارفين بالله وعند العامة كما أنه من كان في السراب عظم شخصه في رأى العين ويسمى ذلك الشخص آلا وهو في نفسه على خلاف ما تراه العيون من التضاؤل تحت جلال الله وعظمته كذلك محمد يتضاءل تضاؤل السراب في جنب الله لوجود الله عنده فهذا إذا فهمت ما قلناه معنى آل محمد”.

– الفتوحات المكية، ج2 ص128

يمكننا أن نميز هنا فكرتين رئيسيتين في مفتتح تعاليم ابن عربي، لمَّح إليهما في تلك السطور القليلة ذات الكثافة الفقهية الكبيرة. يكشف افتقار الإنسان عن عجزه الشديد وحاجته إلى “الصمد”.

إنها مثل صرخة استغاثة، وإن كانت صامتة، موجهة إلى الأبدية. ولأن التجلي يتخذ شكل الوعاء الذي يحتويه، فعندما يستجيب الله لهذا النداء يفعل ذلك بالكشف عن نفسه في هيئة ما يرجوه المرء منه، تماماً كما ذهب موسى باحثاً عن النار فرأى الله في هيئة أجمة محترقة، كذلك الرجل الذي يحتضر من العطش سيبحث عن الله في المكان الذي يشتاق فيه بكل كيانه ليجد الماء، وكذلك من ذهب بحثاً عن النبي، سيقابل ربه في نهاية سعيه قطعاً. علاوة على ذلك – وهذه النقطة الثانية هي الموضوع الأساسي للمقطع – سينَعَم بمعرفة كاملة لا مثيل لها:

وأفضل المرائي وأعدلها وأقومها مرآة محمد صلى االله عليه وسلم، فتجلي الحق فيها أكمل من تجَل يكون، فاجهد أن تنظر إلى الحق المتجلي في مرآة محمد صلى االله عليه وسلم، لينطبع في مرآتك فترى الحق في صورة محمدية برؤية محمدية ولا تراه في صورتك” الفتوحات المكية 4/433

في الواقع ، بقدر ما يكون النبي – أو على وجه التحديد “الحقيقة المحمدية” التي يجسدها – هو “نسخة الله” الكاملة ، وبالتالي يمتلك كل الصفات الإلهية، فمعرفته بالله هي عين معرفة الله بذاته، كما عبر عنها العارف بالله عبد الكريم الجيلي في كتاب “الكمالات الإلهية في الصفات المحمدية”.

وبالتالي ، فإنه من خلال السير على خطى النبي، أو بعبارة أخرى الاعتصام به باعتباره “النموذج الأكمل” (الأسوة الحسنة) يصل عابر السبيل إلى أعلى معرفة بالله:

فالزم الاقتداء والاتباع ولا تطأ مكاناً لا ترى فيه قدم نبيك فضع قدمك على قدمه إن أردت أن تكون من أهل الدرجات العلى والشهود الكامل في المكانة الزلفى (الفتوحات ج3 ص 252)

فأياً ما كان المعنى الذي يقصد به مصطلح “آل”  أو “ذوي القربي” فمن الواضح أنه وفقاً لابن عربي لا ينحصر فقط في الإشارة إلى عائلة النبي بالمعنى الحرفي، فما موقفه من مفهوم أهل البيت؟

يقدم لنا ابن عربي توضيحاً كاملاً في هذا الشأن في “الجواب المستقيم”، وهي رسالة يجيب فيها في نقاط متتالية على استبيان الترمذي، كما فعل في الفصل 73 من “الفتوحات”، ولكن باستخدام صياغة أكثر إيجازاً. وهكذا اقتصرت إجابته على سؤال: ما معنى قول النبي “أهل بيتي أمان لأمتي؟” بأن اقتبس قول النبي صلى الله عليه وسلم: “سلمان منا أهل البيت”..

يقول ابن عربي إن النبي قد بلغ حالة العبودية الكاملة لله بكل جوانبها وفي أي حال، ولذلك أنعم الله عليه في المقابل بالتطهير الكامل، مطابقاً لما ورد في الآية 33 من سورة الأحزاب المذكورة أعلاه: “يريد الله ليذهب عنكم الرجس آل البيت ويطهركم تطهيرا”،  ويترتب على ذلك ، بحسب مؤلف “الفتوحات المكية”، أن كل من كان مرتبطاً بـ “أهل البيت” يُطهَّر أيضاً وإلا نالهم نصيب من الرجس، وإذ اعترف النبي صراحةً بسلمان كفرد من عائلته، فقد تمتع سلمان بالضرورة بالامتياز الممنوح لأهل البيت.

لكن يؤكد ابن عربي أن هناك فرقاً بين المُطهرين نتيجة ارتباطهم بآل النبي (حالة سلمان أبلغ مثال على ذلك لكنه ليس الوحيد) وبين أهل البيت الأصليين، أي الذين ينتمون إلى سلالة الرسول، فأولئك هم المطهرون أو بالأحرى هم جوهر الطهارة! (هم عين الطهارة). هذه نقطة هامة إذ تتيح لنا لمحة عن حقيقة اختلاف نظرة ابن عربي إلى الامتياز الفطري لأهل البيت عن نظرة الترمذي.

الشرفاء أيضاً من آل البيت 

إن أول ما يلفت النظر في النصوص التي تناول فيها موضوع “التطهير” هو إشارته الدائمة إلى الآية الثانية من سورة الفتح، والتي يبدو للمفارقة أنها تبطل عقيدة العصمة، لأنها تعلن إلى النبي أن الله قد عفا عن كل ذنوبه، ما مضى منها وما سيأتي، “ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر”.

يتجنب المعلقون هذا الإشكال في الغالب بحجة أن الذنوب المشار إليها هي أخطاء بسيطة (صغائر) ، ارتكبت عن غير قصد (سهواً).

إن منهج ابن عربي في التأويل مختلف تماماً ويستند، كما هو الحال دائماً، إلى المعنى الحرفي الذي يتم من خلاله حل جميع التناقضات. ما ورد في هذه الآية هو أن الغفران الإلهي يسبق ارتكاب المعصية (سبقت المغفرة وقوع الذنب).

بالنظر إلى أن كلمة غفر، والتي تعني اشتقاقاً “حجب” أو “ستر” يمكن تصور احتمالين: إما أن الحجاب يقطع بين وقوع المعصية والشخص المنتفع من الغفران، وفي هذه الحالة لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يرتكب ذنب من أي نوع، أو أن الحجاب يحول بينه وبين العقوبة الإلهية التي تترتب عادة على الذنوب التي ارتكبها. من الواضح تماماً أن الحالة الأولى هي ما تنطبق على شخص النبي، الذي يكون بالتالي “معصوم” بشكل راسخ وحرفي.

الاحتمال الثاني ينطبق على أولياء محددين وقطعاً على أهل البيت. إن الخطيئة هي بالفعل أسوأ أشكال الرجس، ووفقًا لابن العربي ، فإن الآية 33 من سورة الأحزاب تضمن الطهارة المطلقة لأهل البيت ، وهذا يعني بالضرورة أنهم اسفادوا مثل النبي من هذا الغفران، هذا الغفران الإلهي المعلن رسمياً في الآية الثانية من سورة الفتح (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر). وتحديدًا هذا هو الموضع الذي تنبثق منه حالة الطهارة الأساسية ؛ وبفضل العفو المطلق الذي منحهم الله تعالى إياه، والذي يبرئهم مقدمًا من كل ذنب، فإنهم “مطهرون”.

آل البيت - صورة مقربة لابن عربي
صورة مقربة لابن عربي

بعبارة أخرى، فإن العصمة المذكورة التي تنطبق على أهل البيت وعلى عكس الرسول، لا تعني إطلاقاً أنهم عاجزون عن الإثم، ولكن في حالتهم هذه فإن تلك الأفعال لا تتصف بالذنب في نظر الله عزوجل، وبالتالي فهي معفاة من العقاب الإلهي. ويشير ابن عربي إلى أن هذا الغفران لن يُرى إلا في الآخرة، وأن أهل البيت في الدنيا معرضون للعقوبات الشرعية إن خالفوا الشريعة.

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد ابن عربي أنه يتوجب على كل مسلم أن يؤمن إيماناً راسخاً بأن الله قد عفى بالفعل عن أهل البيت، عن كل ما قد يرتكبونه من إثم، وبالتالي الامتناع عن لومهم بأي شكل من الأشكال، حتى لو وقع المرء نفسه ضحية لأفعالهم.

موجز القول فيما يتعلق بمعرفة على من ينطبق تعبير “أهل البيت”، فإن رد ابن عربي لا لبس فيه مرة أخرى، وهو ينطبق من جهة على الشُرفاء، أي ذرية فاطمة، ومن جهة أخرى على من هم مثل سلمان المرتبطين بأهل البيت، ومن ثم يتمتعون بنفس القدر من الغفران الإلهي كما وعد في الآية الثانية من سورة الفتح.

لم يشرع ابن عربي في تناول قضية سلمان حقاً إلا بعد إسهابه في تفسير مفهوم أهل البيت، إذ يذكر أن سلمان حصل على ميراثه الروحي من الأقطاب الذين بلغوا أعلى محطات مقام العبودية الكاملة، ويعد ذكر “الخضر” كأحد أولئك الأقطاب إشارة تؤخذ بعين الاعتبار، يركز ابن عربي هنا على الأولياء الذين يعتبرهم الورثة الروحيين الحقيقيين للنبي، الملامتية (من يداومون على ملامة النفس في كل الأحوال فلا يصيبهم الغرور).

يوضح نصان آخران من الفتوحات هذه النقطة، ثمة فقرة في نهاية الفصل 309 مكرسة بالكامل لـ”الملامتية”، حيث يقول ابن عربي: “الملامتية هي أعلى درجات الأولياء وهم أمراء هذا الطريق المثالي، كان أبرزهم سلمان الفارسي وهو أحد صحابة الرسول في هذا المقام، وهو المقام الإلهي  في هذا العالم”.

بالإضافة إلى فقرة طويلة في في الفصل الرابع عشر حول “مقام النبوة العامة” وهو غير نبوة التشريع،  وقد رأينا أن هذا هو المقام النهائي الذي يمكن للأولياء أن يصلوا إليه.

يشير ابن عربي إلى أن الأشخاص الروحيين الذين بلغوا هذه المرحلة هم الذين يحافظون على أحوال النبي وعلمه، ويُدرج سلمان من بين من بلغوا  ذلك المسكن الروحي في حياة الرسول.

وهكذا لدينا ثلاث مؤشرات مُحكمة ويكمل بعضها البعض على المنزلة الروحية لسلمان، حيث أن كل واحدة منها تعبر عن فكرة أن هذا الصحابي الشهير كان ولياً استثنائياً في عصره بالمعنى الحقيقي.


اقرأ أيضًا: رحلة التفسير.. مسيرة فكرية عبر ألف عام


إنه ينتمي حقًا إلى فئة “الملامتية”، الذين هم ، في نظر الشيخ الأكبر ، أكمل الأولياء من حيث أنهم يلتزمون تماماً إلى أقصى حد ممكن بنموذج الولاية الناشئ عن الإرث النبوي. بالإضافة إلى ذلك، فقد بلغ سلمان “مقام القربة” وهذا لا يُمنح إلا لعدد قليل جداً من الملامتية، أولئك الذين بلغوا “العبودية الكاملة” والذين وصفهم ابن العربي بـ”الأفراد”.

يتضح من كل هذا أن مفهوم أهل البيت عند ابن عربي له معنيان بارزان. من ناحية  فهو يعني آل بيت النبي بالمعنى المألوف للكلمة، أي أهل الكساء، والأشراف من نسل فاطمة، وروابط الدم التي توحدهم بالنبي وتضمن لهم نوعاً من العصمة لأنهم سيُبعثون مغفوري الذنوب، وبالتالي يُعفون من كل عذاب إلهي. كما أنه يضمن بذلك حباً لا يتزعزع من المؤمنين دون تمييز “المودة في القربى”.

ولكن يضاف إلى هؤلاء المتحدرين “حسب الجسد” مثلهم “حسب الروح” (على أساس أن نفس الشخص قد يجمع في بعض الحالات بين كلا السلالتين). في الواقع  بعد الترمذي، اعتبر ابن عربي أن ورثته الروحيين، “الملامتية”، الذين يسميهم بالمصطلح العام “المحمديين” ومن ثم فإن لهم نصيب من السمة المحددة المتمثلة في تحقيق “مقام العبودية الكاملة” في جميع جوانبها، ومن سمات المقام الروحي للنبي وعلاقته بالله عز وجل، فهم أيضًا ينتمون إلى “بيت النبي”.

إن جماعة النبي من جهة هي البشرية جمعاء، حيث أن النبي قد أُرسل إلى البشرية جمعاء وفقاً لما يعلنه الوحي “وما أرسلناك إلا كافة للناس”، في البداية كان يمارس تفويضه في الخفاء، عبر الأنبياء الذين سبقوه والذين كانوا “بدلاء” (نواب)، ثم في العلن منذ اللحظة التي نشأ فيها بين البشر. وهكذا تمتد أمة محمد من آدم إلى آخر إنسان. ومن هذا المنطلق فإن الجميع ينتمون إلى محمد وكلهم سينالون بركة أهل البيت ويتبارك الجميع بهم.

يقول ابن عربي في فصل طويل من الفتوحات مكرس للحب الإلهي: “من أحب الله بصدقٍ، فهو مقتول” أو “فانٍ”. فبدافع حب الله تخلص الأولياء المحمديين، أولئك العبيد الأطهار، من غرورهم ومن كل شيء، حتى صاروا “بلا اسم وبلا صفة”، كأنه موت قربان لرب العالمين، في مقابل ذلك لا تطلب هذه “الأرواح البسيطة الفانية” شيئاً، ولكن أمام هذا القربان يعدهم الله بدفع ثمن الدم (الدية)، ومكافأة برِهم المثالي بأن أحد منهم لن يغضب الله عليه أبدًا.

المصدر:

P | A | Addas: The Muhammadian House

كريم كيلاني

كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى