كورونا على أعتاب مُخيمات إدلب

العزل يُميتنا جوعًا.. والوقاية تُميتنا عطشًا

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

لا يشغل وباء “كورونا” القاتل أو غيره من الفيروسات التي تُهدد العالم بال “مصطفى الأحمد”، الشاب السوري النازح بإحدى هذه الخيمات المهترئة بمنطقة حارم في ريف إدلب الغربي شمال غربي سوريا، بقدر ما يشغله توفير قوت يومه وإحضار الخبز والخضر لعائلته، أو كما يقول هو لـ”ذات مصر”: “الأفضل يصير فينا كورونا وهذا يلي جاي من الله أفضل ما نموت من الجوع في الخيمة”.

يخرج الشاب العشريني من خيمته التي يسكن بها 6 أفراد صباحًا للعمل بغية توفير المال الزهيد لإبقاء عائلته على قيد الحياة، فنقص الموارد والمياه والطعام يُجبره وهو الآلاف من قاطني المخيم على رفض الاحتماء من كورونا: “أنا اليوم إذا ما طلعت اشتغلت في يومي بألف ورقة بألفين ورقة -ألف ليرة سورية (أقل من دولار واحد)- جبت بيهم شوية خبز وخضرا ما نعيش راح نموت”.

وفي حين تتوالى تحذيرات ونصائح منظمة الصحة العالمية والجمعيات الأممية بضرورة البقاء في المنازل و”العزل الصحي” لوقف انتقال الفيروس التاجي (كوفيد- 19)، الذي أُصيب به 735,796 وراح ضحيته 34,843 شخصًا حتى الآن؛ فلا يملك أكثر من 3 ملايين مواطن بشمال غرب سوريا “القدرة على العزل، أو حتى رفاهية المياه للاستحمام وغسل الأيدي”.

هناك في إدلب وأجزاء من حلب، ينتشر النازحون جراء الحرب الأهلية المُندلعة منذ عام 2011، داخل المخيمات وعلى جانبي الطرقات، وتحت الأشجار بالقرب من الحدود مع تركيا يسكنون. مأساة جديدة تُضاف إلى هؤلاء وخوف آخر يتجدد، ليس هذه المرة من البرد القارس الذي حصد حياة العشرات منهم قبل أسابيع فصاروا جثثًا مُتجمدة داخل الخيام، أو بسبب تلك القنابل المتساقطة عليهم من السماء، أو الحرب الدائرة على الأرض بين المسلحين؛ لكنه وباء كورونا الجائح.

إذ تُقدر لجنة الأمم المتحدة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن سوريا، أعداد النازحين داخليًّا بـ6.5 ملايين شخص، ينتشر 2.8 مليون منهم في إدلب وضواحيها، ويُضاف إليهم 900 ألف مدني هارب من ويلات الحرب إلى الشمال الغربي خلال الأشهر الأربعة الأخيرة فقط. بينما تُشير منظمة الصحة العالمية، إلى أن سوريا لا يعمل بها الآن سوى 64% من المستشفيات، و52% من مراكز الرعاية الصحية، فضلًا عن فرار 70% من العاملين الصحيين من البلاد، وتعرّض الكوادر الطبية للاعتقال والاختفاء.

حال النازح السوري “محمد أبو الفهد”، لا يختلف كثيرًا عن حال جاره قاطن مخيم الصفصافة بمدينة سلقين “مصطفى الأحمد”، إذ يتمنى الأول وضعًا آدميًّا تتوافر فيه أدنى مقومات الحياة الإنسانية التي تؤهله لحماية نفسه وأسرته من الوباء القاتل؛ إلا أن الخيام التي تبعد مترًا أو مترين عن الأخرى تحول دون هذه الإجراءات الوقائية، فيترك الأمر لخالقه: “الله يتلطف بالعباد”.

وبحلول مساء يوم الأحد الـ22 من مارس الجاري، أعلنت الحكومة السورية رسميًّا أول إصابة بالفيروس في دمشق، لدى شابة قالت إنها قادمة من الخارج، مما دفع منظمة الأمم المتحدة إلى دقّ ناقوس الخطر الأكبر بشأن كورونا: “الخوف من الوصول إلى مخيمات النازحين شمال غرب البلاد”.

سرعان ما توالت الدعوات على لسان الأمين العام “أنطونيو جوتيريش” إلى الوقف الفوري لإطلاق النار في جميع أنحاء سوريا لمواجهة الفيروس. وحذر مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى البلاد “غير بيدرسون”، قائلًا: “السوريون تحديدًا معرضون بشدة لفيروس (كوفيد-19). الكثير من مرافق الرعاية مُدمرة، وهناك نقص هائل في المعدات الطبية ومجال الصحة”. وأعقبه بيان في الـ28 من مارس على لسان “باولو بينيرو”، رئيس لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا بأن “المدنيين السوريين سيواجهون تهديدًا مميتًا متمثلًا بتفشي كـوفيد-19 الذي لا يميّز بين أحد إذا ما بدأ الهجوم، وأن النازحين هم الأكثر ضعفًا”.

مخيمات حارم- الصفصافة

الحصول على الماء النظيف أو الصرف الصحي محدود للغاية في تلك المناطق بغرب سوريا، أما في سائر الأنحاء وفي أماكن أخرى من البلاد، فلا يزال عشرات الآلاف يعانون من نقص الرعاية الطبية، بما في ذلك 70 ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال، في مخيم الهول شرقًا.

الصحفي “مصعب الياسين”، أحد هؤلاء المتضررين بريف إدلب الغربي، يؤكد في حديثه لـ”ذات مصر”، أن المخيمات في منطقة حارم تُعاني الحال ذاته الذي يُعانيه مخيم الصفصافة، من وجود أعداد هائلة من النازحين مع انتشار مياه الصرف الصحي بينها، وافتقارها لدورات مياه بالمعنى الحقيقي، ناهيك عن غياب التعليم والمدارس.

ولا يستطيع هؤلاء -بحسب “الياسين”- الخضوع لأي نظام حجر صحي في سبيل مواجهة “كورونا” أو الاهتمام بنظافتهم الوقائية إذا حلت الكارثة: “مهما وصفتلك ما بيوصف للشيء اللي بتعانيه الناس من صعوبة المعيشة وعدم وجود دعم بالشكل الحقيقي”.

قبل 4 أيام فقط، بدأت مديرية الصحة الحرة في إدلب -التابعة للحكومة السورية المؤقتة- اختبارات الكشف عن الإصابة بفيروس كورونا للمشتبه بهم بعد وصول ثلاث “كيتات” تكفي لـ300 مريض فقط، أرسلتها منظمة الصحة العالمية إلى مخبر شبكة الإنذار المبكر بالمحافظة الخاضعة تحت سيطرة المُعارضة.

وفي الـ29 من مارس، تسلمت المديرية ثلاث “كيتات” جديدة لأجهزة الـ”PCR” القادرة على كشف الفيروس، بحسب ما أكده الدكتور “عبدالحكيم رمضان”، منسق الصحة العامة في المديرية لـ”ذات مصر”.

أحد أطفال مخيمات حارم

على الرغم من عدم ظهور أي إصابات بالفيروس في الشمال السوري؛ إلا أن الوضع الصحي كارثي، والاستعداد الحقيقي لمواجهة خطر كورونا أقل من 1%، وتوعية نازحي المخيمات “صعبة للغاية”، فهي نتاج حرب استمرت سنوات عديدة، تركتهم بلا تعليم أو مأوى أو مياه نظيفة أو دور رعاية مؤهلة، كما يقول الطبيب “عبدالحكيم رمضان” في حديثه، لافتًا إلى وجود “201 سرير عناية مركزة” فقط في الشمال السوري تخدم 4.2 ملايين شخص، وبعجز أطباء بلغ 600 طبيب بمعدل “1.3 طبيب” لكل 10 آلاف مدني.

وحدة تنسيق الدعم أطلقت عبر شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة التابعة لها وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والمنظمات السورية غير الحكومية، برنامجًا استعدادًا لكورونا في شمال سوريا تحت اسم “Task Force” لاتخاذ التدابير الاحترازية لمواجهة الوباء. ورغم تلك الجهود، إلا أنها قليلة جدًّا إذا ما قُورنت بحجم الكارثة التي قد تواجهها مخيمات النازحين وحدها، أو كما يقول منسق صحة إدلب: “لا قدر الله، إذا بيصير انتشار الفيروس فيها بيصير انفجار يتطلب إمكانيات كبيرة جدًّا للسيطرة عليه”.

في وقتٍ لم تَزُرْ فيه مخيمات “سلقين” أية منظمات أممية أو إغاثية منذ اكتشاف الفيروس التاجي، يقول “عبدالله المحسن”، أحد سكان مخيمات “سرمدا” المجاورة (تضم عشرات الآلاف من النازحين)، إن عدة فرق تطوعية وزعت عليهم عددًا من الكمامات و”الكفوف” التي لا تكفيهم سوى يومين فقط، ولا يمكنه شراء كمامات في ظل أوضاعهم الصعبة أو حتى مكوثهم بالخيمات من أجل الحجر المنزلي.

يُكمل النازح حديثه: “الخيمة اللي ما وقتنا من البرد فكيف توقينا من فيروس انتشر بشكل مرعب وبينتشر بعدة وسائل أخرى، طبعًا مخيمات عشوائية كلتها، وهدا الفيروس ما يمكن أن نقاومه بهيك مخيمات، وكتير من الشباب عاطلين عن العمل ما في مدخول، وبالتالي ما بقدر أشتري كل يومين كمامة صار حقها نص دولار”.

وعبر موقعها الرسمي نشرت الجمعية الطبية السورية الأمريكية “سامز” (منظمة إغاثة غير ربحية) صورًا لعدد من أفراد طاقمها أشارت إلى أنهم ضمن عيادة متنقلة تحت اسم “جبل الزاوية”؛ لتقديم الأنشطة الطبية والتوعوية ضد الفيروس بمخيمات “كنصفرة” و”بني خزاعة” بريف إدلب الشمالي. مؤكدةً -في الوقت ذاته- أن مناطق شمالي وغربي سوريا من أخطر الأماكن وأكثرها قابلية لانتشار أي وباء بشكل كبير، وأنهم مستمرون في تعريف النازحين بالمرض وخطورته عبر جلساتهم التوعوية.

مع كل هذا، يبقى وضع النازحين خاصًّا بل مأساويًّا كما يصفه السوري “محمد الهاويش” (36 عامًا)، فلا تتوافر لديهم مقاومات الحياة، وسيظلون مجبرين على الخروج صباحًا والعودة مساءً إلى خيامهم لكسب قوت يومهم، لا تدعمهم فصائل ولا تملك حكومات المعارضة موارد لتوفر لهم المأكل والمشرب. وبين كل هذا وذاك تتجدد مخاوفهم من كارثة قريبة “إذا صار لا سمح الله كورونا، وضعنا مأساوي جدًّا، وربك إذا ما لطف اتبهدلنا”.

قصة

محمود الطباخ

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

إنفوجرافيك

Start typing and press Enter to search