كورونوفوبيا

شربنَ الكحول ووضعنه على الطعامِ

ما زالت أحداث “الثلاثاء الأسود” عالقة في ذهن “بسنت وحيد”، ففي ذلك اليوم كادت الشابة العشرينية تفقد حياتها بسبب “فوبيا كورونا”، ورغم مرور أكثر من شهر، إلا أن “كابوس الموت” بقي يطاردها كلما أوت إلى فراشها.

قبل ذلك اليوم، كانت “بسنت” (24 عامًا) تعيش حياة طبيعية، إلى أن تملكها “الخوف من كورونا”، بعد ارتفاع معدلات الإصابة في جميع الدول، والأخبار المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حول المصابين والوفيات. كما تروي لـ”ذات مصر”.

تقول بسنت: “أُصبت بالاكتئاب والتوتر والقلق، ومع بداية ظهور حالات الإصابة في مصر، تضاعف الخوف حتى أصبحت في حالة هيستيرية، وظل الخوف يلازمني وأصبح نومي متقطعًا وأشعر بالاكتئاب”.

وتوضح “بسنت”: “وفي حين اعتمد عدد من الشركات أسلوب (العمل عن بعد)؛ إلا أن الشركة التي أعمل بها رفضت تطبيقه، وقررت استمرار عمل الموظفين بها من داخل مقر الشركة، حتى أواخر مارس الماضي”.

تضيف: “في تلك الفترة، شعرت بأعراض نزلة برد خفيفة، لكن الرعب دبّ في قلبي، خاصةً أني كنت أعلم أن أعراض فيروس كورونا المستجد تشبه أعراض نزلات البرد والإنفلونزا”.

دفع الرعب الشابة العشرينية إلى ارتكاب خطأ قاتل؛ إذ أقدمت على تناول “الكلور” للتخلص من الأعراض، دون أن تدري أنها كادت تودي بحياتها.
تحكي “بسنت” عن ساعتها الأولى بعد تناول المشروب السام: “جبت الأذى لنفسي بسبب الخوف، أنا مكنتش عارفة هعمل إيه من الخوف الشديد، شربت كلور وخدوني على المستشفى علشان يلحقوني علشان جالي تسمم، بس الحمد لله الموضوع عدى”.

تمكّن الأطباء من إسعاف “بسنت”، ونجت من موت محقق؛ لكنها لا تزال تعاني من “الخوف من كورونا”، ولجأت حاليًّا لارتداء “القفازات الطبية” وتعقيم يديها بالكحول، واستخدام المناديل لحمل الأشياء وفتح مقابض الأبواب.

يشخص الدكتور “جمال فرويز” -أستاذ الطب النفسي بالأكاديمية الطبية- حالة “بسنت” بأنها مصابة باضطراب وجداني، قد يُسبب أمراضًا نفسية متعددة، منها: الهوس، والاكتئاب، والوسواس القهري.

ويرى “فرويز” أن المصريين أصبحوا معرضين لمجموعة من الاضطرابات النفسية بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، منها التوتر النفسي الذي يسبب أعراضًا جسمانية، مثل: الصداع، وجفاف الحلق، وألم في الصدر، وألم في المعدة، والإجهاد العام، وزغللة العينين، وزيادة ضربات القلب، وبرودة في الأطراف. موضحًا أن التوتر النفسي تتشابه أعراضه مع “كورونا”، لكنها لا تشمل درجة حرارة مرتفعة.

ويشير أستاذ الطب النفسي إلى أن بعض المصريين أُصيبوا بنوبات اكتئاب واضطرابات في النوم والأكل، خاصةً بعد فرض حظر التجوال الجزئي، إضافةً إلى معاناتهم من هاجس النظافة، الذي يدفعهم للقيام بأمور جنونية، حتى إن البعض قد يلجأ للانتحار، كما حدث في حالة “بسنت” التي أدخلتها الضغوط النفسية والخوف من كورونا في حالة من الاكتئاب قادتها في النهاية إلى تناول الكلور السام.

وتوقع “فرويز” إصابة عدد آخر من الشخصيات باضطرابات وجدانية، كالوسواس، والاكتئاب، والهوس، إذا استمرت حالة الضغط النفسي مع تغير الفصول. مضيفًا أن تلك الاضطرابات قد تؤثر على التركيبة الكيميائية للمخ، وتدفع صاحبها للانتحار.

من وجهة نظر الدكتور “محمد هاني” -استشاري الصحة النفسية- فإن التوهم المرضي هو الذي هدد حياة “بسنت”، وليست عدوى كورونا. مضيفًا أن المصابين بتلك الحالة يعانون من أعراض الفيروس نفسها نتيجة الإيحاء النفسي.

ويوضح “هاني” لـ”ذات مصر”، أن حالة التوهم المرضي قد تتطور إلى أن تصل إلى الاكتئاب الحاد الذي قد يقود صاحبه إلى الانتحار. معتبرًا أن ذلك حدث للعديد من المصريين خلال الأزمة الحالية، لا سيما مع غياب الدعم النفسي.

طعام بنكهة الكحول

لعدة سنوات، عانت “أميرة محمد” (30 عامًا) من “وسواس النظافة” القهري الذي أصابها بعد أن أنجبت طفليها، لكن حياتها زادت جحيمًا -كما تقول- مع انتشار فيروس كورونا المستجد.

تضاعف الضغط الذي تعاني منه السيدة الثلاثينية، وأصبحت الكوابيس تلاحقها بشكل دائم، وعانت من “النوم المتقطع”، قبل أن تتخذ قرارًا بالمكوث في المنزل، وعدم الخروج منه إلا للضرورة.

تحكي “أميرة” لـ”ذات مصر”: “امتنعت عن الخروج من المنزل نهائيًّا، إلا في حالة شراء الطعام، وعندما أُضطر للمغادرة، أصطحب معي عبوات الكلور والكحول لتعقيم يدي كل ثانية حتى إن جلد يدي تشقق نتيجة كثرة استعمال المطهرات”. مضيفةً: “وصل بي الحال إلى رش الكحول على الصابون قبل استخدامه”.

لم تكتفِ “أميرة” بتعقيم كل شيء من حولها، بل لجأت لرش المطهرات على طعام أطفالها، كما تروي: “من خوفي كنت برش كحول على الأكل لحد ما أختي نبهتني أنه ممكن يتسبب في تسمم لينا أو فشل كلوي، فمبقتش أحطه”.

كما لجأت السيدة الثلاثينية لتعقيم العملات الورقية، وغسلها بالماء والصابون، وتركها حتى تجف، خوفًا من الإصابة بعدوى كورونا.

هاجس النظافة والوسواس القهري

“هناك فارق بين هاجس النظافة بسبب فيروس كورونا، وحالة الوسواس القهري المتعلق بالنظافة، فالمصاب بالهاجس الأول يغسل يديه بشكل دوري بالصابون والكحول، ولكنه ليس مصابًا بأي مرض”.. بهذه الكلمات يشرح الدكتور “جمال فرويز” الفارق بين هاجس النظافة والوسواس القهري المتعلق بفيروس كورونا.

ويُضيف أستاذ الطب النفسي، أن مرض الوسواس القهري بالنظافة يكون عبارة عن فكرة مسيطرة على المريض بأنه سيصاب بالمرض، وتوجد على يده جراثيم. مؤكدًا أن شخصية مريض الوسواس القهري تكون تحت تأثير فكرة معينة هي الإصابة بالمرض، وهناك فارق بينها وبين الأشخاص الذين يُكثرون من النظافة.

كوابيس لا تنقطع

تبدّل عالم “سارة علي” -مرشدة الصحة النفسية- بعد خطاب الرئیس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، مساء ليلة يوم 16 مارس 2020، الذي أعلن فيه فرض الحجر الصحي علی الشعب الفرنسي، كإجراء وقائي لمكافحة فيروس “كورونا”.

منذ 14 عامًا، اعتادت المصرية المقيمة في فرنسا على نمط حياة هادئ مقسم بين العمل في الرعاية الصحية والنفسية لسكان الأحياء الفقيرة، وبين أداء الواجبات المنزلية، قبل أن تخلّ جائحة كورونا بهذا النمط.

تقول “سارة”، إن نسبة الإصابات والوفيات في فرنسا مرتفع للغاية، وهو ما زاد من عبء الضغط النفسي عليها، لا سيما وأنها كانت تواصل تأدية عملها من المنزل عبر الهاتف المختص بتقديم الدعم النفسي والاستشارات لتهدئة المرضى وكبار السن.

بعد مرور أيام داخل الحجر المنزلي، شعرت المرشدة النفسية بالاكتئاب الشديد، نتيجة متابعتها لنشرات الأخبار، وإصابة العديد من أصدقائها بالفيروس ووفاة بعضهم.

تضيف: “أصبحت مصابة بهوس النظافة إلى حد هيستيري، وفي يوم دخلت ابنتي إلى “التواليت” دون أن تغسل يديها، فبدأت أصرخ فيها، وأنظف مقابض الباب بالكلور، بينما نظرت ابنتي لي وكان تعبيرها: انتي هتموتينا بدا”.

تُنهي “سارة” حديثها: “نحن لا نخرج من المنزل، فالخروج يتطلب وثيقة معتمدة من الدولة، ولكننا نقضي اليوم في تطهير المنزل وإعداد الطعام، ومتابعة الأنشطة (الأونلاين)”.

تصريح الخروج من المنزل في فرنسا
نصائح للحفاظ على الصحة النفسية

يرى الدكتور “محمد هاني” ضرورة ابتعاد جميع الأشخاص، ولا سيما المصابين بالاضطرابات النفسية، عن الأخبار السلبية، والأشخاص المحبطين. مضيفًا أنه يجب توفير بيئة إيجابية للمريض النفسي حتى لا تزداد حدة الأعراض عليه.

وينصح “هاني” المصابين باضطرابات نفسية بالمواظبة على تناول الأدوية في مواعيدها، مشددًا على دور الأهل في رعاية المريض، وإبعاده عن الصدمات النفسية التي قد تُسبب انتكاسات مرضية له.

ويتابع: “على الأسرة أن تُحيط المريض بالحب والرعاية بصفة مستمرة، وينبغي مساعدته على الاستفادة من وقت الفراغ عبر ملئه بالهوايات المفيدة، وعدم تركه منعزلًا، وبثّ الأمل في نفوسهم بانتهاء الأزمة قريبًا”.

ويؤكد استشاري الطب النفسي أن العديد من الأشخاص أُصيبوا بوسواس النظافة القهري، خلال الفترة الماضية، بسبب انتشار فيروس كورونا. مشيرًا إلى أن الشك والقلق الزائد يدمران صحة الإنسان أكثر من فيروس كورونا المستجد.

وتُشدد وزارة الصحة المصرية على ضرورة الانشغال بالأمور الإيجابية، والتقارب الأسري، وممارسة الأنشطة المشتركة مع أفراد الأسرة، واتباع نظام غذائي متوازن، والامتناع عن التدخين وتناول الكحوليات، والتواصل مع الأصدقاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، للتخفيف من التوتر خلال أزمة كورونا.

من جانبه، يشدد الدكتور “هاني هنري” -أستاذ علم النفس المشارك بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- على ضرورة محاولة تبسيط الأمر للأطفال، ودفعهم للبوح والاعتراف بمشاعرهم تجاه الأزمة الحالية، وإفهامهم أن الحياة تتغير.

ويرى “هنري” أن كبار السن عليهم المكوث في المنزل قدر الإمكان، والتعامل المحدود مع الغرباء، داعيًا الأسر إلى توفير الدعم النفسي لهم خلال الأزمة الحالية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبتها

سمر حسن

صحافية مصرية

سارة الجارحي

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram