كورونا يفتك بـ"عاملات المنازل"

سيدات على شفا الجوع والتسول

“أنا رحت لناس قلت لهم بدل ما تطلعوا الزكاة برا أعطوها لي، لأني مش عارفة أعيش؛ لدرجة أني فكرت أشحت عشان أجيب فلوس مش عارفة أعمل إيه!”، بهذه الكلمات تتذكر “سامية” الأيام الأولى لزحف فيروس “كورونا” (كوفيد-19) على مصر، الأمر الذي كان له تداعيات كارثيّةً عليها، كواحدة من بين الآلاف اللواتي يعملن بمهنةِ عاملات المنازل؛ إذ اقترن ظهور الفيروس بفقدان الغالبية العظمى من تلك الفئة لوظائفهن، أو تعليق عملهن دون أجر.

انضمت السيدة الأربعينية لمهنةِ عاملات المنازل منذ عامين، عقب تعرض ورشتها لبيع الزيوت- والتي تمثل مصدر الدخل الوحيد للأسرة- للحرقِ، وبعد معاناة البحث عن بديل للإنفاق على أسرتها المكونة من 5 أولاد وزوجِ مريض، استقرت على العمل بهذه المهنة.

“كانوا بيعطوني قرش حلو أقدر أصرف بيه على عيالي وبيجبوني كل يوم، في اليوم كنت بروح 3 شقق وبخرج بـ600 جنيه في اليوم”، هكذا بررت السيدة التي تسكن بإحدى قرى مركز كرداسة التحاقها بالعمالة المنزليّة اليوميّة؛ فمنذ يومها الأول بتلك المهنة قررت أنّها ستعمل باليوميّة ولدى أسر غير مصرية؛ نظرًا لارتفاع العائد المادي لذلك.

ومع تفشي جائحة “كورونا” انقلبت الموازين، وفقدت “سامية” عملها نتيجة الاستغناء عنها من قِبل كافة الأسر التي كانت تتردد عليهن، وعادت مرة أخرى لهوة الفقر: “من ساعة الكورونا ما بدأت كله راح بلده، ومفيش شغل، ولا بقى فيه جنيه ولا عشرة، ولا عارفة آكل عيالي ولا عارفة أجبلهم جلابية”.

 تتذكر “سامية” رجلًا سوداني الجنسية أحضرها مرات قليلة في بداية ظهور الفيروس، ومع ارتفاع معدلات الإصابة بالوباء أبلغها هو الآخر بقرار الاستغناء عنها: “قال لي أنا خايف، دي حاجة مُعدية، وممكن وأنتِ جاية يكون فيه فيروس وتنقلهولي” مضيفةً: “لمّا دا يقول ما تجوش ودا يقول ما تجوش الناس هتاكل وتشرب منين؟ الناس لو مماتتش من الكورونا هتموت من قلة الأكل”.

عاملات المنازل.. بين البطالة وتعليق العمل

أجرى “ذات مصر” استطلاع رأي لـ19 امرأة بمختلف محافظات مصر منها (القاهرة- الجيزة- القليوبية- كفر الشيخ- الدقهلية)؛ للتعرف على سياسات التعامل المُتبعة من قِبل الطرف الأول “صاحبة العمل”، والطرف الثاني “عاملات المنازل” عقب جائحة “كورونا”.

وبينت نتيجة الاستطلاع أنّه تم الاستغناء عن 63 % من عاملات المنزل في مقابل الاستمرار في الاستعانة بـ37 %، وكان السبب الرئيسي وراء توقف الاستعانة بالعاملات هو الخوف من احتمالية نقلهن العدوى لكاملِ الأسرة.

اتفقت نتائج استطلاع الرأي السابق مع الاستبيان الذي أجرته مؤسسة “الشهاب للتطوير والتنمية الشامل” والتي تعمل مع 200 عاملة منزلية بالنظام (اليومي- الثابت)؛ للتعرف على أوضاعهن جراء أزمة “كورونا”، وكشفت نتيجة الاستبيان، الاستغناء عن 85 % من إجمالي العينة، والإبقاء على 15 % فقط مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية الصارمة لمواجهة الوباء.

فيما تؤكد منظمة “هيومن رايتس ووتش”، أنَّ رغبة الأسر في تعقيم منازلها خوفًا من “كورونا” قد يأتي بنتائج خطيرة على العاملات، إذ يُطلب منهن مضاعفة استخدام مواد التنظيف دون منحهن معدات واقية، ويتعرّضن لحروق أو إصابات بمواد التنظيف الخطيرة.

عاملات المنازل.. "التسول" من أجل البقاء

في أحد صباحات الأيام الأخيرة من مارس استيقظت “رجاء” على اتصال هاتفي يفيد بجملة مقتضبة “مش هينفع تيجي لينا تاني غير لمّا موضوع الفيروس دا ينتهي خالص”، وبدلًا من أن تجهز السيدة التي تعمل بتلك المهنة منذ عمر الثانية عشر للذهاب إلى العمل لـتأتي بقوت يومها، غرقت في هواجس تدور حول تدبير أمور معيشتها: “لمّا جات أزمة الكورونا مديت إيدي ووقفت في الإشارة عشان أجيب 20 جنيه حتى آكل بيها ولادي”.

لجأت السيدة الثلاثينية لتلك المهنة منذ الطفولة، عندما تركتهما والدتها هي وشقيقاتها في مواجهة مع الزمن، وأصبحت هي المسؤولة الوحيدة عنهن باعتبارها الابنة الكبرى؛ فاستمرت لمدة عامين في العمل لدى إحدى السيدات بشكل دائم، ونتيجة لكثرة الضغوطات المادية على كاهلها وقلة الدخل اتجهت إلى العمل باليومية، الذي يوفر عائد مادي مُجدي: “بدأت شغل من وأنا في إعدادي؛ لأن والدتي سابتنا وكان لازم أدرس واشتغل، وفضلت 3 أو 4 سنين اتنقل من مكان لمكان باليومية”.

حصلت “رجاء” على شهادة الدبلوم الفني، وعقب ذلك بثلاثِ سنوات تزوجت وتركت العمل، وسرعان ما عادت إليه مرة أخرى عندما تعرض الزوج إلى حادث ضخم نتج عنه فقدان يده اليمنى: “جوزي بقى من غير شغل، وأنجبت ابني الكبير فرجعت الشغل تاني، واشتغلت باليومية عشان أقدر أجيب حق الأوضة إللي ساكنة فيها أنا وعيالي وأمي المريضة”.

نتيجة تداعيات أزمة “كورونا” فقدت “رجاء” عملها واستغنى عنها الأسر كافة، التي تعمل لديهم، وأصبحت غير قادرة على إطعام أطفالها الـ4 ووالدتها القعيدة.

تحكي السيدة أصعب المواقف التي مرت بها قائلة: “أصعب حاجة مرت عليَّ في بداية موضوع “كورونا” إني ما كنتش قادرة آكل عيالي، ولما ابني الصغير كان هيموت مني عشان معرفتش أكشف عليه”.

لا تحمل السيدة هم الطعام والشراب فقط بل تفكر طوال الوقت في علاج صغيرها الذي بلغ عامه الأول، والمصاب بـ(الصرع)؛ ما يجعلها مستيقظة ليلًا نهارًا، تقول: “نفسي ارتاح، وبطلب من الناس اللي كانت بتشغلنا في شققها وأماكنها، إنّهم يشغلونا إحنا عارفين أنّ فيه وباء لكن مش ذنب عيالنا أنّهم يتبهدلوا”.

عاملات المنازل مهددات بالموت من الجوع وليس بالوباء

بغرفةٍ بالطابق السفلى في إحدى مدن محافظة كفر الشيخ تسكن “مديحة” بصحبة طفلتيها منذ 9 سنوات، تاريخ وفاة الزوج، وهي مسؤولة عن توفير احتياجات الصغيرتين كافة؛ لذا عملت بشكل ثابت لدى ربة منزل مقابل 800 جنيه شهريًّا، كما أنها تعمل عاملة نظافة بإحدى دور الأيتام مقابل 600 جنيه في الشهر؛ إلا أن مجمل دخلها لا يكفي الطعام والشراب.

مع بداية أزمة “كورونا” استغنت صاحبة العمل عن “مديحة” دون أي تعويض، تقول: “تخيلي بشتغل عندها من 9 سنين كل يوم وفي الآخر ما تعوضنيش بأي حاجة، وربنا أنا تعبت؛ بسبب أنّها استغنت عني بعد العشرة دي كلها”.

في الأيام الماضية لم تستطع السيدة توفير الطعام لصغيراتها، فلجأت للطرق كافة؛ لإقناع صاحبة المنزل بأنّ تذهب إليها مرات متباعدة للعمل مع الالتزام بالإجراءات الوقائية كلها، بينما كانت الإجابة الرفض القاطع، تقول عن ذلك: “اترجتها ترجعني عشان بس أعرف أجيب أكل لعيالي اليتامى، وآخر ما زهقت قلت لها إحنا مش وباء سبيني أجي لك 4 أو 5 أيام في الشهر”.

استعانت صاحبة العمل مرة واحدة فقط بـ”مديحة” في أواخر شهر رمضان، تقول: “أنا عملت شغل لو في الظروف العادية ممكن يعدي الـ600 جنيه لكن أدتني 200، وما قدرتش أتكلم عشان الحوجة”.

 تلوم السيدة بصوتِ غاضب خلال حديثها مع “ذات مصر” الجهات المسؤولة على عدم تعويضها عن فقدان عملها “ما فيش حد شايفنا أصلًا؛ لأنّ إحنا إللي تحت السلم”.

"عاملات المنازل" بلا غطاء قانوني

فيما يتعلق بالوضع القانوني لعاملات المنازل وحقوقهن تقول المحامية والباحثة “نسمة الخطيب”: إنّ قضية عاملات المنازل من أكثر القضايا المعقدة؛ إذ تعمل عاملات المنازل بمصر دون غطاء قانوني يحمينهن أو ينظم حقوقهن، وتم استثناء عاملات المنازل من الخضوع لأحكام قانون العمل؛ وبالتالي ليس بإمكانهن الحصول على حقوقهن حال التعرض للإيذاء المادي والمعنوي، وذلك وفقًا للمادة 4/(ب) من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، والتي تستثني العاملات من الخضوع لأحكام هذا القانون.

وبررت المذكرة الإيضاحيّة للمرسوم بقانون رقم 137 لسنة استثناء عاملات المنازل من أحكام قانون العمل، كما ورد 1952 بأنَّ طبيعة العمل الذي تؤديه تختلف عن طبيعة العمل الذي يؤديه باقي طوائف العمال، كما أنَّ عملها يكون ذو صلة مباشرة بصاحبة العمل، بما يُمَكنهم من الاطلاع على أسرارهم وشؤونهم الخاصة”.

“الخطيب” التي عملت طويلًا بملف عاملات المنازل، تؤكد أنَّ عدم شمول فئة عاملات المنازل بالحماية القانونيّة في مصر ظهرت آثارها بشدة في خضم أزمة “كورونا”، والتي أدت إلى الاستغناء عن الغالبيّة العظمى منهن، وأصبحن بلا مصدر دخل، عكس الإجراءات التي اتخذها عدد من الدول عقب الأزمة، مستشهدةً بالتدابير المُتخذة من قبل دولة جنوب إفريقيا مع تلك الفئة؛ إذ خصصت الحكومة 2 مليون دولار تعويضًا لعاملات المنازل اللواتى فقدن أعمالهن، وبالفعل تم صرف تعويضات لـ16 ألف عاملة منازل.

“أميرة سالم” منسقة المشروعات بمؤسسة “الشهاب للتطوير والتنميّة الشاملة” تقول: إنّ المؤسسة أجرت استبيانًا وضح أنَّ الضرر الأكبر الناتج عن جائحة “كورونا” على عاملات المنازل تمثل في فقدان العمل، خاصةً أنَّ معظم أزواجهن يندرجن بفئة العمالة اليوميّة، فأصبح الضرر مضاعفًا.

وزعت المؤسسة 50 شنطة مواد غذائيّة على العاملات الأكثر تضررًا، إلى جانب تدشين حملات توعية ميدانيّة حول فيروس “كورونا” وتشمل (التعريف بالفيروس- كيفية انتقاله- أعراضه طرق الوقاية).

وتعمل أميرة مع فئة عاملات المنازل منذ عام 2010، وينقسم العمل لـ3 مراحل: الأولى خاصة بجمع البيانات حول العمالة، وآليات توظيف هؤلاء السيدات ورفع الوصم والتمييز حول المهنة، والمرحلة الثانية خاصة بتقديم خدمات الدعم النفسي والقانوني، وتأهيل عدد كبير منهن لسوق العمل، والثالثة العمل كوسيط بين أصحاب العمل وعاملات المنازل لضمان حقوقهن؛ ويتم ذلك وفقًا لبروتوكول عمل يحمي هؤلاء السيدات، وحققت تلك الوساطة حقوق السيدات.

“الشهاب” تطالب بتطبيق القوانين والاتفاقيات الدوليّة الخاصة بتلك الفئة، وتستنكر المؤسسة عدم تحرك أي جهة معنيّة لوضع قوانين تحمي حقوق العاملات بالمنازل أو التوقيع على الاتفاقيات الدوليّة، وأشهرها اتفاقية العمل اللائق رقم 189، والتوصية 201 لعام 2011 الصادرة من منظمة العمل الدوليّة.

عاملات المنازل اللاتي قابلهن “ذات مصر” وجهن رسالة موحدة لأصحاب العمل وللجهات المسؤولة معًا، بأنّ يضعوهن بعين الاعتبار، ويبحثوا الأضرار الجسيمة الواقعة على كاهلهن جراء تفشي وباء “كورونا”، فقد أصبحن واقعات في براثن الفقر المدقع، ولا يجدن قوت يومهن.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سمر حسن

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search