"كورونا" يُخيّر ذوي الإعاقة

حياتكم أو تعافيكم

مع انتشار فيروس “كورونا” المستجد، فضلت العديد من الأسر التي لديها أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة من أصحاب المناعة الضعيفة، فرض “الحجر المنزلي” على أبنائهم والتوقف عن ارتياد مراكز العلاج الطبيعي، وجلسات التخاطب، وتنمية المهارات، الأمر الذي كان له أسوأ الآثار على وضعهم الصحي الهش؛ حيث بدأت حالتهم بالتدهور وأصبحوا مهددين بفقدان مهاراتهم المكتسبة بالتدريب.

وحسب الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريش”، فإنّ مليار شخص حول العالم من ذوي الاحتياجات الخاصة في مرمى الإصابة بفيروس “كورونا” المستجد، نتيجة ضعف مناعتهم، وبالتالي وَضَع الوباء ذوي الإعاقة بين خياري: الموت أو فقدان تعافيهم.

"يحيى".. الحياة أقسى مع الحجر المنزلي

“يحيى” طفل يبلغ من العمر 6 سنوات، هو واحد بين ملايين الأطفال المصريين من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين تأثرت حالتهم بعد تفشي فيروس “كورونا” المستجد (كوفيد- 19).

على مدار 3 أشهر، لا تتذكر والدته “سارة سالم” 33 عامًا، أنّها شعرت بالخوف عليه بقدر ما تشعر الآن، حتى أنّ اكتشاف إصابته بالشلل الدماغي، وتصنيفه ضمن ذوي الاحتياجات الخاصة، كان أقل وطأة من مخاوفها من انتشار “كورونا”؛ لذا اضطرت لإيقاف رحلة علاج ابنها.

“المدة لم تكن طويلة لكن تأثيرها لم يكن بسيطًا على “يحيى”، بعد أنّ قضى تلك الأشهر بين جدران المنزل بعيدًا عن جلسات العلاج الطبيعي، والتخاطب، وبرامج تنميّة المهارات، حتى فوجئت بتدهور حالته الجسديّة والعصبيّة والنفسيّة”، بحسب ما قالته “سارة” لـ”ذات مصر”.

تحكي “سارة”: “خُضنا سباقًا مع الزمن لسنوات كي يتطور حركيًّا وذهنيًّا ولغويًّا، لم نترك بابًا إلا وطرقناه أملًا في شفائه، لكن كل شيء توقف مع أزمة “كورونا”، وأصبحنا مهددين ليس بعدم تطوره فحسب، ولكن بفقدان كل ما وصلنا إليه أيضًا”.

وتُضيف سارة: “الحضانة أُغلقت تمامًا، وأوقفنا أي نشاط خارج المنزل بما في ذلك جلسات العلاج الطبيعي، وحدث ما كنت أخشاه؛ حيث تراجع “يحيى” على المستويات كافة، وحالته الحركيّة أصبحت أسوأ، وبات أكثر غضبًا وعنادًا من قبل”.

اعتاد “يحيى” طوال السنوات الماضيّة الذهاب إلى الحضانة، وهي خطوة يراها والديه مهمةً بالنسبة له أكثر من أي طفل عادي، لأنّها كانت تساعده في اكتساب مهارات جديدة، وتأهيله للاندماج في المجتمع من خلال التفاعل مع الأطفال الآخرين.

فكرت أسرة “يحيى” في طريقة تساعد بها طفلها، منها أنّ يأتي أخصائي العلاج الطبيعي للمنزل مرة أسبوعيًّا، ويتخذ الإجراءات الوقائية كافةً، مثل استخدام الكحول، وارتداء الماسك، لكنهم تراجعوا عن ذلك خشية إصابة غير متوقعة من المختص نفسه.

"جاستين" ووالدته.. محاكاة ناجحة

“جاستين” الذي يبلغ من العمر عامين و10 أشهر، ويعاني تأخرًا حركيًّا ولغويًّا؛ بسبب ضمور بعض أجزاء من المخ، كانت له مع والدته تجربة مميزة ساعدت على تطوره.

هذه التجربة، بحسب ما قالته والدته “إنجي” لـ”ذات مصر” تمثّلت في إجراء التدريبات المنزليّة، خلال فترة العزل المنزلي، مضيفةً “لم يكن القرار سهلًا، خاصةً أنَّ “جاستين” لم يستطع الجلوس بعد، ومناعته ضعيفة للغاية، ولن يتحمل الإصابة بكورونا“.

وتضيف “إنجي”: “بعد أنّ أوقفنا الجلسات لأكثر من شهرين، حرصت منذ اليوم الأول على التدريبات المنزليّة، وفؤجئت بتطوره على مستوى الحركة، وقدرته على النهوض بمفرده، كما تطور على مستوى التخاطب، وبدأ يقول بابا وماما”.

أم سلامة خلال فرز الزجاج

قرار أسرة “جاستين” بعدم العودة لجلسات العلاج الطبيعي إلا عندما تنتهي “كورونا”، هو الرأي نفسه الذي أيدته نحو 83.1 % من أمهات أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، في استبيان أعدته “ذات مصر”.

الاستبيان الذي شمل 140 عينةً من أمهات الأطفال من ذوي إعاقات مختلفة، كشف تطبيق 95 % من الأسر حجرٍ منزلي على أطفالهم، والتوقف عن ارتياد مراكز العلاج الطبيعي.

وكان السبب الرئيسي لاتخاذ هذا القرار هو الخوف من الإصابة بفيروس “كورونا”، بحسب 79.1 % من العينة العشوائيّة للاستبيان، فيما تمثّلت بقية الأسباب في غلق مراكز العلاج وتوقف الجلسات بها، إضافةً إلى التعثر المادي بسبب “كورونا”، وضيق الوقت بعد فرض حظر التجوال الجزئي.

الفئات الأكثر تهديدًا

وفق دراسة نشرتها مجلة علم المناعة الأمريكية سنة 2009، فإنّه من المرجح أنَّ نظام المناعة لدى حالات “الداون” يُعاني خللًا متأصلًا منذ البداية.

وتُعدّ معدلات إصابة أطفال متلازمة “داون” بأمراض مناعيّة، وأخرى متعلقة بالجهاز الهضمي والسكري أكبر لديهم، مقارنةً بأطفال آخرين، بحسب الدراسة.

ويشرح دكتور “أحمد عبدالسميع” أخصائي علاج طبيعي بأحد المستشفيات الحكوميّة، طبيعة تأثير “كورونا” على الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة،  فيقول لـ”ذات مصر”: “إنّ كورونا أثر بالسلب علي حالات كثيرة من أطفالنا؛ بسبب توقف جلسات العلاج الطبيعي، لذا كان قرارنا كمتخصصين وقف استقبال 3 فئات بعينها: المصابون بمتلازمة “داون”، ووهن العضلات، وحالات التمثيل الغذائي”.

ويوضح “عبدالسميع” أنّ أصحاب تلك الإعاقات مهددون أكثر من غيرهم بالإصابة بـ”كورونا”؛ بسبب ضعف مناعتهم، خاصةً أنّ معظمهم يعاني من مشاكل الجهاز التنفسي، وبالأخص مرضى وهن العضلات”.

وحدد “عبدالسميع” 3 فئات تأثرت سلبًا بفيروس “كورونا”، وهي: أصحاب الشد العالي في حركتهم، وحالات الارتخاء، وأصحاب الحركات اللا إرادية، موضحًا أنّ التأثير الأكبر يقع على أطفال الشلل الدماغي، والحجر المنزلي الذي طبقته العديد من الأسر سيكون له مضاعفات على غالبية هؤلاء الأطفال.

ما بعد "كورونا".. تحدٍ جديد

“عبدالسميع” عقد مقارنةً بين مرحلة ما قبل “كورونا” وبعدها، موضحًا أنّه مع ظهور “كورونا” قررت الأسر تطبيق الحجر المنزلي؛ حيث استمر 8 % فقط من إجمالي الحالات في ارتياد المستشفى والمركز حيث أعمل، لكن بعد مرور 3 أشهر، بدأت بعض الأسر تشعر بتراجع الحالة الصحيّة لذويهم؛ ما دفعهم للعودة للجلسات بكثافة فارتفعت النسبة إلى 25 %، مع اتخاذ الإجراءات الاحترازية مع أطفالهم.

ويؤكد أخصائي العلاج الطبيعي، أنّ نسبةً كبيرةً من الأطفال العائدين للمراكز العلاجية بعد انقطاع تأخرت حالتهم، وهناك من تعرض لتيبس المفاصل، وآخرون لقصور في العضلات.

"مريم" و"حسام" ليسا بخير مع "كورونا"

رغم ما عايشته طوال 12 عامًا الماضيّة، هي عمر ابنتها الكبرى “مريم” المصابة بضمور في المخ، أعقبها إصابة طفلها الثاني “حسام” بانقطاع النخاع الشوكي، فإنّ “عبير عيسى” رضيت بقدرها، وحاولت هي و”رمضان” زوجها، أنّ يُعينا بعضهما البعض على عناء الرحلة.

القدر لم يكن رفيقًا ولا رحيمًا بـ”عبير”، ففقدت زوجها قبل شهرين من انتشار فيروس “كورونا”، ووجدت نفسها تعاني بين حمل ابنها “حسام”، 6 سنوات ونصف، وهو مشلول الحركة تمامًا، إلى جلسة العلاج الطبيعي، وبين توصيل “مريم”، المصابة بضمور في المخ، إلى جلسة التخاطب.

وضعت أزمة فيروس “كورونا” عبئًا إضافيًّا على كتف “عبير”؛ لتضطر إلى فرض حجر منزلي على نفسها وطفليها بالمنزل منذ شهرين تقريبًا؛ نظرًا لضعف مناعتهما، كما تقول لـ”ذات مصر”.

وعن تأثير “كورونا” على ابنها، تقول عبير: “فقد شهيته، وأصبح كسولًا للغاية، وحالته النفسيّة سيئة بعكس أيام الجلسات الطبيعي، ولا أستطيع فعل شيء؛ لأنّ تمارين “حسام” يجب أنّ يؤديها مختص”.

وتضيف: “حسام لو كمل علاج طبيعي ممكن يمشي على عكاز، وهذا أملي الذي أعيش عليه، لكنه مع البقاء في المنزل وقلة الحركة، أصبح مستلقيًّا طوال اليوم، ولم يعد يستجيب لمحاولات إجلاسه”.

وعن “مريم” التي تعاني ضمورًا في المخ سَبَبَ لها إعاقةً حركيّةً ولغويةً تقول “عبير”: “دخلت المدرسة وهي ذكيّة جدًا، وتعي لماذا أوقفنا الجلسات، وتتكلم، وإنّ كان بتعثر قليل، وتسألني إمتى كورونا يمشي نفسي أخرج وأروح الملاهي؟”.

"كورونا" يحجب الأمل عن كفيفات مصر

يُراهن العديد من المصريين ممن يتعاملون مع ذوي الاحتياجات الخاصة على عودة الحياة لطبيعتها مرة أخرى بعد انتهاء فيروس “كورونا” أو احتوائه على الأقل.

وتقول “آمال فكري” رئيس أوركسترا “النور والأمل” للفتيات الكفيفات لـ”ذات مصر”: “مع ارتفاع أعداد مصابي كورونا اتخذت كفيفات الأوركسترا قرارًا بالعودة إلى أسرهن بالأقاليم، لا سيما مع ارتفاع فرص إصابتهم بالعدوى نتيجة وضعهن الصحي”.

وتكشف “آمال” التداعيات الناجمة عن هذا القرار فتقول: “الفتيات لا يمتلكن آلات عزف بمنازلهن، وبالتالي كان الأثر النفسي لهذا الانقطاع سيئًا عليهن، لذلك يتصلن بي بصورة يوميّة لكي يسألن عن العودة للأوركسترا”.

النائب “خالد حنفي” (كفيف) الذي يُطبق الحجر المنزلي خوفًا من الإصابة بفيروس “كورونا”، يقول لـ”ذات مصر”: “من المفترض أنّ يتخذ أصحاب الإعاقات تدابير أكثر من الشخص العادي، فمثلًا صاحب الإعاقة البصريّة يعتمد بصورة أساسيّة على حاسة اللمس فتجده يلمس الأسطح كثيرًا، وبالتالي تكون فرصته في العدوى أكبر”.

ويضيف “حنفي” “الشخص العادي في ظلِّ كورونا يستخدم المطهرات، ويغسل يده باستمرار، لكن صاحب الإعاقة، يجب أنّ يتخذ الإجراءات الوقائيّة بشكلٍ أكبر”.

إجراءات حكوميّة لحماية ذوي الإعاقة في زمن “كورونا”

– منح الموظفة أو العاملة التي تراعي أحد أولادها من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويزيد سنه عن 12 عامًا، إجازةً استثنائيّةً براتب كامل.

– منح الموظف أو العامل المصاب بأحد الأمراض المزمنة إجازةً استثنائيةً براتب كامل.

وذلك تطبيقًا لأحكام القرار رقم 719 لسنة 2020.

ويشير النائب لأهمية البُعد النفسي لدى أصحاب الاحتياجات الخاصة، ويروي قصة عايشها بنفسه لشخص يبلغ 30 عامًا ولديه إعاقة ذهنيّة، تسبب خوف أسرته الشديد من الإصابة بـ”كورونا”، وتطبيق الحظر المنزلي في أنّه أصبح لديه هلع شديد من “كورونا”، ويقول لمن حوله: “لن أخرج لأنّ كورونا في الخارج” متصورًا أنّها كائن مخيف.

وأظهر الاستبيان الذي أجرته “ذات مصر” تأثر الحالة المزاجيّة بالسلب لـ60.7 % من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأبدى 53.7 % منهم عدم الرغبة في الخروج من المنزل، فيما توزعت بقية النسب بين البكاء، والصراخ، ونوبات الغضب، وزيادة النزوع العدواني لدي الأطفال، وأخيرًا الانطوائية.

المواجهة النفسيّة بجلسات "زووم"

“مها هلالي” رئيس مجلس إدارة جمعية التقدم لذوي التوحد، وعضو المجلس القومي لشؤون الإعاقة، قالت لـ”ذات مصر”: “بعد توقف جزء من مقدمي الخدمات لأطفال الاحتياجات الخاصة عن عملهم مثل أخصائيّ العلاج الطبيعي والتخاطب، بدأ الأهالي يتعايشون مع أطفالهم بالمنزل، فحاول البعض ممارسة التدريبات العلاجيّة مع أطفالهم، لكن هناك خوفًا من أنّ تتم الممارسة بشكل خاطئ فينتج عنها مضاعفات”.

وتضيف “مها” “نجري سلسلةً من المتابعات اليوميّة مع الأهالي، ونقترح عليهم أنشطة مختلفة بحسب إعاقة كل طفل، ونظمنا جلسات مرئيةً عبر تطبيق (زووم) مع بعض الأطفال، كحل بديل ومؤقت في زمن كورونا“.

واستطلعت “ذات مصر”آراء 5 أسر من ذوي الاحتياجات الخاصة ممن أدرجوا ذويهم بجلسات عبر برنامج “الزووم”، واتفقت الأمهات على أنّهن لجأن لـ”الأون لاين”، كحل وحيد أمامهن في مواجهة عدم قدرتهن على كسر الحظر المنزلي، والذهاب إلى جلسات العلاج الطبيعي والتخاطب”.

وتقول “دعاء مبروك” المدير التنفيذي ومؤسس “بصيرة” لذوي الاحتياجات البصريّة لـ”ذات مصر”: “اضطرنا لإيقاف القوافل التي كنا نُسيرها في القرى الأكثر فقرًا، واكتفينا بتوزيع النظارات فقط، خاصةً وأنّ هناك أطفالًا منهم متعددي الإعاقة، ومناعتهم ضعيفة”.

وتضيف “دعاء”، “هناك أسر كثيرة لا تملك خيار “الأون لاين”، لكننا طبقناه على من يمتلكون إمكانية الدخول على الإنترنت والمتابعة، وبدأنا نوفر دورات للأمهات لكيفية التعامل مع أولادهن”.

مؤسسات الرعاية الحكوميّة توائم بين حياة الطفل وتأخره

“ممنوع الإجازات، أغلقوا على نفسكم والأطفال، ممنوع استقبال الزيارات، ممنوع ترك الأولاد دون قياس الحرارة يوميًّا، وغسل الأيدي بالماء والصابون باستمرار”، 4 تعليمات وجهتها وزارة التضامن الاجتماعي لـ55 مؤسسةً من أصل 78 مؤسسةً لرعاية الأشخاص ذوي الإعاقة بعد انتشار “كورونا”.

فيما أعادت الـ23 مؤسسة المتبقية الأطفال ذوي الإعاقة لأسرهم، حسبما أكد “خليل محمد” مدير عام إدارة التأهيل الاجتماعي بوزارة التضامن الاجتماعي لـ”ذات مصر.

ويُرجع مدير عام إدارة التأهيل الاجتماعي عدم عودة جميع الأطفال لأسرهم؛ لأسباب اجتماعية تتعلق بالتفكك الأسري، ورفض بعض الأسر عودة ذويهم للعيش معهم لمدة أسبوع، حتى وإنّ كان السبب “كورونا”، فضلًا عن أنّ هناك حالات يتيمة.

ويُنهي خليل حديثه قائلًا: “الأمر كله عبارة عن مواءمة بين البقاء على حياة الطفل وبين تأخره، ويظلّ السؤال قائمًا: كيف نستوعب طفلًا من ذوي الإعاقة لو أصيب بـ”كورونا”، وأصبحت حياته في خطر؟”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هاجر الدسوقي

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram