"كوافير محمول"

شنطة "عم منصور": رحلة البحث عن دماغ

قابضًا على زر الراديو القديم المُعلق بردهة منزله الكائن في أعماق الريف المصري بإحدى قرى “ميت غمر”، محاولاً التوصل إلى إذاعة القرآن الكريم، ليبدأ منصور شامية يومه، الذي لم يكن تبدَّى منه سوى ضوءِ خافتٍ تجلى في الأفق عقب صلاة الفجر، ومن ثمّ انصرف إلى غرفته ليشرع في مهمته المُعتادة في تنظيف وترتيب أدوات الحلاقة القديمة الخاصة به، وذلك قبل التوجه على دراجته البالية إلى زبائنه المنتظرين بحقولهم.

يحمل “منصور” حقيبة أدواته الخشبية على دراجته -ذات الصرير غير المنقطع- متوجهًا صوب زبون بعينه بات ليلته الفائتة وسط الحقول، وقد انشغل ذهنه بأفكار عدة: “ماعرفش ليه كملت في الحلاقة.. اتعلمت مهن كتير بس هي اللي استمريت فيها”.. حتى غدا في منتصف عقده السادس، يمارس المهنة ذاتها في القرية نفسها، يلفح الهواء وجهه ويبادره أحد المارة بالتحية فيرد بأحسنَ منها.

لم يتوقف ذهن “شامية” عن استرجاع ذكرياته مع مهنة الحلاقة، التي بدأها قبل خمسين سنة.. أوفده والده إلى أحد حلاقي القرية ليشرب المهنة على يديه:

“ظروفنا ماكانتش تسمح أكمل تعليمي.. فرُحت أتعلم الحلاقة”.. شحذ حواسّه كلها تجاه يدي معلمه.. لزم البقاء أمامه وأمام حقيبة معلمه، حقيبة العلم الجديد.. تعرّف على ما بداخلها جيدًا، حفظها عن ظهر قلب حتى اشتد عوده وأتقن الحرفة: “قعدت 7 سنين أتعلّم وأشتغل لحد ما اشتغلت لوحدي”.

مطلع حقبة الثمانينات، صار الشاب الحلاق لديه حقيبة خشبية هو الآخر، أشبه بتلك التي يمتلكها مُعلمه، رتب بداخلها أدواته التقليدية: “كنت باروح للناس الغيطان والبيوت، وحتى كنت ساعات أحلق في الشارع”.. ذاع صيته، بات يطلبه الزبائن بالاسم، فيذهب عن طيب خاطر: “حتى أيام الإجازة بتاعتي كانت الناس بتجيلي البيت أحلق لهم”.

بلغ “شامية” وجهته.. أوقف دراجته الهوائية.. أحكم قبضته على حقيبته.. لمح زبونه الصديق القديم: “الحلاقة في الغيط لها شكل تاني.. بتكون فيه نسمة وبراحة عن الحلاقة في البيت”.. وسط الزراعات افترش الأرض، أخرج أدوات الحلاقة، وشرع في مهمته المحببة المعتادة، دون أن يتوقف عن مداعبة صديقه: “فيه زباين باحلق لهم من 20 و40 سنة معظمهم كبار سن”.

عن غير عمدٍ سكنه حب الحلاقة، فيها يشعر بأنه المُعلم، بأدواتها يصنع فنًّا يُجيده.. على وقعها باتت له مكانته بالقرية الصغيرة، حتى حين التحق بالخدمة العسكرية، رغم عمله كسائق طوال فترة التجنيد، اكتسب شهرة وسط زملائه كحلاق: “كنا بالليل نقعد في الكتيبة وأحلق لهم”.. أجواء مرحة يملؤها الضحك والسمر تصاحب تلك المهمة حرص عليها “منصور” حتى في إجازاته: “كنت باروح جدعنة كدة أحلق مع نسيبي في إجازات الجيش.. حب للحلاقة مش حاجة تانية”.

بخفة شديدة كاد الرجل، صاحب الـ65 ربيعًا، ينتهي من زبونه القاعد تحت إحدى شجيرات الحقل يتأمل بالمرآة الصغيرة وجهه: “الحلاقة كلها بتاخد مني نص ساعة.. ممكن تزيد 5 أو 10 دقايق مش أكتر”، وما إن فرغ حتى مازحه بحكم الصداقة القديمة: “شوف نفسك بقيت عمدة أهوه”..

يبتسم زبونه وهو يمعن النظر بملامحه من خلال تلك المرآة، وينهض رفقة حقيبته التي يضعها على المقعد الخلفي لدراجته الهوائية التي يقودها مُجددًا ليعود أدراجه: “الزبون اللي بعده بقى”.

كانت مهنة الحلاقة تدر الربح على حلاق “أتميدة” قبل عقود معدودة: “كنت ممكن أحلق لـ200 بيت، حاليًّا العملية خفت شوية بقى ممكن أحلق لـ30 أو 40 بيت”، وذلك بمقابل موسمي حسب نوع المحاصيل: “باحلق للناس مقابل القمح والرز اللي باخده آخر الموسم أبيعه وأمشّي به حالي”، ولهذا أصرّ والده على وجوده برفقته بالقرية لمساعدته في تربية وتعليم إخوته: “بعد الجيش كنت عاوز أعيش في شبرا مع ولادي ومراتي”، غير أنه أدرك لبقائه أهمية كبرى فبقي.

كان لتقدم الحلاق في العمر وهو يمارس المهنة نفسها أن يجعل معظم زبائنه من كبار السن الذين يطلبونه إلى منازلهم لصعوبة حركتهم: “حلاقة الناس الكبيرة دي بكون حريص قوي عليها”، يعمد إلى عدم إجهادهم عن طريق اقترابه منهم قدر المستطاع: “فيه حالات بتكون صعبة 85 سنة، وباخاف يتعوروا”، فيفضل إجهاد حاله: “باعتبرها حاجة لله”.

رغم سنوات عمره الطويلة في الحلاقة فإنه لا يقنع بحلاقة أيّ حلاق آخر له سوى ابنه الذي ورث عنه تلك الحرفة وشقيقه: “كانوا بيقفوا جنبي وأنا باحلق واتعلموا مني وعندهم محل بيحلقوا فيه”..

تختلف حلاقتهم وزبائنهم عنه: “زباينهم شباب وكل واحد عاوز حلاقة شكل، لكن أنا زبايني كبار في السن”، غير أنه يجتهد في معرفة وتعلم كل ما هو جديد في عالم الحلاقة.

قبل مغيب الشمس، يعود “شامية” إلى منزله بدراجته الهوائية: “فيه أيام الشغل فيها بيكون خفيف زي يوم الأحد، لكن باقي الأسبوع الشغل بيكون تقيل فبارجع متأخر شوية”، يستقبله أحفاده وبعض من رفاقه المنتظرين له داخل المنزل، فتتعالى منه ضحكة ترحيبًا بهم: “بنقعد من بعد المغرب نسمع مديح أو النشرة”، يقاطعهم بين الحين والآخر زبون أو جار له يريد أن يحلق، ولا تنطفئ نار “المنقد” لإعداد أكواب الشاي الساخنة: “قبل ما بانام باجهز جدول الزباين اللي هاروحلهم الصبح أحلق لهم علشان أعرف جدولي هاحلق لمين”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

فايزة أحمد

صحافية مصرية

مشاركة

شروق غنيم

تصوير

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram