“كورونا”.. خطوة على طريق تطبيق الشمول المالي

عزت فكري بطران

باحث اقتصادي وخبير ضرائب

مع مطلع العام الجاري 2020، وضعت أزمة كورونا العالم على مشارف أزمة اقتصادية كبرى عادت بالأذهان إلى مثيلاتها في عام 1929، وتلك التي شهدتها العشرية الأولى من الألفية الثانية عام 2008-2009، وهو الأمر الذي أكده منذ اللحظات الأولى المدير الإقليمي لصندوق النقد الدولي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى “جهاد أزعور” حين رجح أن تشهد المنطقة تراجعًا كبيرًا في معدلات النمو هذا العام منذ صنفت منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا -الذي اتخذ من مدينة ووهان الصينية بؤرته- بـ”الجائحة”، وهو تصنيف يفوق في خطورته ما عرفه العالم من قبل من أوبئة.

عالميًّا، كان السؤال عن التداعيات الاقتصادية للفيروس الزاحف ملحًّا مع توقف العديد من مظاهر الحياة الاقتصادية في العالم. فمنذ البداية توقفت قطاعات متعددة، مثل: السياحة، وخدمات النقل، والطيران، والشحن، وما لبث الأمر أن امتد إلى مختلف القطاعات الصناعية، بعدما أصدرت الحكومات حزمة من القرارات للتصدي لانتشار هذا الفيروس خوفًا من تحول المراكز الصناعية إلى بؤر لنقل وانتشار الفيروس، فقدرت خسائر شركات الطيران العالمية مبدئيًّا بنحو 113 مليار دولار من مبيعاتها في حال استمرار انتشار فيروس كورونا، كما تعرض قطاع النفط لأكبر انخفاض على الطلب على الإطلاق.

في مصر، سُجلت أول حالة إصابة بفيروس كورونا في الرابع من مارس من عام 2020، وما لبثت أرقام المصابين والوفيات في التنامي حتى سارعت الحكومة المصرية لاستصدار عددٍ من القرارات للتصدي لانتشار الفيروس، كان لها بما لا يدع مجالًا للشك تأثير بالغ على الاقتصاد المصري يصعب تقديره في ظل توقف عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية، كالسياحة، وخدمات الطيران، والشحن، والتصنيع، وغيرها من القطاعات الرئيسة في الاقتصاد المصري.

في ضوء تلك الأزمة، كان التساؤل عن دور منظومة “الشمول المالي” المستحدثة في تجنب أو على الأقل الحد من التأثيرات الاقتصادية على القطاع المالي.
ويعني الشمول المالي إتاحة الفرصة لكافة فئات المجتمع، سواء الأفراد أو المؤسسات، لإدارة الأموال والمدخرات بشكل آمن وسليم، وهو ما يتم من خلال توفير الخدمات المالية المتنوعة المقدمة من البنوك والمؤسسات المالية الرسمية، بتكاليف مخفضة ومن خلال منافذ واسعة الانتشار، كالبريد أو البنوك أو عبر الهواتف المحمولة، وهو ما يعني تشجيع الأفراد على التوجه للمؤسسات المالية الرسمية بدلًا من طرق الأبواب الخلفية والطرق غير الرسمية التي تُودِي ببعضهم إلى التعرض لعمليات النصب والاحتيال.

فهو يستهدف في الأساس دمج الفئات المهمّشة ماليًّا أو من ذوي الدخل المالي المنخفض للانخراط في عمليات النظام المصرفي من خلال منظومة العمل الرقمية باستخدام المحمول، فوصول جميع الأفراد إلى حساب المعاملات على رأس أهداف مجموعة البنك الدولي للشمول المالي في العام الجاري 2020.

حيث تتيح المنظومة للأفراد الوصول إلى حساب المعاملات (الحسابات المصرفية الإلكترونية) كخطوة أولى تسمح للمتعاملين بادخار المال، أو إرسال المدفوعات واستلامها. وبالإضافة إلى ما تُتيحه حسابات المعاملات من خدمات مالية أخرى، من المرجّح أن يستخدم الناس خدمات مالية أخرى، مثل الائتمان والتأمين، لبدء الأعمال التجارية وتوسيعها، والاستثمار في التعليم أو الصحة، وإدارة المخاطر، ومواجهة الصدمات المالية، وهو ما يمكن أن يحسن حياتهم بشكل عام.

كما يسهّل توفير الخدمات المالية أمور الحياة اليومية، ويساعد العائلات والشركات على التخطيط لكل شيء من الأهداف طويلة الأجل إلى حالات الطوارئ غير المتوقعة، بوصفهم أصحاب حسابات.

ويبقى السؤال: إلى أي حدٍّ يمكن أن تساهم منظومة الشمول المالي في الحد من آثار أزمة فيروس كورونا الاقتصادية، بل والمساهمة في تقليل فرص الإصابة وانتقال العدوى؟
لا شك في أن للشمول المالي دورًا كبيرًا في الحد من آثار الأزمة في مصر، وكلما زادت نسبة تطبيقه أمكنت السيطرة على التداعيات والآثار الناتجة عن فيروس كورونا، فوجود حسابات بنكية لكافة فئات الشعب، سواء أكانوا من أصحاب الدخول الثابتة والمعروفة أم من غير منتظمي الدخل، سيتيح وجود قاعدة بيانات قومية شاملة تحدد عنوان المواطن ومصادر دخله وسلوكه الإنفاقي والاستهلاكي مع تحديد أولوية الدعم.

على جانب آخر، فإن تقليل حجم النقدية والتكدس أمام البنوك، ومكاتب البريد، وتقليل حجم الاختلاط، والتعامل عبر شبكات الدفع والسداد الإلكتروني وما تتيحه منظومة الشمول المالي من سبل؛ سوف يساهم في تقليل حدة وآثار الفيروس من خلال منع التكدس والتعامل المباشر، ومن ثم تقليل فرص نقل العدوى.

فالتطبيق الشامل لمفهوم الشمول المالي سيساهم كثيرًا في إمكانية تطبيق كافة الإجراءات الاحترازية، من عزل، وحجر صحي، وحظر جزئي وكلي، لا سيما في ظل تقليص البنك المركزي لحدود السحب اليومية إلى 10 آلاف جنيه من البنك و5 آلاف جنيه من ماكينة الصراف الآلي، وهي إجراءات ستكون بالغة الصعوبة ما لم تتوفر لجميع أفراد وفئات الشعب حسابات بنكية تسهل إمكانية التعامل.

أما عن سُبل التطبيق، فهي ما يمكن تحقيقه من خلال البنوك، أو البريد، أو شبكات المحمول، أو منظمات المجتمع المدني، أو الجمعيات التعاونية، أو شركات التأمين؛ الأمر الذي يُسهّل على الإدارات والوزارات الحكومية مهمة حصر وتوزيع المبالغ النقدية والمساعدات العينية للفئات محدودة الدخل، لا سيما بعدما أصدرت الحكومة توجيهاتها لوزارة التضامن بسرعة العناية بعمال اليومية منذ بداية الأزمة.

وقد قام البنك المركزي بعد انتشار فيروس كورونا بالفعل باتخاذ مجموعة من التدابير تخدم فكرة الشمول المالي منها -على سبيل المثال- إلغاء جميع العمولات والرسوم على التحويلات المحلية بالجنيه المصري، بهدف تقليل استخدام النقد، وزيادة القيمة اليومية لمحافظ الهاتف المحمول إلى 30 ألف جنيه، وإصدار البطاقات المدفوعة مقدمًا للمواطنين مجانًا لمدة 6 أشهر. وكذلك تفعيل خدمة الدفع باستخدام رقم الاستجابة السريع الموحد “QR CODE” التسجيل التلقائي للعملاء في الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، وأصبحت الآن الفرصة مواتية تمامًا لدمج الاقتصاد غير الرسمي الذي يعمل بدون أي ضوابط أو رقابة في الوقت الذي يمثل فيه منافسة غير عادلة للقطاع الرسمي.

قد تكون أزمة كورونا فرصة إيجابية كبيرة لجذب قطاع كبير من الاقتصاد غير الرسمي إلى المنظومة الرسمية، وحماية ملايين العمالة في القطاع، وبناء قاعدة بيانات تسمح بصياغة مبادرات وبرامج حكومية لتحقيق أهداف اقتصادية محددة، وتوسيع قاعدة دافعي الضرائب، وتحسين بيئة العمل، وتحقيق الشمول المالي للشركات.

واقع تطبيق الشمول المالي

وربما يكون من المفيد أن نتوقف عند واقع ومدى نجاح تطبيق منظومة “الشمول المالي” عالميًّا ومحليًّا. فمنذ عام 2010، تعهد أكثر من 55 بلدًا بالعالم بتحقيق الشمول المالي، وقام أكثر من 30 بلدًا بإطلاق أو إعداد استراتيجية وطنية بهذا الشأن. وتشير الدراسات إلى أنه عندما تضع البلدان استراتيجية وطنية للشمول المالي، فإنها تزيد من سرعة الإصلاحات وتأثيرها.

ووفرت البلدان التي حققت أكبر قدر من التقدم نحو الشمول المالي، بيئة تنظيمية وسياسية مواتية لجذب الاستثمارت العالمية، من خلال السماح للبنوك والمؤسسات غير المصرفية بالابتكار، وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية. ومع ذلك، يجب أن يكون خَلْق هذا الفضاء الذي يشجع على المنافسة مصحوبًا بتوفير الخدمات المالية بشكل يتسم بالمسئولية. ومن أمثلة تلك الإجراءات ربط الرقم القومي بالحساب البنكي، وتحفيز المواطنين على إجراءات الدفع الإلكتروني من خلال الخصومات، وتقليص حجم التعامل بالنقدية، وهو ما قامت به الحكومة المصرية مؤخرًا في كافة الجهات والهيئات الحكومية والجامعات.

وقد ساعدت التكنولوجيا المالية الرقمية، كانتشار الهواتف المحمولة على مستوى العالم، في توسيع نطاق الحصول على الخدمات المالية بالنسبة للسكان الذين يصعب الوصول إليهم والشركات الصغيرة بتكلفة ومخاطر منخفضة.

وطبقًا لبيانات البنك الدولي فإن فرص تحقيق الشمول المالي عالميًّا تزداد وتتسارع وتيرته مع استخدام الهواتف المحمولة والإنترنت، بنسب متفاوتة بين البلدان، كما أن احتمال امتلاك حساب بنكي لا يزال أكبر بين الرجال منه بين النساء.

عالميًّا، يمتلك 69% من البالغين، أي 3.8 مليارات شخص، حسابات في البنوك أو لدى شركات تقديم الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول، وهي خطوة بالغة الأهمية في الإفلات من براثن الفقر. وارتفعت هذه النسبة إلى 62% في عام 2014، من نسبة لا تتجاوز 51% في عام 2011.

وفي الفترة بين عامي 2014 و2017، حصل 515 مليون بالغ على حسابات مصرفية، وقام 1.2 مليار بالغ بذلك منذ عام 2011 وفقًا لقاعدة بيانات المؤشر العالمي للشمول المالي. ورغم ارتفاع ملكية الحسابات في بعض البلدان، فإن التقدُّم في هذا الشأن كان أبطأ في بلدان أخرى، حيث يعوقه -في الغالب- التباين الكبير بين الرجال والنساء، وبين الأغنياء والفقراء. ولم يطرأ أي تغيير على الفجوة بين الجنسين في البلدان النامية منذ عام 2011، حيث لا تزال قائمة بواقع 9 نقاط مئوية. بالإضافة إلى رصد زيادة كبيرة في استخدام الهواتف المحمولة والإنترنت لإجراء المعاملات المالية.

وفي الفترة بين عامي 2014 و2017، أسهم ذلك في ارتفاع نسبة مالكي الحسابات الذين يقومون بإرسال المدفوعات رقميًّا أو تلقّيها، من 67% إلى 76% عالميًّا، وفي البلدان النامية من 57% إلى 70%.

ورغم ذلك ما زال هناك 1.7 مليار بالغ لا يمتلكون حسابات مصرفية، على الرغم من أن ثلثيهم يمتلكون هواتف محمولة يمكن أن تساعدهم في الحصول على الخدمات المالية، مثل صرف الأجور والمعاشات والإعانات الاجتماعية مباشرةً في حسابات، فهذا -على سبيل المثال- يساهم في حصول نحو مائة مليون بالغ آخرين على مستوى العالم، من بينهم 95 مليونًا في البلدان النامية، على الخدمات المالية الرسمية.

كما أن هناك فرصًا أخرى لزيادة ملكية الحسابات واستخدامها من خلال المدفوعات الرقمية: يعمل بالقطاع الخاص أكثر من 200 مليون بالغ لا يمتلكون حسابات مصرفية، ويتلقون أجورهم نقدًا فقط، وبالطريقة ذاتها يتلقى أكثر من 200 مليون شخص المدفوعات الزراعية.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن فرص زيادة الشمول المالي كبيرة خاصةً بين النساء. وحاليًّا، يمتلك 52% من الرجال حسابات مقابل نسبة لا تتجاوز 35% من النساء، وهي أكبر فجوة بين الجنسين مقارنةً بالمناطق الأخرى. ويتيح ارتفاع ملكية الهواتف المحمولة نسبيًّا مجالًا لتوسيع نطاق الشمول المالي: من بين الأشخاص الذين ليست لديهم حسابات مصرفية، يمتلك 86% من الرجال و75% من النساء هواتف محمولة. ويقوم حوالي 20 مليونًا من البالغين الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية في المنطقة بإرسال أو تلقي التحويلات المحلية نقدًا أو من خلال خدمة الشباك، من بينهم 7 ملايين في مصر.

البنك المركزي المصري
الشمول المالي في مصر

في مصر يظهر واضحًا ما توليه إدارة الدولة من اهتمام بالغ بتطبيق الشمول المالي في كافة المعاملات، وذلك لسببين رئيسين؛ أولهما التقليل قدر المستطاع من التعامل النقدي وهو ما يُقلل من فرص انتقال العدوى حاليًّا، ويقلل من فرص الفساد المالي في مختلف الأوقات.

أما السبب الثاني فهو أن دخول كافة المعاملات عن طريق البنوك والمصارف يعني حصر الاقتصاد غير الرسمي الذي يمثل طبقًا لبعض الإحصاءات 40% من الاقتصاد الرسمي، و60% -وفق بعض الإحصاءات غير الرسمية- من حجم الاقتصاد في مصر، وقد تم تطبيق 30% من إجراءات الشمول المالي في آخر ثلاث سنوات، ما يعني أن مصر ما زال أمامها الكثير في هذا الإطار. وإذا كنا نعاني من الآثار السلبية لفيروس كورونا، فإن الحكمة تقتضي الدفع بتطبيق المنظومة في سبيل حصار آثار الأزمة، ومساعدة الدولة في الحد من التهرب الضريبي، وزيادة الحصيلة الضريبية التي تمثل المصدر الرئيس للإيرادات العامة للدولة، حيث قدرت في موازنة العام المالي 2019/2020 بحوالي 856.6 مليار جنيه، أي ما يعادل حوالي 75.5% من إجمالي الإيرادات العامة للدولة في ظل التوقعات بأن يصل إجمالي الناتج المحلي في العام المالي 2019/2020 إلى 6.475 تريليونات جنيه.

كما يُساهم في مكافحة غسيل الأموال، ورصد عمليات تمويل الإرهاب، نظرًا لتوافر قاعدة بيانات رئيسية للمتعاملين؛ إحكام الرقابة على التدفقات النقدية الخارجة والداخلة في النظام المصرفي، وهي خطوات ستساهم في القفز بالاقتصاد المصري إلى المكانة التي نرجوها، باعتبار تطبيق منظومة الشمول المالي خطوة أولى على الطريق.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search