"كورونا".. بطل رواية لم تُكتب

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

لحظة فارقة يعيشها العالم حاليًّا على وقع انتشار فيروس “كورونا”، تُشبه في صدمتها حالة روائية كتب عنها أباطرةُ الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، أو كلاسيكيو أوروبا في زمن ما بعد الثورة الفرنسية.

الجميع يفكر فيما يحدث الآن، وفي المستقبل القريب، يقلّب في دفاتر عقله لعله يجد الإجابة. في هذه اللحظة يملك الناس عامةً من الخيال ما لم يملكوه من قبل، في محاولةٍ لاستشراف ما سيكون. أما أهل الصنعة “الخيال” من الكتاب والروائيين، فهم أقرب إلى تلك اللحظة من أي شخص آخر، ينظرون إليها بعين المبدعين، كلٌّ يراها وفق خياله ووفق تجربته.

الكتابة عن الأوبئة تصدى لها الكثير من الروائيين في أعمالهم، منهم الروائي الكبير “وحيد الطويلة” الذي تحدث في روايته “ألعاب الهوى” عن اجتياح مرض الروماتويد، خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات، لمنطقةٍ ما في الريف المصري.

عرف “الطويلة” من الناجي الوحيد أن أهل تلك المنطقة كانوا يضعون المصابين في الـ”قفف” فقد تسبب المرض الخطير في ضمور العظام وتلف الأعصاب، وكان المرضى يموتون داخل الـ”قفف” بعد ضمور عضلاتهم وعجزهم عن الحركة.

بطل رواية “ألعاب الهوى” كان هو هذا الناجي الوحيد، يقول “الطويلة”: قدمته وهو يخرج من المقبرة “القفة” لينتفض بجسده المعوج المنحني، ويقرر الانتقام من الموت، بأن ينهب الحياة، لدرجة أنه صار كبير اللصوص لتتوالى أحداث الرواية.

وردًّا على سؤالنا حول تصوره لرواية يكتبها على هامش جائحة أخرى مثل “كورونا”، تحدّث “الطويلة” عن معانٍ دائمًا ما تناولها في رواياته، تتعلق بقيم العدالة والمساواة. يقول أديبنا: “سأصور بطل الرواية باحثًا عن العدل بالحياة، الذي لا يتحقق إلا مع انتشار فيروس كورونا، وهذا أصعب ما يكون على النفس، ألّا نصل إلى العدالة إلا عن طريق فيروس مميت”.

يستطرد “وحيد”: “ستتحقق العدالة لبطلي قبل موته مباشرة، حيث يحصل على مساواة حلم بها طويلًا كرجل عادي وربما فقير، مع أفراد ينتمون لطبقة الحكام والأثرياء، تتحقق العدالة على الأقل مرة واحدة بفعل الوباء”.

الروائي والقاص "طارق إمام"

أما الروائي والقاص “طارق إمام” فيذهب بعيدًا في تخييلها عن جائحة “كورونا”، ويمدنا بتفاصيل أكثر حول روايته المفترضة، يقول “إمام”: فور تسلل كلمة “كوفيد 19” من فم أحد الروائيين، تنطلق أحداث الرواية. يُكتشف “كوفيد”، وسيُختصر اسمه في الرواية إلى “ك” (لكي يربط النقاد بينه وبين شخصية كافكا الشهيرة في رواية المحاكمة، وليحصل على رمزيةٍ تتجاوز النص الواقعي البسيط)، وهذا الروائي سيدفعه “إمام” إلى التفكير في الكتابة عن روايةٍ حول الفيروس.

الكاتب، الذي يحب وضع إصبعه داخل فمه ليُقلِّب صفحات الكتب، ويترك الإصبع نفسه ملتصقًا بشفتيه، ملامسًا سنتيه الأماميتين وطرف لسانه، بينما يطلب ممن حوله التقاط صورة كل خمس دقائق وهو في وضعية التفكير؛ كان كأنه يُصرّ على إدخال كوفيد جوفه: “هذا إن استثنينا دعكه المتواصل لعينيه لتبدوان في الصور منهكتين أو دامعتين، فضلًا عن هوايته الخاصة في قرقضة أظافره، والتي لم تكن لديه متعة تضاهيها سوى اللعب في أنفه”.

يستطرد القاص صاحب العوالم الغرائبية التي تثير الدهشة دومًا في نفوس قرائه: “لكن (ك) (الفيروس) يشعر أن كاتبًا كهذا لو مات بسببه فسيصبح بطلًا دون وجه حق، وربما أصبح مخطوط روايته الناقص كتابًا شهيرًا (المخطوط الناقص سيحيل لكافكا أيضًا لدى النقاد ما سيدعم فكرة الأفق الكافكاوي).. هنا يقرر (ك) مغادرة فم الروائي طوعًا، مفضلًا الموت على الأسفلت المعقم (بالتناص مع الأبنودي، وهو ما سيدعم مصرية النص لدى النقاد بعد أن حقق اتصاله مع الأدب العالمي) على إكمال طريقه لجهازه التنفسي، المتهالك بطبيعة الحال”.

فور اتخاذ (ك) القرار يكتشف، وفق تصوُّر “إمام” الطريف، أن فم الكاتب لم يعد يُفتح، وأنه عزف حتى عن تناول أي شربة ماء، وكأن الروائي قرر أن يموت “مكرونًا” مع سبق الإصرار والترصد.

في تلك اللحظة يجد (ك) نفسه عالقًا، غير قادرٍ على تحديد وجهته، بين أن يموت رمزيًّا وأن يموت في الواقع، وهي أيضًا نهاية ستفتح أفق التلقي، وتسمح للنقاد بالإسهاب عن نص مفتوح (كوباء كورونا نفسه) على كافة الاحتمالات، ليشارك المتلقي في إنتاجه بالقدر نفسه الذي ينتجه به الكاتب.

الروائي "محمد عبدالنبي"

الروائي “محمد عبدالنبي” يقول إن كتابة رواية عن اللحظة الراهنة ربما خطرَ على بال الكتاب كافة ولو للحظة عابرة، على الأخص كل مَن يكتب السرد أو الدراما؛ لكنه رغمَ ذلك لم يخطر بباله، حتى جاءه سؤالنا، ويرجع “عبدالنبي” ذلك إلى انغماسه في كتابة مشروع جديد لم يزل في مراحله الأولى، لهذا فأبعد شيء عن تفكيره هذه الأيام هو أن يسير وراء فكرة جديدة.

يعزو “عبدالنبي” السبب كذلك إلى أنه ربما “لأنَّ كارثة الوباء العالَمي، مثل حريقٍ هائل، لا تزال مشتعلة ولا سبيل للسيطرة عليها، لتمتد مِن موضعٍ إلى آخَر، وتلتهم في طريقها كل ما تصل إليه، وعلى الكاتب أن يتجاوز هذا حتى يصل إلى حالةٍ معقولة مِن السكينة والطمأنينة تتيح له أن يبدعَ شيئًا عن تلك الكارثة”.

وفي تصور صاحب “في غرفة العنكبوت” أن اللحظة الحالية تبدو كأنها رواية أو فيلم طويل، يكتب نفسه بنفسه، للفيروس دور البطولة، ولنا جميعًا أدوار مساعدة وثانوية، أما أحداث الرواية فتدور في كل بلاد العالَم، يظهر فيها الرؤساء والقادة والملوك والسلاطين، كما الأطباء والممرضون والمسعفون، كما الجموع المهرولة والمختبئة والملتجئة لله، المنتظرة معجزة مِن العِلم أو مِن السماء.

يستكمل “عبدالنبي”: “أمامَ رواية بهذا الحَجم ليس هناك إلَّا كاتب منتفخ الذات ومغرور قد يفكر في النزول إلى الحلبة ومجابهتها بقلمه”.
رغم ما ذهب أديبنا إليه يفترض أنه لو اضُّطر لكتابة عمل أدبي عن الجائحة فلن يعمل على مساحة الأحداث الكبرى، وصور الشوارع الخالية، ومشاهد التوابيت المتوالية، وانهيار البورصات، أو سقوط دول على سبيل المثال؛ بل سيفضل العمل على الداخل، مشاعر الناس، بالأحرى مشاعر وأفكار بعض الأشخاص، أسرة قليلة العدد مثلًا، يُضطر أفرادها لأوَّل مرة تقريبًا أن يمكثوا في المنزل معًا لوقت طويل، في إطارٍ مِن الذُعر والهلع والترقب والضجر، ما الذي قد تحمله معها هذه الحبسة لأشخاص اعتادوا التباعد وتجاهل أحدهم للآخَر؟.

في تصور “عبدالنبي” سيكون هذا سؤال العمل الأساسي (سؤال العزلة والحبس): “مِن غير ظلال رُعب على طريقة رواية ستيفن كنج “البريق”، وِبدون دراما عائلية على طريقة مسرحيات تينيسي وليامز؛ بل أقرب إلى البحث في الداخل، والإنصات إلى الأصوات الهامسة في الرؤوس، إلى الكلام الذي لا يُقال، والأفكار التي نطردها بمجرد ظهورها، والمشاعر التي تخامرنا فتبعث فينا الخجل والخوف”.

أما الشاعر والروائي “محمد أبو زيد” فأعلن عن عدم ميله إلى كتابة رواية عن “كورونا”، لكنه لو فعل، فسيكتب رواية عن “أثر كورونا الممتد”، عن الفيروس الذي سيغير العالم، ويغير موازين القوى بين الدول، وحتى العلاقات الاجتماعية بين البشر.

يقول “أبو زيد” إنه سيضع فرضية أن الفيروس سيستمر في التوغل والتمدد، لكن “العالم لن ينتهي كما يتوقع بعضهم، سيستمر مع وجود مجتمعات مغلقة ومجتمعات تحت الأرض للحد من تأثير الفيروس، سيتحول الآخر مع الوقت إلى زومبي، إلى مجرد كمامات تسير في الشارع. مع الوقت ستضطر الدول والكيانات العابرة للقارات للعمل مرة أخرى، بمن بقي من البشر، حتى مع وجود الفيروس، لأنه لا يمكنها أن تخسر أكثر”.

يتخيل صاحب رواية “عنكبوت في القلب” أن الإنسان سيستسلم في النهاية أمام “كورونا”، ويخرج للهواء الطلق، ليكتسب بعض الناس مناعة، ويسقط البعض الآخر صريعًا “ربما وقتها فقط سيتعرف الإنسان على ماهيته، لكنه لن يتعرف على العالم الذي ستتغير حدوده وشكله وحتى طرق التعامل معه وفيه”.

قصة

محمد الشماع

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search