كورونا في غزة

حصار فوق الحصار

كانت عقارب الساعة تشير إلى السابعة، عندما خرج عاصم شحادة من منزله واستقل سيارته الأجرة، ليطوف بها في شوارع مدينة غزة في رحلة البحث عن راكب.
اعتاد عاصم (35 عامًا) على روتين عمله اليومي منذ 13 عامًا، كحال غيره من أبناء قطاع غزة العاطلين عن العمل، والذين يعمل عدد كبير منهم على سيارات الأجرة، وفقًا لما رواه السائق الثلاثيني لـ”ذات مصر”.

مضت ساعة تلو أخرى دون أن يجد عاصم راكبًا واحدًا، نتيجة قلة حركة الفلسطينيين في شوارع غزة، خشيةً من الإصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) والذي تحول لـ”جائحة” عالمية، وتسبب في إعلان حالة الطوارئ بالقطاع بعد تسجيل أولى حالات الإصابة في الـ2 من مارس الماضي.

بعد 12 ساعة من العمل، قرر السائق أن ينهي جولته اليومية ويعود إلى منزله، أخرج النقود التي بحوزته وبدأ في عدها، لكنه لم يجد معه سوى 20 شيكل أي ما يعادل (خمسة دولارات).

شعر عاصم بالحزن وهو يهم بالانصراف خالي الوفاض، فالمبلغ الذي جناه بالكاد يكفي لشراء وجبة طعام واحدة لأفراد أسرته الخمسة الذين ينتظرون وصوله للمنزل بترقب شديد.

يقول عاصم شحادة لـ”ذات مصر”: “كنت في السابق أتغلب على صعوبات الحياة، وأستطيع تأمين الاحتياجات اليومية ولكن بسبب انتشار جائحة كورونا، وإعلان حالة الطوارئ في قطاع غزة، تعطلت قطاعات عدة عن العمل، وأبرزها الجامعات والمدارس، ولم يعد العمل كالسابق، وتراجع دخلي اليومي بشكل كبير، ولم أعد أستطيع توفير كافة احتياجات أسرتي، ودفع فاتورة الكهرباء”.

ويضيف “عاصم”: يتوجب علي أن اقتطع جزءًا من المبلغ البسيط الذي أحصل عليه، لإصلاح سيارتي في حال تعطلها، ودفع الترخيص للحكومة حتى لا يتوقف عن العمل.

ويتابع: “لا أحد يشعر بمعاناتنا، ولا نحصل على أي مساعدات لتجاوز الأزمة التي تسبب بها فيروس كورونا، وكنت أتمنى لو تقدم الحكومة في غزة أو السلطة الفلسطينية الدعم لكافة العمال بالأجر اليومي الذين تعطلت أعمالهم بسبب هذه الأزمة”.

"إبراهيم": لم أتمكن من دفع إيجار مسكني

كحال الكثيرين من سكان غزة، زاد فيروس كورونا المستجد من معاناة إبراهيم المدهون (٢٨ عامًا)، ليجد نفسه في نهاية المطاف عاجزًا عن دفع إيجار مسكنه الذي يقيم به.

قبل الأزمة التي تسبب بها “كورونا” كان بإمكان إبراهيم، أن يدفع إيجار منزله، ويوفر الطعام لطفليه، من عمله في بيع المشروبات الساخنة، والسجائر على أحد مفترقات الطرق في قطاع غزة، لكن في زمن كورونا، بات الشاب العشريني مهدداً بالطرد من المنزل، وعاجزًا عن توفير أدنى متطلبات الحياة.

يقول إبراهيم في حديث لـ “ذات مصر”: “طرقت كافة الأبواب للبحث عن فرصة عمل في أي مجال، ولكني لم أجد، لذلك افتتحت “كشكًا للمشروبات الساخنة”، وأصبح مصدر رزقي الوحيد الذي أعتمد عليه، وكان زبائني طلاب الجامعات، والموظفين والمواطنين الذين يتنقلون من مكان إلى آخر، لكن منذ إعلان حالة الطوارئ لم أعد انخفض دخلي بشكل كبير”.
يكمل: “ما أحصل عليه لا يكفي مصروف أسرتي اليومي، وأخشى أن يتم طردي من المنزل الذي أسكنه به لعدم قدرتي على دفع الإيجار نتيجة الأزمة الحالية”.

ويبين الشاب المدهون أنه يخشى في أي وقت من الأوقات أن يتم طرده من المنزل الذي يسكن به، لعدم قدرته على دفع الإيجار نتيجة الأزمة الحالية، وأن يصبح مصيره في الشارع، كونه لا يملك مصدر دخل آخر يعتمد عليه.
وتسبب فيروس كورونا في زيادة معاناة سكان قطاع غزة المحاصر منذ عام 2006، وذلك بسبب وقف الاستيراد من الخارج، وإغلاق المعابر الحدودية، وإغلاق الأسواق الأسبوعية، وعدم انتقال المواطنين كالسابق خوفاً من التقاط العدوى.

محلل اقتصادي: "كورونا" يعصف بالاقتصاد الفلسطيني

من جانبه يقول المحلل الاقتصادي الفلسطيني أسامة نوفل، إن الوضع الاقتصادي في قطاع غزة قبل انتشار فيروس كورونا كان صعب جدًا، مضيفًا أن المؤشرات الاقتصادية لعام 2019، أكدت أن غزة تعرضت لانهيار اقتصادي كبير، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 6%، وارتفعت نسبة البطالة في بداية العام الجاري إلى 43%، وذلك بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض منذ ثلاثة عشر عامًا. 

ويؤكد نوفل لـ”ذات مصر” أن جائحة كورونا زادت الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة سوءًا، بسبب تعطل عددًا من القطاعات الحيوية مثل قطاع النقل، والذي توقف بعد تعطيل الجامعات والمدارس، وانعكس ذلك على العاملين به، مما أدى إلى تدهور أوضاعهم وانضمامهم إلى صفوف العاطلين، وبالتالي عدم قدرتهم على توفير احتياجاتهم اليومية.

ويوضح المحلل الاقتصادي أن أصحاب الأعمال الحرة، والبائعين بالأسواق الشعبية، والسائقين، وغيرهم الذين يحصلون على أجر يومي هم الأكثر تضررًا بسبب الأزمة، كما تأثر العاملون في القطاع السياحي في قطاع غزة، بعد قرار إغلاق صالات الأفراح والفنادق، والمنتجعات السياحية والمقاهي، والتي لها دور كبير في الناتج الاقتصادي في قطاع غزة.

ويشير “نوفل” إلى أن القطاع الصناعي تأثر بفعل الفيروس المستجد، وتحمل خسائر فادحة، وذلك نتيجة عدم تمكن العمال من الذهاب إلى أعمالهم، وتأخر وصول مدخلات الإنتاج إلى القطاع، نظرًا للإجراءات الوقائية التي تتخذها السلطات على المعابر الحدودية للحد من انتشار كورونا.

وتوقع “نوفل” أن تصل نسبة البطالة في قطاع غزة إلى أكثر من 80%، إضافةً إلى تراجع الاقتصاد الفلسطيني لأكثر من 50% من وضعه الحالي، وتراجع حركة الواردات نظرًا لتراجع القدرة الشرائية، وذلك بسبب عدم وجود مصدر دخل للمواطنين.

ويطالب المحلل الاقتصادي برفع الحصار عن قطاع غزة، في ظل انتشار الفيروس، والسماح بإدخال مستلزمات الفحص المختلفة لهذا الوباء والأدوية والمساعدات الإنسانية إلى السكان، إضافةً لعمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” بكامل طاقتها لتقديم المعونة للاجئين في تلك الظروف الصعبة.

"الصحة الفلسطينية": إمكانياتنا محدودة في مواجهة الوباء

سجلت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، 13 إصابة بفيروس كورونا المستجد لمسافرين عائدين من خارج البلاد، وتم نقل المصابين للحجر الصحي، وتعافى 9 منهم حتى 11 أبريل الجاري. 

وفي ذات السياق، يقول الدكتور أشرف القدرة، الناطق باسم وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، إن الوزارة تعاني من نقص حاد في المعدات الطبية، ومستلزمات المختبرات والفحص المخبري الخاص بفيروس كورونا المستجد، مضيفًاأن الوزارة تسير بخطوات متوازية في تقديم الخدمة اليومية للسكان، ومواجهة جائحة كورونا المستجد بما يتوافر لديها من إمكانيات محدودة.

ويضيف “القدرة” لـ”ذات مصر” أن الحصار الإسرائيلي تسبب بالنقص المستمر لـ45% من الأدوية، و 25% من المستلزمات الطبية، و65% من لوازم المختبرات، وبنوك الدم، وكافة ما يلزم لفحص هذا الفيروس، مطالبًابتقديم الدعم الدولي، وتوفير الدعم الطبي الكامل لوزارة الصحة الفلسطينية لتتمكن من مواجهة الفيروس.

ويتابع: عدد أسِرة العناية المركزة ضئيل جدًا، ولا يفي بالغرض المطلوب، و يتوافر لدينا 65 جهاز تنفس صناعي فقط، وهذا العدد لا يكفي لتغطية احتياجات المرضى بشكل يومي، ونحتاج لـ100 جهاز أخر، و140 سرير عناية مركزة لمواجهة فيروس كورونا.

يشير النطاق باسم الصحة الفلسطينية في غزة إلى أن الوزارة تقدم الرعاية الصحية لـ1816 شخص يخضعون داخل نحول 30 مراكزًا للحجر الصحي موزعة على كافة مناطق القطاع، من بينهم 1067 يعانون من أمراض مزمنة.

ويبين “القدرة” أن الطواقم الطبية تتعامل مع الأشخاص الخاضعين للحجر الصحي، وفق إجراءات وقائية واحترازية، محذرًا من خروج الأوضاع عن السيطرة في حالة تفشى الوباء داخل قطاع غزة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

علي مصطفى

صحافي فلسطيني

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search