كورونا وتجمّعات الخطر

كيف أثّر الاعتقاد الديني على مواقف الأشخاص ؟

على الرغم من قرارات حظر التجمعات الدينية في مختلف الدول، وما يتم من حملات توعية بمخاطر هذه التجمعات؛ إلا أن هناك من لا يزال لديه إصرار على التحايل على هذه القرارات، والقيام بحشد تجمعات خلسة أو علنًا للدعاء والصلاة. فنجد -على سبيل المثال- مسيرات للدعاء في المغرب، وتحول أسطح المنازل إلى مساجد للصلاة بمصر. وعلى الرغم من حظر نيويورك للتجمعات الكبيرة، فقد شهدت المجتمعات اليهودية الحسيدية – حركة اجتماعية يهودية نشأت في القرن 17- في بروكلين عدة تجمعات ساهمت بصورة مباشرة في تسارع تفشي الفيروس. وفي إيران ظلت الأضرحة الشيعية الرئيسة مفتوحة للجمهور لأسابيع ترتب عليها تفاقم الأزمة وصعوبة احتوائها.

وهناك العديد من الرؤى التي ربطت بين التجمعات الدينية وتسارع انتشار فيروس كورونا. وتطرح هذه الإشكالية تساؤلًا يتجاوز البحث في كيفية انتشار الفيروس خلال هذه التجمعات، ويتجه نحو بحث السبب في إقامتها على الرغم من كل ما يُطرح من تحذيرات.

والحقيقة فإن الربط بين انتشار الفيروس وأنظمة الاعتقاد ليس بجديد، فقد شهد التاريخ العديد من الأحداث التي ارتبطت فيها قناعات السلامة لدى المؤمنين بالدين. يحدث هذا بشكل خاص في أوقات الخوف وانعدام اليقين. إن البعض ينظر إلى التجمعات الدينية ودور العبادة بوصفها حصنًا كافيًا لردع الأذى؛ إلا أن هذا ليس هو السبب الوحيد في هذا الإصرار، فهناك العديد من الدوافع الأخرى التي سيتم تناولها في السطور التالية.

رجال الدين بإيران
التجمعات الدينية ودورها في تفشي فيروس كورونا المستجد

هناك العديد من التجمعات الدينية في أنحاء مختلفة من العالم ساهمت بصورة مباشرة في نشر فيروس كورونا المستجد. ففي كوريا الجنوبية تم الربط بين كنيسة شينتشونجي وتفشي الفيروس، حيث حصلت المراكز الكورية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، في كوريا الجنوبية، على قائمة تضم 9300 شخص، حضروا طقسين دينيين بكنيسة شينتشيونجي، حيث شكا نحو 1200 منهم من أعراض تُشبه أعراض الأنفلونزا، والآن يُعتقد أن الكنيسة هي المسئول الرئيس عن انتشار الفيروس في كوريا الجنوبية، وهو ما دفع حكومة مدينة سول إلى توجيه شكوى جنائية إلى الادعاء العام ضد “لي مان-هي” (زعيم كنيسة شينتشونجي)، مع أحد عشر شخصًا من كبار أعضاء كنيسته، بالمساهمة في النشر العمد لفيروس كورونا في كوريا الجنوبية[1].

إن ما حدث في كوريا الجنوبية يمثل واحدًا من أبرز التجمعات الدينية التي ساهمت في تفشي الوباء، ولكنها ليست الوحيدة، فقد تم ربط بؤرتين من أكبر بؤر انتشار الفيروس في سنغافورة بالكنائس، وفي ماليزيا أيضًا تم الربط بين تفشي الفيروس وتجمع ١٦٠٠٠ شخص في مسجد بماليزيا، حيث أعلنت ماليزيا في ١٥ مارس تسجيل ١٩٠ حالة إصابة جديدة بفيروس “كورونا” أغلبها مرتبط بتجمع ديني أُقيم في مسجد وحضره أكثر من عشرة آلاف شخص من عدة دول[2].

ومن المعروف أنه عندما يتم حظر السبل الطبيعية والمعتادة لممارسة الطقوس والصلوات لدى الأفراد؛ فإنهم يميلون إلى البحث عن طرق أخرى بديلة لتحقيقها. بالنسبة لبعض الكاثوليك في شمال إيطاليا، كان هذا يعني إقامة تجمعات سرية في منازل الكهنة والأماكن الخاصة الأخرى التي يحتمل أن تكون أصغر وأكثر ازدحامًا من الكنيسة، ويتم تداول الأخبار حول الخدمات المرتجلة وغير المصرح بها على نطاق واسع على تطبيق “واتساب” ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى. كان المصلون في معظم المقاطعات الشمالية يعبرون حتى وقت قريب الحدود مع سويسرا للذهاب إلى القداس، قبل أن تقيد الحكومة السفر بشدة. في قرية صغيرة بالقرب من بافيا، جنوب غرب ميلانو، تم إبلاغ الشرطة عن كاهن يبلغ من العمر 88 عامًا لأنه احتفل بقداس الأحد في الكنيسة المحلية[3]، وغيرها الكثير من التجمعات التي تقام خلسة في مختلف دول العالم ولدى مختلف الأديان.

هذا التحايل لا يرتبط بديانة محددة، فعلى اختلاف الأديان كانت التحفظات متشابهة، وسبل التحايل على الحظر متشابهة أيضًا.

تجمعات كورونا
كيف تؤثر أنظمة الاعتقاد على مواقف الأشخاص من الأوبئة والأمراض؟

يصعب النظر إلى الموقف الراهن لبعض الفئات المتدينة التي تُعارض قرارات الإغلاق أو تتحايل عليها بأنه موقف جديد، فهو موقف تكرر بصيغ متباينة على مر التاريخ. والحقيقة أن النظرة الأشمل تكون عبر التعامل مع الدين، وعلاقته بالاستجابة للأمراض والأوبئة بشكل عام، كما تثير التساؤل المتكرر الجدلي والمتكرر: ماذا لو تعارضت تعليمات بعض رجال الدين ومفاهيم بعض المتدينين للدين مع تعليمات الأطباء والعلماء؟ إلى أي سبيل سيذهب المتدينون؟

إن ردود الفعل هنا تتوقف ليس على درجة التدين وإنما على طبيعته، كما حدث مع الأوبئة التاريخية، مثل فيروس نقص المناعة البشرية والإيبولا، فقد أثبتت ردود الفعل حيالها أن أنظمة الاعتقاد تؤثر إيجابًا أو سلبًا على مواقف الأشخاص من الأوبئة. على سبيل المثال: أثرت الأديان تاريخيًّا في موقف الأفراد من قبول التطعيمات. ففي الولايات المتحدة -على سبيل المثال- يعتقد بعض رجال الدين المسيحي أن الأمراض هي حالة ذهنية، تفشى بالإيمان، وقد قاموا بالحشد للحيلولة دون قبول التطعيمات. من جهة أخرى، اقترح الحاخام “هيليل هاندلر” بنيويورك أن تفشي الحصبة كان مؤامرة ضد الهاسيديك تم تحضيرها من قبل العمدة “بيل دي بلاسيو” كغطاء للأمراض التي يستوردها مهاجرو أمريكا الوسطى. وربط آخرون ما أسموه “التطعيم القسري” بالمحرقة[4]. وقد أعلنت مقاطعة روكلاند في ولاية نيويورك في مارس ٢٠١٩ حالة الطوارئ لمواجهة تفشٍّ حادٍ لمرض الحصبة، وذلك عقب حملات المناهضة التي شنتها طائفة يهودية أرثوذكسية متشددة، بينما شهدت معدلات التطعيم في الولايات المتحدة بشكل عام انخفاضًا بسبب عزوف العديد من الآباء عن تطعيم أبنائهم، والتي يعود في جزء كبير منها إلى المعتقدات الدينية[5].

وتوصلت العديد من الدراسات التي تناولت بالتحليل أسباب العزوف عن التطعيمات إلى أن التدين يؤثر على قرارات التطعيم، وغالبًا ما يستخدم الآباء الاعتراض الديني كذريعة لتجنب تطعيم أطفالهم. وتُظهر بعض الدراسات أن عدد حالات رفض التطعيم بناء على الإعفاء الديني يتزايد، مما يؤدي إلى تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل تفشي فيروس النكاف بين أعضاء مجموعة أرثوذكسية بروتستانتية في هولندا[6].

وبالنظر إلى الموقف من فيروس كورونا، فقد امتد الأمر ليس فقط إلى مخالفة التعليمات الصحية الرسمية، وتجاهل تحذيرات منظمة الصحة العالمية من التجمعات الدينية؛ ولكن امتد إلى الخرافة وتجاهل الوسائل الطبية للجوء إلى المياه المقدسة بوصفها مطهرًا لليدين، وإلى الصلاة بوصفها لقاحًا. وبالنسبة للمسلمين طرحت صدمة إغلاق الحرمين الشريفين فكرة الخصوصية الغيبية التي تحصن الحرم المكي وماء زمزم من الأوبئة والفيروسات للاختبار، فواقع الأزمة والتاريخ كَشَفَا بوضوح عدم صحة تلك الأفكار التي ظن الناس أنّها جزء من المقدّس لشيوعها وكثرة ترديدها حتى إنّها كانت متعالية عن الإخضاع للتفكير قبل اجتياح فيروس “كورونا”.[7]

الداعية "كينيث كوبلاند" - تكساس

والحقيقة أن نظر البعض إلى الدين كمصدر أساسي للشفاء والأمل الروحي دفع إلى استغلال الأزمة للتكسب من قبل البعض، لنجد بعض الأشخاص يروجون لعلاجات دينية للفيروس لا أساس لها في العلم. في ميانمار، على سبيل المثال، أعلن راهب بوذي بارز أن جرعة واحدة من الجير وثلاث بذور نخيل ستمنح المناعة. وفي إيران، تم تصوير بعض الحجاج وهم يلعقون الأضرحة الشيعية لدرء العدوى. وفي تكساس، قام الداعية “كينيث كوبلاند” بتضفير الظهور التلفزيوني بالتطبيب عن بعد، مدعيًا أنه يمكنه أن يشفي المؤمنين من خلال شاشاتهم.[8] بينما أشارت تقارير إعلامية صينية إلى أن ٨٠% من المرضى في الصين تلقوا علاجًا تقليديًّا مرتبطًا بمعتقدات دينية، وظهرت ممارسات أخرى في الهند مثل شرب “بول البقر” باعتبار ذلك وصفة شعبية ترتبط بمعتقدات دينية[9]. 

لماذا يصر البعض على إقامة الشعائر الدينية الجماعية رغم خطورتها؟
الرئيس التنزاني "جون ماغوفولي

بتحليل دوافع إصرار البعض على إقامة الشعائر الدينية الجماعية رغم خطورتها، تم التوصل إلى عدد من الدوافع يمكن إجمال أبرزها فيما يلي:
• الإتكالية:

قال الرئيس التنزاني “جون ماغوفولي”، إن بلاده لم تحظر التجمعات في الكنائس والمساجد، لأن هذه الأماكن فيها “علاج ناجع” للمرض. وأضاف أن “فيروس كورونا شيطان لا يقوى على العيش في مكان المسيح، وسيحترق على الفور”. وكان وزير الصحة الإسرائيلي “يعقوب ليتسمان” قد أصر على إعفاء المعابد اليهودية والمؤسسات الدينية الأخرى من القيود المفروضة على التجمعات العامة، وقال إنه “ينبغي ممارسة الصلاة على أمل أن يأتي المسيح المخلص وينقذ الإسرائيليين من الوباء”[10]. وعند سؤال أحد موظفي الصحة في إندونيسيا -وفقًا لـ”نيويورك تايمز”- عما تسببت فيه التجمعات الدينية من تفشٍّ لفيروس كورونا، أجاب: “إن المرض والصحة من الله”، وتابع: “إن كل ما يحدث لنا يتم بإرادة الله”[11].

إن الدين يُمثل الملاذ الأول للبشرية في مواجهة الأزمات والخوف، ومن الطبيعي والمألوف أن يلجأ الجميع إلى التقرب إلى الله وأداء الشعائر الدينية في سبيل ليس فقط طمأنة النفس، وإنما أيضًا التآزر وتعزيز الشعور الجمعي؛ إلا أن البعض يرى أن أداء الشعائر والتضرع وحده قادر على حمايتهم، وهؤلاء هم “الاتكاليون” الذين يعولون على الدعاء فقط لحل أزماتهم ومشكلاتهم في الحياة بشكل عام، وهؤلاء أيضًا من يصرون على إقامة التجمعات الدينية باعتبار أنها السبيل لحل أزمة وباء كورونا المستجد، وتعتمد هذه الممارسات على تفسيرات وفهم مغلوط للدين قائم على مبدأ أن التواجد في دور العبادة كافٍ وحده لحماية الفرد من الوباء.

ياسر برهامي

• العقاب يأتي جمعيًّا، لذا فالتضرع يجب أن يكون جمعيًّا:

ذُكر سلفًا أن الأزمة ليست في المعتقد، وإنما في طبيعة التأويل الشخصي لدى فرد أو مجموعة من الأفراد للدين. على سبيل المثال، هناك معتقد عام في مختلف الديانات التي تم رصد ردود أفعال أتباعها يقوم على أن الشرور بكل أنواعها تأتي كنوع من العقاب الإلهي، حتى وإن كان الوباء عقابًا إلهيًّا. لقد أورد موقع “صوت السلف”، الموقع الرسمي للدعوة السلفية، سؤالًا يقول: “نسمع الآن مِن كثيرٍ مِن الناس أنّ ما يحصل في الصين من انتشار القتلى والضحايا بسبب فيروس كورونا هو عقوبة إلهية مِن الله تعالى بعد ما فعلته الصين في مسلمي الإيغور، فهل هذا كلام صحيح؟”، فردّ الشيخ “ياسر برهامي” -نائب رئيس الدعوة السلفية- قائلًا: “أنواع الكفر والظلم والبغي، تستوجب أنواعًا مِن العذاب في الدنيا والآخرة، والأوبئة أصلًا عقوبة مِن الله تعالى”.[12]

الجانب الآخر من القناعات يطغى فيه الدافع النفسي للشعور بالأمن من خلال الاحتماء بالجماعة المؤمنة، والشعور بالشبه والمشاركة، بالإضافة إلى القناعة التي تقوم على أنه بما أن العقاب الإلهي يأتي كعقاب جمعي، فإن التضرع إلى الله والتقرب منه يجب أن يكون طقسًا جماعيًّا، وهو ما يعني في الإسلام -على سبيل المثال- “صلاة الجماعة”. وفي ظل الشعور بالخوف وانعدام اليقين يتراجع مغزى ما يتم إطلاقه من تعليمات صحية، ويلجأ الفرد إلى غريزته، وفي أوقات الخوف يفقد المنطق، وعندما تخاطب شخصًا بأن الله موجود في كل مكان؛ فهو يصدقك، ولكنه لا يود أن يواجه صوته منفردًا.

• قناعة الحرب المتصورة على الدين:

إن إلغاء الطقوس الدينية الجماعية ترتب عليه العديد من التبعات النفسية، وفتح مساحة لاستغلال ذوي الفهم المغلوط للدين، وتأويل ما يحدث وكأن منع التجمعات الدينية هي حرب على الدين وليس حربًا ضد الوباء. إن “تيمة” الحرب ضد الدين تجد رواجًا لدى العامة، ولذلك تجد من يحاولون استغلالها، من خلال حث الأفراد على إقامة التجمعات الدينية الجماعية خفية، فنجد كاميرات تصور تجمعات لأشخاص يصلون جماعة فوق أسطح منازلهم، وآخرين يفتحون المساجد خلسة للصلاة، وهو ما يتسق مع الفكرة التي يحاول البعض ترويجها، سواء عن جهل أو سوء نية. على سبيل المثال، تعالت الخطابات المتطرفة عقب قرار تعطيل العمرة وإغلاق الحرمين الشريفين، ووجدت فرصة لتأكيد معاني المؤامرة على الإسلام، ورأوا في تعطيل صلاة الجماعة وإغلاق المساجد كأحد مراكز التجمعات في إطار الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار الوباء؛ عقوبة إلهية أو مؤامرة كونية لتعطيل العبادة، واصفين ذلك بالتخريب المنهيّ عنه في القرآن الكريم.[13]

الكعبة الشريفة في زمن كورونا

البعض يرى أن إلغاء التجمعات يعني إلغاء الدين، والحقيقة أن البعض لا يخشون فقط من فقدان صلاة الجماعة، أو القداس؛ وإنما يخشون فقدان الدين. إن بعض المؤمنين لديهم خوف مرضي على دينهم، وكأنه سيُسرق منهم أو من مجتمعهم في يومٍ ما، وهذا الخوف يتم الحديث عنه مسبَّبًا بأن هناك حربًا متصورة على الدين، حربًا من “الكفار”، “الدولة”، “العلم”، “الآخر” بشكل عام. إن كل ما يحيط بهم يشعرون بأنه يحارب الدين، أي يحارب يقينهم وإيمانهم، وبالتالي فإن خطوة الإغلاق تلك تثير الرعب في البعض ممن قد يتصورون أنها خطوة في سبيل ضياع العقيدة.

وتأتي العديد من الاستجابات الرافضة للإغلاق والاستبعاد الاجتماعي، في سياق سابق شهدت فيه الأديان حالة من عدم الاستقرار، فنجد الإسلام -على سبيل المثال- وقد أصبح على مرمى نيران العديد من التيارات المتطرفة التي تحاول تحويل العلاقة بينه وبين الإرهاب إلى علاقة سببية. ومع تنامي التيارات التي تنادي بالحد من دور الدين في الحياة السياسية، والمجال العام، والتحولات الثقافية والمجتمعية التي ترتب عليها شعور بالخطر لدى المؤمنين؛ عزز هذا الاعتقاد بأن هناك حربًا تُشنّ على الدين ينبغي التصدي لها. على سبيل المثال، رفضت الأسر في باكستان وأفغانستان تطعيم أطفالها خشية أن تكون هذه التطعيمات حيلة لتعقيم المسلمين، وتصاعد الأمر ليصل إلى هجوم من الرافضين على المرافق الطبية[14].

• جاذبية التقييد:

يقول البعض ساخرين إن هناك من ينتفض للتجمع خلسة اليوم، بينما لم يكن مهتمًّا في وقت سابق كانت فيه دور العبادة متاحة. ويمكن القول هنا إن أسس الممارسة الدينية قد اكتسبت أهمية أكبر مع تحرك السلطات لتقييدها، ووفقًا لمسودة ورقة نشرتها أستاذة الاقتصاد بجامعة كوبنهاغن “جانيت سيندينغ بنتزين”، فإن البحوث المتعلقة بالصلاة على محرك البحث جوجل ارتفعت بشكل كبير خلال شهر مارس مع انتشار الفيروس التاجي عالميًّا، حتى الأشخاص الذين لا يعتبرون أنفسهم متدينين يتحولون إلى الصلاة كوسيلة للتعامل مع الأزمة[15]؛ إلا أنه وبالنظر باتجاه أكثر عمقًا يتضح أن الدين يُعد بمثابة المصدر الأساسي الذي يستمد منه معظم المؤمنين الإحساس بالمعنى، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تتسم بالمعاناة والضيق، وهو ما ينبغي النظر له بكثير من الجدية، حتى الصحة الجسدية عندما تتجرد من معناها أو غرضها الأكبر تبدأ في التحول إلى قيمة مجوفة. إن تاريخ الأديان مليء بالمؤمنين الذين خاطروا بحياتهم للدفاع عن حريتهم في العبادة ضد الأشكال المختلفة للسلطة. هناك أشكال من الخطاب الديني تقوم على استغلال هذه الحجة في الدفع بالمؤمنين لمقاومة العزل والإغلاق، وتصوير ما يحدث على أنه شكل من أشكال الجهاد.[16]

لقطات من كارثة تسونامي

• أهداف أيديولوجية وسياسية:

كثيرًا ما تم توظيف الداء من أجل أهداف أيديولوجية دينية، واستغلاله كفرصة للتذكير بدور الدين في الحياة الاجتماعية ووجوب العودة إلى الله. فكارثة تسونامي -على سبيل المثال- التي راح ضحيتها عدد كبير من الأطفال والنساء، تم توظيفها أيديولوجيًّا من بعض التيارات الدينية من أجل التدليل على صدق خطابها الأيديولوجي الذي يدعو للفضيلة ويحارب الحرية الجنسية[17]. وعلى الرغم من توقف معظم الخدمات الدينية في الولايات المتحدة مؤقتًا؛ إلا أن هناك قلة من القادة الدينيين في أمريكا تمردوا ضد تلك الحدود، وادّعوا غزو حقوقهم، مستغلين ما تتسم به قضية الحرية الدينية من حساسية في المجتمع الأمريكي[18]. كما أن حساسيات مشابهة ثارت في إيطاليا في ظل التوتر الذي لا يزال قائمًا بين الدين والسلطات العلمانية، ففي إيطاليا يحضر حوالي 20 بالمائة فقط من السكان القداس الأسبوعي، وتنزعج شريحة واسعة من المتدينين مما وصفوه بالتعامل مع الكنائس كمقدم للخدمات غير الضرورية، مثل دور السينما وقاعات الحفلات الموسيقية. وقد أثار ذلك ردود فعل شديدة بين بعض الكاثوليك، ودفعهم إلى مزيدٍ من التحفز حيال قرارات الإغلاق في البداية والسعي للتحايل عليها[19].

• إغراء البدائل:

عندما أصدرت الحكومة الإيطالية قرارات إلغاء التجمعات الدينية وإغلاق الكنائس، تعالت أصوات محتجة بأن السلطات الدينية لم تحاول -أو لم تحاول بجهد كافٍ- الوصول إلى حلٍّ وسط يسمح باستمرار الاحتفالات، وربما الامتثال للوائح الصحية عن طريق تحديد عدد المشاركين مثلًا، أو تقصير الاحتفالات واختزالها إلى أهم عناصرها. وأشار منتقدو القرار إلى أن القداس في إيطاليا لم يتم تعليقه حتى خلال التفجيرات في الحرب العالمية الثانية[20]. في معظم الدول يجتهد الكثيرون في اقتراح بدائل تسمح بإقامة الشعائر الدينية الجمعية، مع الاجتهاد في اتخاذ التدابير الاحترازية، رغم صعوبة تطبيق هذه التدابير. ورغم أن الأمر لم يقتصر فقط على التجمعات الدينية، وإنما امتد ليشمل الخروج من المنزل إلا في أوقات الضرورة؛ إلا أن هناك إصرارًا كبيرًا على عدم التسليم بهذه الحجج، والدعوة للبحث عن بدائل تحول دون إلغاء التجمعات الدينية.

Edit

1- ويكيبيديا الإخوان – تاريخ النشر 4-1-2003 – اسم الكاتب حسن البنا:
رسالة المؤتمر الخامس
https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=%D8%B1%D8%B3%D8
%A7%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%
AA%D9%85%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%8
5%D8%B3

2- مركز المسبار – تاريخ النشر 10-5-2018 – اسم الكاتب رشيد إيهُـوم:

المودودي مُنظِّر الحاكمية والجاهلية والدولة الإسلامية
https://www.almesbar.net/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8
%AF%D9%88%D8%AF%D9%8A-
%D9%85%D9%8F%D9%86%D8%B8%D9%91%D9%90%D8%B1-
%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%
D8%A9-
%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%87%D9%84%
D9%8A%D8%A9

3- الجزيرة – لا يوجد تاريخ نشر – لا يوجد اسم كاتب:
الجماعة الإسلامية في بنغلاديش
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/movementsandparties/2016/5/
24/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A
9-
%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%
D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-
%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%
D8%B4

4- المصري اليوم لايت – تاريخ النشر 8-3-2017 – اسم الكاتب محمود عبدالوارث:
قصة خطة تنصيب الملك فاروق خليفة للمسلمين: يصلي إمامًا بالناس ويُتَوِّجُه شيخ الأزهر

قصة خطة تنصيب الملك فاروق خليفة للمسلمين: يصلي إمامًا بالناس ويُتَوِّجُه شيخ الأزهر

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبتها

د. عزة هاشم

خبير علم النفس السياسي وسيكولوجيا الإرهاب

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search