كورونا .. اختلال العالم!

محمد جميل أحمد

كاتب وباحث سوداني

منذ أن ضرب فيروسُ كورونا، حتى الآن، قلبَ أوروبا والعالم الجديد (أمريكا)، بدا الأمر كما لو أن هناك إرهاصًا باتصال قضية هذا الوباء بقضايا أخرى، تغوص عميقًا في أسئلة تتصل بالعولمة، والليبرالية، والنظام العالمي. وبدا كما لو أن هذا الوباء -على الرغم من الحزن والموت اللذين جلبهما للعالم الحديث- طريقة وحيدة لتذكير عالم ما بعد العولمة بأن الإنسانية في جزء صميم منها إنما هي كلٌّ مشترَكٌ.

لطالما توقف الفلاسفة والمفكرون عند تحديد طبيعة ما سيكون عليه مستقبل العالم بعد الثورة الرقمية، بعد ذلك الاختلال الذي كشفت عنه تلك الثورة وما صاحبها من ظواهر أخرى متصلة بحيثيتها وغير منفكة عنها، بصورة من الصور، مثل ظاهرة الإرهاب. تحدي التغيير الذي سيجلبه كورونا إلى أمريكا وأوروبا، ما بعد إعصار كورونا، هو تغيير يتصل بضرورة توجيه المسار ورؤية العالم من زاوية أكثر إنسانية، وهو تحدٍّ يتصل كذلك بإعادة رسم لسياسات قد تكون قريبةً مما كان عليه الحال قبل تسعينيات القرن الماضي. حيث بدا واضحًا في هذه الأزمة، كم هو فادح أن تكون المصانع الكبرى لشركات أوروبية في الصين مثلًا، دون أن تكون هناك قدرةٌ حقيقيةٌ لتلك الشركات على الاستفادة منها في حالات الطوارئ التي تسبب فيها المرض في قلب أوروبا، مما سيضطر تلك الدول إلى إعادة التفكير في مفهوم الضرورة المادية للحدود في الدولة الوطنية. وهو بطبيعة الحال تفكير قد يُعيد النظر في المنظومات العابرة للحدود، في المبادئ التي جلبتها العولمة. كما يعيد التفكير في مفهوم الربح والخسارة من هذه الزاوية.

ولعلّ في السؤال الذي طرحته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية في عددها الأخير لشهر مارس الجاري حول: كيف سيبدو العالم بعد وباء كورونا؟ واستضافت للإجابة عنه 12 خبيرًا ومفكرًا وباحثًا سياسيًّا؛ ما يعكس طبيعة الوضع الذي سيصير عليه العالم بعد هذا الوباء. وكان من أبرز الذين تم سؤالهم في هذا العدد هو “روبين نيبليت”، مدير معهد “تشاتام هاوس” المعروف في لندن، والذي قارب في إجابته بالقول: “يبدو أن العالم لن يعود لفكرة الاعتماد العولمي المتبادل الذي ساد في بداية القرن الحادي والعشرين، وسيكون من الصعب على القادة السياسيين الحفاظ على هذا النموذج في التعاون الدولي المتبادل”.

إلى ذلك، أدى تفاقم أزمة كورونا في كلٍّ من إيطاليا وإسبانيا إلى أزمة قد تُهدد إمكانية صمود الاتحاد الأوروبي مستقبلًا، حيث يعتقد البعض أن الاتحاد الأوروبي بعد أزمة كورونا لن يكون كما كان قبلها.

فقد صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” بالقول: “إن القادة الأوروبيين قللوا في البداية من حجم خطر فيروس كورونا”، كما أن القمة العاصفة التي عُقدت يوم الخميس 26 مارس عبر الفيديو بناء على طلب إسبانيا وإيطاليا في الدعوة إلى مناقشة بند يتصل بضرورة وضع “استراتيجية أوروبية منسّقة لاستعادة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصناعية إلى طبيعتها”، وكادت أن تفشل القمة بعد انقسامٍ بين دول الشمال الأوروبي في اعتراضها على تقاسم تكلفة أزمة كورونا مع دول الجنوب، وذلك على خلفية الاقتراح الذي تقدمت به باريس وروما ومدريد حول “سندات كورونا” ما أدى إلى انتقاد رئيس البرلمان الأوروبي “دافيد ساسّولي” “النتائج المخيّبة” للقمة الأوروبية، بالقول إن “قصر نظر بعض الحكومات لا يقلّ خطرًا عن الوباء”. وبالتأكيد فإن قصر نظر تلك الحكومات يتصل بخطورة تهديد صيغة الاتحاد الأوروبي مستقبلًا، كما ألمح “ساسولي”.

كورونا في سياقه البشري الخاص، أي في قدرته على إصابة أي شخص مهما بدا متحصنًا منه، سيخلف انعكاسات وردود فعل لجهة الحساسية التي قد تُعيد اعتبارًا للإحساس بفقراء العالم، حين يدرك أغنياؤه حدود القدرة التي أصبح عليها البشر اليوم بعد هجوم كورونا الذي ذَكّر البشرية بأزمنة مظلمة وسحيقة من تاريخها.

فيما يتصل بدول المنطقة العربية، كشف كورونا مستويات متعددة لطبيعة تلك الدول، وإلى أي مدى سيكون حرص الدولة على مواطنيها مقياسًا من مقاييس كورونا، فهنا سيبدو المعيار واضحًا لناحية الشفافية والخدمات والتدابير الوقائية كذلك.

وبحسب الإحصائيات المتصاعدة في بلدان شمال إفريقيا العربية، مثل مصر وتونس والمغرب، حيث بلغ عدد المصابين في مصر يوم 28 مارس 536، فيما بلغ في تونس 227، ليصل في الجزائر إلى 409، فيما بلغ عدد المصابين في المغرب 345؛ فإن تلك الدول وإن لم تبلغ مبلغ الخطر العام لتهديد كورونا، إلا أنها ستشهد في الأسبوعين القادمين تحديات ستتكشف عنها طبيعة المعالجات التي تصدّت بها في مواجهة تلك الجائحة.

وإذا ما بدا اليوم أن منطق التخلف هو المهدِّد الأكبر في الكوارث المحتملة لكورونا في المنطقة العربية (وهو سبب يمكن أن تتطلى وراءه بعض الدول في إعفائها من بعض مسئولياتها)؛ فإن ذلك سيكون من ناحية أخرى دالًّا على عجز تلك الدول في احتجاجها، إذا ما عرفنا أن أحد الأدوار التي يتعين على الدولة القيام بها هي: عقلنة المجتمع!

ثمة الكثير من الأسئلة التي سيخلفها إعصار كورونا في المنطقة العربية. ولكن كما أن المادية، باعتبارها هويةً لحداثة أوروبا والعالم الجديد، لن تغير من بوصلتها في وجهة ذلك العالم (مع بعض الهزات الضرورية التي ربما تفتح أفقًا لنقد أصولها)؛ كذلك سيظل التخلف هوية قارة في هذا الجزء من العالم المسمى عربيًّا. إن فيروس كورونا هو أحد أهم التحديات الكاشفة عن قدرة بلدان المنطقة على الاستجابة لمقاومة التخلف بمقاومة كورونا على النحو الأكمل من تدابير الوقاية الصحية.

وكما أن الموت الذي وحّد العالم في ظاهرة كورونا، وبعث فيه إحساسًا قديمًا بالتضامن، فإنه من هذه الزاوية سيكون ثمة ربط في المصائر بين مستقبل دول العالم بعد كورونا.

ما زلنا اليوم في قلب كورونا ولم نعرف بعد النهايات التي ستتكشف عنها نتائج هذا الإعصار من حصاد البشر، لكنّ العالم ما بعد كورنا بكل تأكيد لن يكون أبدًا كما كان قبله. ثمة فرص لعالم متعدد الأقطاب، وربما كذلك عالم بقيادة صينية.

إن خطورة المصائر التي ربما يكشف عنها كورونا، لا سمح الله، خلال الأسبوعين القادمين في منطقتنا العربية لن تعكس نتائج عادية على حياة الناس في كل الأحوال، فاللحظات التي مرت بها دولة مثل إيطاليا نتيجة للإهمال الذي تمادت فيه كان حصادها لا يزال مرًّا وخطيرًا.

وإذا كانت الماديةُ المقنعة بالالتزام الديمقراطي الهشّ قد لا تخلو من انفكاك محتمل عن “أخلاقيات” الديمقراطية في ظروف معينة (وهذا ما ستكشف عنه تحقيقات الصحافة الاستقصائية، والتحليلات) فإنه من غير الواضح ما ستكشف عنه طبيعة أحوال ما بعد كورونا في المنطقة العربية.

لقد أدرك العالم مع إعصار كورونا أن حياة مشتركة كانت خافية تحت غطاء سميك لمادية العالم الحديث، لكن كورونا جاء ليُذكّر بأن ذلك المشترك الإنساني قد لا يضع الإنسان الحديث -بصفة خاصة- عاريًا أمام عجزه ونقصه الأصليين، وإنما كذلك ليمنحه فرصةً ثانية لاستثمار ذلك المشترك في صياغةٍ إنسانيةٍ لمستقبل العالم.

اختل العالم مع كورونا بلا شك، وكان خلله على هذا النحو ضرورةً تعكس أن ثمة حاجة لصحوة محتملة لا يمكن أن ينتبه إليها العالم إلا على ذلك النحو الكارثي!

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram